حرب العراق تطارد بلير الى شاشة التلفزيون
لندن – باسل الجبوري: تزامناً مع الذكرى الثانية للحرب على العراق، عرضت القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني فيلماً بعنوان "مفتش الحكومة" وهو دراما واقعية مستقاة من قضية انتحار خبير أسلحة الدمار الشامل الدكتور ديفيد كيلي. لقد أحدث مصرع كيلي هزة كبيرة في بريطانيا عندما أنهى حياته في تموز/يوليو من عام 2003، بعد يوم واحد من مثوله أمام لجنة الاستخبارات في مجلس العموم، والتي كانت تحقق في إدعاءات هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، بأن الحكومة ضخمت الخطر الذي كانت تمثله أسلحة الدمار الشامل العراقية لتبرير مشاركتها الى جانب الولايات المتحدة في الحرب على العراق. هذا التضخيم الذي سرّبه ديفيد كيلي الى صحفي في البي بي سي، لكنه أنكر قيامه بذلك، وخشي أن تكشف اللجنة أمر هذا التسريب عند مثوله أمامها في جلسة أخرى، فاختار أن ينهي حياته بدلاً من التعرض للإهانة أمام أنظار الملأ، خاصة وأن وزارة الدفاع التي كان يعمل لديها، قادت الصحافة وبأسلوب غير مباشر الى معرفة هويته، وبأنه هو مصدر المعلومات المتسربة.
القصة شائكة ولانود الخوض في تفاصيلها أكثر من ذلك، ولكنها ربما تكفي للتعريف بخلفية ما يتناوله الفيلم الذي كتب له السيناريو وأخرجه المخرج البريطاني المثير للجدل بيتر كوزمنسكي. وقد واجه كوزمنسكي بدون شك، تحدياً كبيراً في تقديم قضية معقدة على شكل دراما حافظ فيها، وببراعة منقطعة النظير، على تشويق المشاهد الذي يعرف القصة سلفاً. وهنا لجأ المخرج الى أدوات جذب عدة، كالموسيقى التصويرية وهي خليط من الموسيقى الغربية والغناء العربي، جاذبية مواقع التصوير، سواء في الريف الإنجليزي حيث يقيم كيلي أو في مدينة طنجة المغربية نظراً لتعذر التصوير في العراق بسبب الوضع الأمني، هذا بالإضافة الى لمحات فكاهية تركزت – وبشكل تهكمي- على شخص رئيس الوزراء توني بلير، ليصوره وهو يعزف على الجيتار في مقر رئاسة الوزراء بينما يناقش على الهاتف التعديلات التي كان مستشاره الإعلامي ((أليستر كامبل)) يدخلها على الملف العراقي. لقد صور المخرج رئيس الوزراء بطريقة كوميدية كسر بها الجو التراجيدي للقصة، وربما أراد أن ينال منه قبل شهرين فقط من الإنتخابات المقرر إجراؤها في بريطانيا، ليضم صوته الى أصوات المتسائلين/المتهمين: هل خدعتنا الحكومة؟ أين أسلحة الدمار الشامل إذن؟. التساؤل/الإتهام لايزال قائماً حتى بعد مرور عامين على الحرب. تلك الأسلحة التي كانت الشغل الشاغل لديفيد كيلي، ولكن سرعان ما كان الأمل في العثور عليها يتبخر يوماً بعد يوم. فعندما يدخل منشأة ((الحكم)) في بغداد، لايكاد يصدق عينيه وهو يرى أجهزة الكومبيوتر محطمة، الملفات ممزقة وبعضها تم حرقه. الأمريكان، قالوا إن العراقيين عبثوا بالمنشأة في موجة النهب التي اجتاحت بغداد . ولكن هل يعقل ذلك؟
![]()
أحد مشاهد التصوير في مدينة طنجة
يستعين كيلي بعالم الأسلحة الجرثومية العراقي الشاب قاسم حمداني. وعبثاُ يحاول حمداني إقناعه بأنه يطارد السراب، فقد أتلف النظام السابق كل الأسلحة منذ زمن بعيد، وأن الأمريكان هم الذين عبثوا بمحتويات المبنى لأنهم لايريدون، لا لكيلي ولا لغيره، أن يعرفوا الحقيققة، وهي أن العراق لم يكن يملك تلك الأسلحة التي اتخذوها ذريعة لشن الحرب. وتفادياً للفضيحة أتلفوا الأجهزة وألقوا بالتهمة على لصوص بغداد وغوغائها. ولوكان هذا صحيحاً لسرق اللصوص كل محتويات البناية، فأي لصوص هؤلاء الذين يحطمون أجهزة الكومبيوتر والأسطوانات المدمجة ويحرقون الملفات؟.
إنها الخديعة التي لايستسيغها كيلي، وهي التي ستكلفه حياته فيما بعد، خاصة مع إصراره على أنه سيعثر على الأسلحة وإن طال الزمن. لكن الزمن طال بالفعل، وكل ما جناه كيلي حقيقة أشد مرارة منها. إذ لم يمض وقت طويل حتى يلتقي مع العالم العراقي الشاب من جديد، هذه المرة في مقهى على ضفاف نهر التيمز، حيث لجأ حمداني الى لندن هرباً من مسلسل القتل المريب الذي يحصد العلماء العراقيين كل يوم. يمر قارب سياحي في نهر التيمز فيلوح حمداني بقنينة كوكا كولا قائلاً: ((أنظر دكتور كيلي. رجل وإمرأة في هذا القارب عصر ذات يوم. يلقيان في النهر قنينة بهذا الحجم ملية بأسلحة جرثومية تكفي لقتل مائة ألف شخص)). إنه السيناريو المرعب الذي يحاول حمداني رسمه لصاحبه: ((تنظيم القاعدة لم يكن قادراً على الوصول الى العلماء العراقيين في الماضي. أما الآن فسيبيع العلماء أسرارهم لمن يدفع أكثر)).
وبهذا الاستنتاج السوداوي يثير الفيلم مخاوف المشاهد من المستقبل المجهول المتمثل بالإرهاب العالمي في ظل تداعيات الحرب على العراق، والتي أُعلن في نهاية المطاف، أنه لم ولن يتم العثور على أسلحة دمار شامل فيه. وفي المشهد الأخير ، نتوقف عند مقبرة في العراق ، الذي دفع أهله أغلى ثمن من الضحايا، في ظل قمع النظام السابق ومقابره الجماعية، وحرب الحلفاء ومجازر الإرهابيين، تليها شاشة سوداء وعليها رقم قتلى الامريكيين وغيرهم في تلك الحرب، ثم تذكير بأن بريطانيا لاتزال في حالة تأهب تحسباً لهجوم إرهابي.
رغم القيود التي يفرضها التعاطي مع أحداث واقعية على أي عمل درامي، فقد استطاع كوزمنسكي، وبفضل الأداء الرائع لبطل الفيلم ((مارك رايلانس)) الذي أدى دور كيلي، أن يستغل الخامة الدرامية المتمثلة بانتحار كيلي لإيصال رسالته، وهي التشكيك في أن تكون الحروب أفضل وسائل درء الخطر. وهناك قناعة لدى كثيرين بأننا لن نعرف خفايا الحرب على العراق قبل مرور عشرات السنين، خاصة وأن هناك أسئلة لاتزال تنتظر الإجابة: لماذا أمدّ الغرب النظام السابق بكل أسباب القوة – ومنها مكونات إنتاج أسلحة الدمار الشامل بكل أصنافها – قبل أن ينقلب عليه؟ ألم يكن ممكناً قلب نظام الحكم في بغداد دون شن حرب شاملة، خاصةً وقد وصلت الاستخبارات الأمريكية الى يد النظام الضاربة (الحرس الجمهوري) وأغرت قادته بتسليم بغداد دون مقاومة؟ ولماذا أطلقت القوات الأمريكية العنان لكل من يرغب بنهب مصارف العراق ومستودعات ذخيرته؟ .. ليس صعباً على المرء إدراك ماذا يفعل المال والسلاح إذا اجتمعا في يد واحدة. الصعب هو إدراك سبب شكواهم من استمرار موجة العنف في العراق حتى الآن!




التعليقات