قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إن ما يجري في العراق منذ سقوط نظام البعث الفاشي يوم 9/4/2003 من أعمال إرهابية جنونية وانتحارية ضد شعبه، والتي بلغت الذروة بعملية تفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء يوم الأربعاء المصادف 22/2/2006، أحد أهم المراقد المقدسة لدى المسلمين الشيعة في العالم وردود الأفعال الغاضبة التي تجاوزت الحد المعقول، حيث أعمال الفوضى والشغب والقتل العشوائي التي راح ضحيتها أكثر من 130 شخصاً وتعرضت أكثر من مائة من مساجد أهل السنة للاعتداء، لدليل آخر على غياب العقل والوعي وسيطرة الغرائز على سلوك الإنسان في مثل هذه الحالات. والجدير بالذكر، إن ما يجري في العراق من صراعات دموية هو ليس وليد اللحظة، بل انفجار لبركان كان خامداً تحت الرماد، ينتظر اللحظة المناسبة والتي توفرت بسقوط النظام الجائر فراح يقذف حمماً.nbsp;

أجل، الكوارث التي يعيشها الشعب العراقي اليوم ليست جديدة عليه، بل حصلت مراراً عبر تاريخه الحافل بالحروب والدماء والآلام والانفجارات. فلو تأملنا تعقيدات الوضع العراقي في مكونات شعبه وموقعه الجغرافي الخطير وثرواته الطبيعية الهائلة التي جعلته موقع جذب وساحة للحروب بين الأمم الطامعة به، لعرفنا أن ما يجري الآن هو نتيجة تراكمات قرون سحيقة وتكراراً لما كان يجري في الماضي. فهدم العتبات المقدسة لدى الشيعة ليس بالأمر الجديد، إذ قام الخليفة العباسي، الطاغية المتوكل من قبل بهدم ضريح الإمام الحسين بن علي (ع) في كربلاء وأغرق الموقع بالمياه لمنع محبيه من زيارة القبر. ولكن التاريخ أبقى قبر الحسين وأصحابه كمعلم من المعالم التاريخية البارزة في العالم، بينما لم يبق أي أثر للمتوكل وكل الطغاة في التاريخ. كذلك تناوب الصفويون والعثمانيون على هدم أضرحة أئمة العراقيين من السنة والشيعة وحرق مكتباتهم والانتقام من أبناء الطائفتين.

في عراق ما بعد صدام، كان من الممكن تفادي كل هذه كوارث والمآسي التي يتعرض لها الشعب لو توفرت الحكمة والعقلانية لدى القيادات السياسية والدينية في العراق، ولكن وكما أثبتت الأحداث المأساوية أنه لا حياة لمن تنادي.

يتميز العراق عن غيره من بلدان العالم بموقعه الاستراتيجي الخطير حيث تحيط به ستة بلدان ذات ثقافات وأثنيات وأديان مختلفة ومتصارعة، وتكوينه الديموغرافي المتنوع المشابه لشعوب هذه الدول المجاورة، أي أن تنوع دول الجوار انعكس على مكونات الشعب العراقي وساهم في عدم تماسكه. لذلك لعبت هذه الدول ومازالت، دوراً كبيراً في استغلال مكونات الشعب العراقي المختلفة لصالحها وضد مصلحة العراق كوطن موحد وساهمت في عدم استقراره.nbsp; وفيما يخص الأحداث المأساوية الأخيرة، هناك بعض الحقائق ذات علاقة أود توضيحها في هذه المداخلة:

أولاً، إن تفجير المزار الشيعي في سامراء ليس من عمل الإرهابيين الوافدين من الزرقاويين، بل هو صناعة محلية تحمل بصمات فلول البعث المنحل الساقط. وهذا ليس دفاعاً عن الإرهابيين الزرقاويين، فهؤلاء هم حلفاء طبيعيون للبعث، ولا يمكن لهم التحرك وتنفيذ أية جريمة ضد الشعب العراقي ما لم تكن بدعم وتوجيه البعثيين. وقد أكد ذلك الدكتور إبراهيم الجعفري، رئيس الوزراء العراقي، في مؤتمره الصحفي عندما قال ان quot;حوالي عشرة أشخاص شاركوا في الاعتداء من بين عشرات آخرين كانوا يرتدون زي مغاوير الشرطة العراقية تشير الى اختراقهم لأجهزة الأمن ... وانه يستطيع أن يعلن هذا من دون حساسيات سياسية.quot; فمن هم الذين يخترقون قوات الأمن العراقية غير البعثيين العراقيين؟

ثانياً، إن قادة التنظيمات السنية قد أساءوا كثيراً إلى أبناء طائفتهم عندما ربطوا مصيرهم بحزب البعث وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقد طالبنا هؤلاء أن ينأوا بأنفسهم عن هذا الحزب الفاشي ولا يلوثوا سمعة أهل سنة رسول الله (ص) بهذا الحزب الفاشي المجرم، ولكن وقعت نصائحنا على آذان صماء. فقد أثبت هؤلاء القادة أنهم الواجهات المرئية لما يسمى بالمقاومة. إذ نرى القيادات السنية المتمثلة بـ quot;هيئة علماء المسلمينquot; وقادة جبهة التوافق التي تضم الحزب الإسلامي ومؤتمر أهل العراق ومجلس الحوار الوطني، جندوا كل طاقاتهم للدفاع عن البعث ودعم ما يسمى بالمقاومة الشريفة رافضين إدانة جرائمهم الإرهابية بحق الشعب العراقي تحت يافطة مقاومة المحتل، بينما القتل والتنكيل كان بحق الشيعة وتفجير مساجدهم وحسينياتهم. وأخيراً، بلغ هذا العدوان الإرهابي الذروة عندما فجر الجناة ضريح الإمامين في سامراء يوم 22/2/2006. في هذه الحالة ونحن نسأل، ما علاقة تفجير العتبات المقدسة ودور العبادة بمقاومة المحتل؟ لذلك يجب أن يعرف قادة أهل السنة أن ردود الأفعال عند الشيعة ستكون عنيفة وليس بإمكان آية الله علي السيستاني ولا غيره من المرجعية الشيعية السيطرة على انفجار مشاعر الغضب عند أبناء طائفتهم وهم يرون أقدس رموزهم الدينية تتحول إلى ركام. في هذه الحالة ينفجر الغضب الذي يحرق الأخضر بسعر اليابس وقد ذهب الأبرياء ضحايا العنف المنفلت، والبادي أظلم.

ثالثاً، أثبت المسئولون في الحكومة الحالية أنهم دون مستوى المسئولية ودون أن نقلل من صعوبة المرحلة. فهم يعرفون أن الرموز الدينية الشيعية (المساجد والحسينيات والأضرحة) مستهدفة من قبل فلول البعث وحلفائهم الزرقاويين من أجل إشعال فتنة طائفية، لذلك كان عليهم فرض حراسة مشددة على العتبات المقدسة خاصة، لتفويت الفرصة على الجناة. ولكن بدلاً من ذلك، انشغل المسؤولون من قادة الأحزاب السياسية الكبيرة، في مفاوضات ومداولات لها أول وليس لها آخر حول الحصص في المناصب الحكومية، مفضلين مصالحهم الشخصية والفئوية على المصلحة الوطنية في الوقت الذي كان ومازال فيه الوطن مستهدفاً من قبل الإرهاب العالمي الذي يسنده عدد من دول الجوار إضافة إلى منظمات عالمية سياسية وغيرها، من اليسار واليمين، غايتها إفشال التجربة الديمقراطية في العراق وذلك كرهاً لأمريكا.

رابعاً، حاول أنصار مقتدى الصدر استغلال الوضع المشتعل لصالحهم، فنزل ما يسمى بـquot;جيش المهديquot; رافعين صور سيدهم كمناسبة دعائية وقد قاموا بالاعتداء على مساجد أهل السنة والقتل العشوائي للأبرياء السنة. وهذا يصب تماماً في خدمة الإرهابيين البعثيين والزرقاويين الذين فجروا الضريح الشيعي، لأن الغاية هي واحدة وهي خلق فوضى عارمة وزعزعة الأمن من أجل فرض شروطهم واحتلال دور أكبر من حجمهم في الحكومة القادمة. كذلك يجب أن لا ننسى أن معظم أنصار مقتدى الصدر كانوا بعثيين وأعضاء في منظمة فدائي صدام، فانضموا إلى quot;جيش المهديquot; ليواصلوا جرائمهم ضد الشعب، ففي عهد صدام كانوا يرعبون الشعب باسم حزب البعث، واليوم يرتكبون ذات الجرائم ولكن باسم الإسلام وجيش المهدي والتيار الصدري. وهذا ينسجم تماماً مع سياسة البعث الفاشي، فالبعثيون السنة ومعهم الزرقاويون يهاجمون المقدسات الشيعية، والبعثيون الشيعة يعتدون على المساجد السنية. لذلك فما يجري الآن هو تنفيذ لما خططه صدام حسين قبل سقوطه في عملية خلط الأوراق وتوزيع الأدوار في تدمير البلاد. ففما يجري الآن ليس حرباً أهلية كما يروج لها البعض، بل هي حرب فلول النظام الساقط من البعثيين السنة والبعثيين الشيعة على جميع مكونات الشعب العراقي لإفشال الديمقراطية وإعادة البعث الفاشي للحكم.

خامساً، العراق مستهدف ليس من قبل الإرهاب فحسب، بل ومن قبل عدد من دول الجوار. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نرى إيران وسوريا تذرفان دموع التماسيح على الشعب العراقي علناً، ولكن في السر والعلن يعملان على إفشال المشروع الديمقراطي في العراق بحجة دعم مقاومة الشعب العراقي ضد الاحتلال الأجنبي. فالدولتان فتحتا حدودهما لتسلل الإرهابيين إلى العراق. كذلك الحملة الدعائية ضد تحرير العراق، وما تقوم به إيران ضد القوات البريطانية في البصرة. ودور الأردن وعدد من الدول العربية الأخرى في إرسال الإرهابيين إلى العراق والتعاطف الشعبي الذي يتلقاه الإرهابيون في بلدانهم من تمجيد لما يقومون به من عدوان على الشعب العراقي.

سادساً، شاهدنا في الآونة الأخيرة، كيف استقبل رؤساء دول الجوار مقتدى الصدر وهو يقوم بزيارة مكوكية وبدعوة رسمية وكأنه رئيس للحكومة وليس رئيساً لعصابة من المليشيات المسلحة المتمردة على القانون. فمقتدى الصدر مازال مطلوباً من قبل العدالة لارتكاب أنصاره جريمة قتل الشهيد عبدالمجيد الخوئي واثنين من مرافقيه في جريمة بشعة يوم 10/4/2003 ، أي بعد يوم واحد فقط من تحرير العراق، وقاموا بسحل جثثهم بمنتهى الوحشية دشنوا بها العراق الجديد. إن هذا الاستقبال الرسمي من قبل رؤساء دول الجوار لا يخلو من نوايا مشبوهة ضد العراق. فرغم التناقضات بين هذه الدول فيما يخص علاقاتهم بأمريكا، إلا إنهم متفقون على إفشال الديمقراطية في العراق، ومقتدى الصدر هو أحد الأدوات لتحقيق هذه الهدف الدنيء. فمقتدى الصدر ليس مسئولاً رسمياً ولا هو برجل دين كبير بلغ درجة الإجتهاد، فهو لم يتجاوز بعد الثانية والثلاثين سنة من العمر، ولم يكن له حظ واسع في العلوم الدينية، كما إنه معروف بجهله في الثقافة العامة والأمور السياسية من خلال تصريحاته المثيرة للسخرية، مثل أنه على استعداد للدفاع عن إيران وسوريا وأية دولة من دول الجوار...الخ، ووفق جميع المقاييس فمقتدى الصدر لا يستحق هذه الحفاوة من قبل كبار مسئولي دول الجوار. فيا ترى لماذا هذا الاستقبال الحافل لرئيس عصابة لها دور بنشر الفوضى في عراق ما بعد صدام؟
من هنا نفهم أن الغرض من هذا الاستقبال هو تشجيع هكذا إنسان على الإمعان في غيه ومواصلة عمله في زعزعة الأمن والاستقرار في العراق، وأن يظهروا للعالم أن هكذا quot;زعيمquot; مختل عقلياً مثل مقتدى الصدر هو كل ما يستطيع الشعب العراقي إنجابه وهو خير من يمثل هذا الشعب الذي يستحق هكذا زعيم وبهذا المستوى الهابط ومن قبله الجلاد صدام حسين الذي ملأ العراق بالمقابر الجماعية وأحاله إلى أكبر سجن في العالم.

الحرب الأهلية:
والسؤال هو، هل ستتحقق أحلام أعداء العراق في تدميره وإفشال مشروع الديمقراطية فيه بإشعال فتنة طائفية والانسحاب المبكر لقوات التحالف؟
لقد ساهمت دول الجوار باستثناء الكويت وتركيا، بشكل وآخر، على إشعال حرب أهلية في العراق وأكدوا على تحقيق هذا الحلم بتوجيه نصائح لأمريكا بإبقاء النظام البعثي الصدامي وتحذيرات من مخاطر نشوب حرب أهلية في العراق لا تبقي ولا تذر؟ ومن ثم استخدموا رجال الدين في إصدار فتاوى الجهاد ضد quot;المحتل الكافرquot; وادعموا الإرهاب في العراق وأثاروا المخاوف من quot;الهلال الشيعيquot;.. الخ. وقد بذل الإرهابيون البعثيون وحلفاؤهم الزرقاويون كل ما في وسعهم لإشعال حرب طائفية ففشلوا لأن آية الله السيستاني راح يحث الشيعة على الصبر وضبط النفس. لذا لجئوا أخيراً إلى ارتكاب أخس جريمة بشعة لا يرتكبها إلا الهمج، فقاموا تفجير المزار الشيعي في سامراء كنقلة نوعية في تصعيد الفتنة لتحقيق هدفهم الإجرامي في إشعال الحرب الأهلية، ولكن سترد سهامهم إلى نحورهم وتفشل جميع محاولاته كما فشلت غيرها من قبل.

يجب أن يعرف الذين يراهنون على حرق العراق أنهم واهمون وعلى خطأ كبير وبسعيهم هذا لإشعال الحرائق في العراق سيحرقون بلدانهم وهم أول الخاسرين بخسارة العراق. وقد بدأت بوادر هذا الحريق في تفجيرات فنادق عمان أواخر العام الماضي، وهذا مجرد أول الغيث. لذلك على الذين يراهنون على تدمير العراق، أن يفهموا جيداً، أنه إذا تحقق حلمهم وقرر الشعب العراقي أن ينتحر، فسوف لن ينتحر لوحده، بل ستصل الحرائق إلى بلدانهم، فالمنطقة العربية وكافة دول الشرق الأوسط سريعة الاشتعال. وإن حصل لا سامح الله، فهذا يعني نهاية العالم. وهذا مستحيل. لذلك ننصحهم أن يوفروا طاقاتهم وثروات بلدانهم في خدمة شعوبهم بدلاً من تبديدها لتدمير العراق.

يجب أن يعرف اللاعبون بالنار من أمثال محمود أحمدي نجاد وبشار الأسد ومن لف لفهما أن العراق ليس الصومال. ومهما خلقوا من مصاعب فيه، فأمريكا ومعها حلفاؤها سوف لن يتركوا العراق ضحية لمخططاتهم الجهنمية الرامية لإشعال حرب أهلية. لقد انسحبت أمريكا من الصومال وتركته ينحدر إلى مستنقع حرب أهلية لخمسة عشر عاماً، لأن ليس لأمريكا في الصومال ناقة ولا جمل، ولا الصومال يشكل خطراً على أمن الغرب. أما العراق فيختلف تماماً عن الصومال وعن لبنان وعن فيتنام أو أية دولة أخرى. نعم للعراق خصوصياته الديموغرافية والجغرافية وثرواته الطبيعية الهائلة ذات علاقة استراتيجية مصيرية، لذلك فمن يسيطر على العراق يسيطر على أمن العالم، وإذا خسرته أمريكا ستكون هزيمة كبرى لها ولأوربا وللعالم كله، وسيسود الإرهاب ليهدد العولمة والسلام العالمي. وهذا لن ولا يسمح له أن يحصل مطلقاً ومهما بلغ الثمن.