قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الكاتراز هو اسم لأشهر سجن اميركي يقع في خليج سان فرنسيسكو ويسمى أيضاً بالصخرة. وقد شهد تأريخ السجن الكثير من القصص لعل أبرزها قصص الهروب الفاشلة. التحقيق التالي يبين من داخل السجن تاريخه ونظامه وأشيع حوله.


ليلى فريد: باستثناء جوانتنامو وأبوغريب، اللذين جعلت وسائل الإعلام الحديثة ذكرهما على كل لسان، ربما لم يحظ سجن فى التاريخ بالشهرة التى نالها سجن الكاتراز الأمريكى. ويطلق عليه أيضا إسم quot;الصخرةquot;، ربما لأن الوصول إليه يتطلب صعود تل صخرى شديد الانحدار، فى الجزيرة التى يقع فيها.


وترجع شهرته أساسا إلى الأساطير التى نسجت حوله، وساعد على إذكاء الخيال بخصوصها، الكتب والأفلام التى كان هذا السجن محورها. فلا يمكن لمن شاهد فيلم quot;رجل طيور الكاترازquot; أن ينسى الأداء الرائع لبرت لانكستر وهو يلعب دور نزيل فى سجن أعتى المجرمين؛ ورغم ذلك فهو إنسان شديد التعلق بالطيور: أرق مخلوقات الله. ولا يستطيع من انحبست أنفاسه مع كلينت إستوود فى quot;الهروب من الكاترازquot; أن ينتزع من خياله صورة هذا المكان الرهيب. فلقد أصبحت العبارة، التى قالها الحارس المخيف للسجين الجديد، من كلاسيكيات السينما الخالدة: quot;إذا لم تطع قوانين المجتمع، يرسلونك إلى السجن. وإذا لم تطع قوانين السجن يرسلونك إلينا هناquot;.

فما هى قصة هذا الكاتراز؟

تقع جزيرة الكاتراز فى قلب خليج سان فرانسيسكو، غرب الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ظلت شبه مهجورة حتى اشتراها الحاكم العسكرى لكليفورنيا من الحكومة المكسيكية عام 1847. وفى عام 1854 أقيمت بها منارة، تعد أول منارات ساحل الباسيفيك. وفى نفس الفترة تقريبا بدأ الجيش فى استخدام الجزيرة كمكان لحصن وثكنات، ثم كسجن حربى.

وفى عام 1934 انتقلت الإدارة من وزارة الدفاع إلى وزارة العدل، وصارت الجزيرة بمبانيها، لمدة تسعة وعشرين عاما، مركزا لسجن فيدرالى، تراعى فيه أقصى درجات الانضباط والحراسة المشددة. ولكن فى عام 1963 تقرر إغلاق السجن ونقل نزلائه إلى سجون أخرى. وتعود أسباب هذا القرار إلى تصاعد تكاليف إدارته وترميم مبانيه؛ بالإضافة إلى أن طبيعته (كمكان الهدف الأساسى منه هو تنفيذ العقوبة)، أصبحت لا تتماشى مع الاتجاهات الحديثة فى معالجة الجريمة، والتى تدعو لأن يكون الهدف الرئيسى من السجون هو إعادة التأهيل.

أما الآن فتستغل الجزيرة، بذكاء فائق، كأحد أهم المعالم السياحية فى سان فرانسيسكو. وتجلب quot;المعدياتquot; يوميا، فى رحلة قصيرة، آلاف السياح من رصيف ممتد فى الخليج إلى مرفأ فى الجزيرة. وتتاح الفرصة للزوار لأن يتجولوا فى الجزيرة المسحورة، ويدخلوا كل أجزاء السجن الرهيب، بمساعدة إرشادات واضحة، وتسجيل صوتى ممتع، يحوى بالإضافة إلى الشروح، خلفيات صوتية تعيد تمثيل الأحداث الهامة التى جرت داخل الجدران؛ فيعيش الزائر مرة أخرى فى أجوائها المثيرة.


والآن، فإلى أى درجة يقترب واقع هذا السجن من الصورة الأسطورية المرعبة التى رسمت له:


يقال أنه أقيم فى مكان منعزل، قاحل، مخيف وموحش، يلفه الضباب، ويسمع به عصف الرياح، وترتع فيه الكائنات المؤذية:


الحقيقة أن الجزيرة لا تبعد إلا ميل وربع من مدينة سان فرانسيكو. وبلا شك فإن موقعها الفريد هذا، لابد وأنه كان يخلق شعورا قاسيا بالحرمان فى نفس السجين الذى يجد نفسه مفتقرا إلى الحرية، وهو على هذا البعد الضئيل من أضواء وصخب واحدة من أجمل مدن العالم. ولكن فى الوقت نفسه، فالسجين فى وقت التريض خارج الجدران، كان بوسعه أن يمتع عينيه بمشهد بديع، يتدفق الناس من كل أنحاء الأرض لمشاهدته: خليج سان فرانسيسكو. وكان أيضا فى مقدوره أن يتنفس هواء عليلا نقيا، يستحيل أن يتوفر فى السجون، التى عادة ما تتواجد فى أسوأ المواقع.

المعروف أن منطقة سان فرانسيسكو كلها، وليس الجزيرة فقط، تميل لأن تكون ضبابية، قوية الرياح ؛ ولكن فى الأيام الصحوة والدافئة (وهى ليست بالقليلة) لا ترى أثرا لهذا الضباب، ولا تحس بالرياح.

قلة المياه العذبة وطبيعة الأرض الصخرية المالحة، جعلت النباتات قليلة فعلا فى الجزيرة. ولكن رغم ذلك، يوجد بها آثار حدائق مزروعة بالخضروات والأشجار والزهور (من ضمنها حديقة مخصصة للأطفال )، قام بزراعتها ضباط السجن الذين كانوا يعيشون مع أسرهم فى الجزيرة، وبمساعدة بعض المساجين.

بينما تزدحم الجزيرة بطيور النورس البحرى، ذات الصيحات المفزعة، وكذا بالصقور والغربان؛ فإنها تكاد تخلو من الحشرات الضارة والحيوانات المفترسة. حتى التماسيح التى ترتع فى مياه الخليج المحيطة بالجزيرة، يقال (والعهدة على الراوى) أنها لا تميل لأكل لحم الإنسان!


تردد أنه كان مثالا للقسوة والمعاملة اللا إنسانية:


البند الخامس من قوانين هذا السجن كان تلخيصا صادقا لنظامه الصارم والعادل فى نفس الوقت. فهو يقول للسجين بوضوح: quot;من حقك علينا الغذاء والكساء والمأوى والرعاية الصحية؛ أما ما يزيد عن ذلك فهو امتياز عليك أن تسعى لاكتسابهquot;.

وفعلا فالسجن كان يوفر للنزيل ملابس نظيفة، ورعاية صحية طيبة، وطعامه كان معروفا بجودته. ورغم أن فترة تناول الطعام كانت تعتبر أخطر فترات اليوم من جهة النواحى الأمنية؛ لأن المساجين الأشداء أثنائها يكونون مسلحين بأدوات المائدة الحادة؛ فإنه لم يخطر ببال أحد أن يحرمهم من حق استعمالquot;الشوكة والسكينquot;!

أما الزنزانات، فهى نظيفة، وإن كانت باردة. حجمها معقول بالنسبة لكونها محبس فى سجن. تحتوى كل منها على سرير وحشية غير سميكة وغطاء، منضدة وكرسى، بالإضافة إلى حوض وصنبور ماء بارد، وquot;تواليتquot; بدون مقعد.

أما الامتيازات المكتسبة، فكانت تتضمن زيادة فى عدد مرات استقبال الزوار، وفى فترات التريض ولعب quot;البريدجquot;، أو التكليف بعمل بأجر فى أحد ملحقات السجن.

وعلى قدر معلوماتى، لم تسجل حالات تعذيب فى السجن، أوعلى الأقل لم يكن التعذيب أبدا ظاهرة شائعة، أو يعد سياسة متبعة.

لم يكن سجنا مزدحما؛ فرغم أنه يحتوى على 378 زنزانة ( منها 42 للحبس الإنفرادى) فإن عدد النزلاء كان يبلغ فى المتوسط 260، ولم يزد أبدا عن 302.

ذاع أن الداخل إليه مفقود، والخارج مولود:

لم يكن الكاتراز سجنا لمدى الحياة؛ بل كان مكانا مؤقتا للمجرمين العصاة، الذين يتمردون على لوائح السجون، أو لمن يحاولون الهرب، ويعدون مصدرا دائما للشغب والمشاكل. وبعد أن يتم ترويض جموحهم، وتقويم سلوكهم (وهو ما كان يستغرق فى المتوسط مابين ثمان إلى عشر سنوات)، كان يتم نقلهم إلى سجون أخرى.

لم يكن فيه- كما أشيع- غرفة غاز أو أى وسائل إعدام.

مر على هذا السجن 1545 سجينا، خرجوا منه جميعا (عاجلا أو آجلا) ما عدا: 15 ماتوا ميتة طبيعية أثناء تنفيذ مدة العقوبة. 5 انتحروا. 8 قتلوا على يد زملائهم من المساجين. كما نتج عن محاولات الهرب: 5 لم يعرف مصيرهم. 8 قتلوا. 2 أعدموا.


قيل أن كل نزلاء السجن كانوا نماذج بشرية شائهة، ولكل منهم قصة مثيرة وسمعة سيئة:


فى الواقع أن النادر من ضيوف الكاترازهو من حظى بالشهرة أو ذاع صيته. هناك بالطبع آل كابون الذى أقام هناك من عام 1934 إلى عام 1938، ثم نقل إلى مستشفى السجن، وquot;دquot; باركر، وquot;المدفع الرشاشquot; جورج كيللى، وغيرهم من نجوم عالم الإجرام، الذين كانوا من رواده لفترة ما. ولكن حتى روبرت ستراودquot; رجل الطيرquot;، الذى اكتسب شهرته من خلال دراساته المتخصصة فى الطيور، فقد قام بها وهو فى سجن آخر، وليس أثناء وجوده فى الكاتراز. أما الغالبية العظمى، فقد كانوا من النمط الممل العادى للمجرمين العصاة المتمردين.


عرفت الجزيرة بأنها مستعمرة للرجال، تخلو تماما من النساء والأطفال:


فعلا كان كل المساجين والحرس من الرجال. فحتى عام 1969 (ست سنوات بعد إغلاق الكاتراز) كان من غير المقبول اعتبار النساء من السجينات: quot;غير قابلات للإصلاحquot;. ويبدو أنه لم يكن قد ظهر أيامها الفتوات والجزارات من الجنس اللطيف، اللاتى يقطعن الضحية ويعبئنها فى أكياس، بقلب بارد وأعصاب حديدية! ولكن فى الوقت نفسه، فقد كان يسكن الجزيرة زوجات وبنات ضباط السجن وحراسه. وعرف أن الأسرالتى كانت تعيش هناك، كانت لا تغلق أبوابها إلا نادرا، رغم نوعية جيرانهم، الذين ثبت أنهم لم يعتدوا يوما على حقوق الجار!


يشاع أنه بسبب استحالة الحياة فى السجن، فإن المحاولات اليائسة للهرب لم تتوقف يوما:


يمكن بسهولة إدراك أن أى محاولة للفرار من هذا المكان سيكون مصيرها الفشل، لعدة أسباب: الحراسة مشددة؛ فهناك ما يقرب من تسعين حارسا مدججا بالسلاح، وستة أبراج مراقبة تمسح الجزيرة والخليج، ليل نهار. وحتى لو نجح الهارب فى اجتياز هذه العوائق، فسيجد فى انتظاره موج الخليج بمياهه الثلجية، وتياراته القوية، وكذا تماسيحه، التى حتى لو صدقنا أنها تتعفف عن أكل لحوم البشر، فإن منظرها يكفى ليتجمد السابح بجوارها من الرعب.

ولكن لأن حلم الإنسان بالحرية، هو حلم أزلى، ونفوره الغريزى من أن يصبح حيوانا حبيسا فى قفص، لايقاوم؛ فإنه قد جرت محاولات للهرب من جانب ستة وثلاثين سجينا، فى أربع عشرة مغامرة منفصلة، خلال تاريخ الكاتراز كله.

وكانت أشهر المحاولات- التى خلدها الفيلم المعروف- عام 1962، حين هرب ثلاثة سجناء من خلال فتحات التهوية، بعد أن صنعوا رؤسا بشرية مزيفة، ووضعوها على الوسائد فى أسرتهم للتمويه. ويفترض أنهم قد وجدوا طريقهم إلى المياه؛ ولكن لم يرهم أحد بعدها، ولم تظهر جثثهم قط.

أما أكثر المحاولات دموية، فقد حدثت عام 1946، حيث اشتبك ستة سجناء مع الحراس، وكادوا أن ينجحوا فى الهرب، لولا أنهم لم يجدوا مفتاح الباب الخارجى. وانتهت المعركة، التى دامت ثلاثة أيام، بموت حارسين وثلاثة سجناء، ثم بإعدام سجينين.


هذه هى حكاية الكاتراز، السجن البعيد المعزول، الذى اكتنفه الغموض والإبهام، والذى أحاطت به الأساطير، وامتزجت الحقيقة بالخيال، ونسجت الروايات، لتبالغ، وتضخم، وتظهره كنموذج للوحشية، ولامتهان إنسانية السجناء؛ بحيث صار رمزا للجانب المظلم لأمريكا.

فكم من سجوننا اليوم، قادرة على أن تروى قصتها وخبايها، بنفس الصدق والشفافية، التى يروى بها الكاتراز تاريخه للملايين؟!


[email protected]