قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

-1-

قال عصام تليمة مدير مكتب الشيخ يوسف القرضاوي بأن الشيخ القرضاوي دعا الي محاربة جميع الامريكيين في العراق حتى المدنيين. ونقل تليمة عن القرضاوي قوله ان أي امريكي مدني او عسكري في العراق يُعتبر من الغزاة، ويجب قتال الغزاة . وأوضح ان القرضاوي أكد علي ضرورة قتال العسكريين والمدنيين الامريكيين على حد سواء وليس قتلهم. وأدلي القرضاوي بهذا التصريح خلال اجتماع لنقابة الصحافيين المصريين مساء امس في القاهرة. وهذه ليست الفتوى الأولى والأخيرة التي يصدرها المرجع الفقهي الأعلى لجماعة الإخوان المسلمين. فقد سبق له أن أصدر فتاوى مختلفة في الشأن العراقي منها فتواه المشهورة بالمحاربة إلى جانب صدام حسين، قبيل غزو العراق في 2003.


-2-

هناك أسئلة كثيرة وحمقاء، من الممكن أن نطرحها على الشيخ القرضاوي بخصوص هذه الفتوى الجديدة القديمة منها:
1- لماذا أفتى القرضاوي بفتوى قتال وقتل الأمريكيين من المدنيين والعسكريين فقط باعتبارهم غزاة كما قال، ولم تشمل فتواه البريطانيين من مدنيين وعسكريين وبقية جنود قوات التحالف ومدنييهم؟
هل لأن أمريكا كانت سبباً في خسارة القرضاوي ثلاثة ملايين دولار كانت في حسابه في "بنك التقوى" الذي كان الممول الرئيس لتنظيم "القاعدة" والذي تم اغلاقه والحجز على ممتلكاته وودائعه والتابع لجماعة الاخوان المسلمين، وبفضل جهود وملاحقة أمريكا لهذا البنك المشبوه بتمويله للعمليات الارهابية المختلفة؟
هل لأن امريكا منعت القرضاوي من دخول أراضيها، وألغت تأشيرة الدخول التي أعطيت له من قبل؟
وهل أن القرضاوي لم يشمل في فتواه الأخيرة الجنود والمدنيين البريطانيين لأن بريطانيا هي المنفذ الوحيد الآن للقرضاوي إلى الغرب، وزيارة الغرب، ومخاطبة الغرب، بعد أن أحرق القرضاوي جسوره مع فرنسا نتيجة لموقفه السلبي من الحجاب الذي منعه شيراك؟

2- ما هو موقف القرضاوي فيما لو تحوّل كافة أعضاء الكونجرس الأمريكي إلى مهابيل وإلى شخصيات دينية ذات مصالح وأهواء وحسابات خاصة كالقرضاوي ورد الكونجرس الأمريكي على فتوى القرضاوي بفتوى مماثلة في الجنون والاستهتار وعدم المسؤولية وأصدر فتوى سياسية بقتال كافة العرب والمسلمين في امريكا باعتبارهم ارهابيين تسببوا في كارثة 11/9/2001 وقتل ثلاثة آلاف أمريكي مدني بريء من خيرة العقول الاقتصادية الأمريكية ودمروا جزءاً من البنية والآلية الاقتصادية الأمريكية مقابل فتوى القرضاوي بقتال كافة الامريكيين في العراق من مدنيين وعسكريين ومن نساء ورجال وأطفال وأطباء ومهندسين وخبراء في كافة المجالات؟
وماذا لو تمت ملاحقة القرضاوي شخصياُ من قبل السلطات الأمريكية والقبض عليه، وتقديمه لمحكمة دولية أو حتى أمريكية بتهمة التحريض على قتل الأبرياء من الامريكيين في العراق وسفك دماء المدنيين الأمريكيين، حيث أن فتواه لها فعل ثالث بعد القرآن والحديث النبوي؟
هل سترتفع عقيرة القرضاوي والقرضاويين في العالم العربي والإسلامي – وما أكثرهم في هذا الزمان الرديء والمالح والأغبر - بعد ذلك بصيحات متشنجة ترمي امريكا بالوحشية والصليبية ومحاربة الإسلام والمسلمين وفقهاء سفك الدماء؟


3- لماذا خصَّ القرضاوي الأمريكيين الموجودين في العراق فقط دون بقية العسكريين والأمريكيين الموجودين في معظم البلاد العربية في القواعد العسكرية وفي المنشآت المدنية؟
فهل هذه الفتوى هي ضد الحكومة الشرعية العراقية القائمة بالدرجة الأولى، وهي رسالة إلى الحكومة العراقية الشرعية والمجلس الوطني الجديد ولكل مظاهر الاستقرار والديمقراطية العراقية ولكل مظاهر اندحار "المقاولة المسلحة" يرسلها القرضاوي عبر البريد الأمريكي إلى الحكومة العراقية، باعتبارها هي التي وافقت على بقاء القوات الأمريكية في العراق، ووافقت على وجود المدنيين الأمريكيين من خبراء ومدربين ومدرسين وعاملين في مختلف المجالات؟


4- ما هي الآية، أو الحديث القدسي، أو الحديث النبوي الذي اعتمد عليه القرضاوي في فتواه هذه؟
هل هناك آية في القرآن تقول صراحة (يا أيها الذين آمنوا إذا قام الأمريكيون بالاطاحة بنظام صدام فحاربوهم هم وجنودهم وأطفالهم ونسائهم ولا تستثنوا منهم أحداً إن الله كان عزيزاً قديراً)؟
هل هناك حديث قدسي يقول: (يا عبادي عليكم بالأمريكيين جنوداً ومدنيين، فهم القتلى وانتم الشهداء)؟
أو هل هناك حديث نبوي مُسند اسناداً صحيحاً يقول (من أطاح بنظام صدام من الفرنجة فقاتلوهم حتى يقتلوا أو تموتوا شهداء)؟

-3-

من الذي أتاح للقرضاوي ولغيره من "فقهاء سفك الدماء" الوقوف على هذه المنابر السياسية واصدار الفتاوى التي يتم قذفها في أفواه المتعطشين إلى الدماء من العاطلين والمشردين والجهلة وأصحاب تذاكر دخول الجنة الذين تركوا مقاعد الدراسة ومحاريث الحقول وآلات المصانع ومكاتب العمل، واشتروا تذكر مزيفة لدخول الجنة على غرار صكوك الغفران المزيفة التي كانت تبيعها الكنيسة في القرون الوسطى لمثل هؤلاء من المغفلين والجهلة وفاقدي الأمل في الحياة؟
لا شك أن الفراغ السياسي العربي، وهُزال السياسيين العرب، وهُزال السياسة العربية، وفشل الأحزاب السياسية، وفراغ الخطاب السياسي العربي، وانهيار المؤسسات السياسية العربية وانحطاطها، وعدم وجود شارع عربي واعٍ، وعدم وجود رأي عام فعال وقادر على التغيير (أنظر ماذا يتم في لبنان الآن من مهازل بفضل معركة المصير العسير الواحد!)، وعدم احترام العقل العربي – إن وُجد- وعدم الاحتكام له، وأن العالم العربي تحكمه الغرائز لا العقول، هو الذي أمكن العمائم من أن تقف على المنابر السياسية في شرق العالم العربي وغربه لكي تقود العمل السياسي العربي الذي أصبح عبارة عن دعوة إلى سفك الدماء والمزيد المزيد من سفك الدماء باسم الدين الجديد الذي جاء به القرضاوي وكافة الجماعات الارهابية الدينية الأصولية.
وهو دليل واضح على أننا أصبحنا أمة مفلسة سياسياً، نتوارث الافلاس السياسي أباً عن جد، ونورّثه لابنائنا من بعدنا أحزاباً وكتلاً سياسية وشعوباً وحكاماً. ولا بُدَّ لنا من بنك سياسي دولي لكي يمد لنا يد المساعدة، وينقذنا من هذا الإفلاس. وهذا ما حصل في العراق. فلولا البنك الدولي السياسي لكان العراق في خبر كان الآن. ولقُضي الأمر الذي كان له يحسبون.

-4-

ما العمل؟
الأنظمة العربية غير قادرة على لجم أشياخ الدين لمنعهم من اصدار الفتاوى السياسية/الدينية، لأن جزءاً من هذه الفتاوى يصدر لصالح هذه الأنظمة، ولتقوية نفوذها، واستمرار حكمها، وتقديم المظلة الدينية لها.
الأحزاب السياسية غير الدينية غير قادرة على الائتلاف فيما بينها لسيطرة القبلية والعشائرية على هذا الأحزاب والوقوف في وجه أشياخ المؤسسات الدينية لملء الفراغ السياسي ومنع هؤلاء الأشياخ من إصدار الفتاوى السياسية/ الدينية.
الشارع العربي شارع مُغيّب وجائع وجاهل ومنهك وفاقد الأمل في القوى السياسية العربية، ويرى في أشياخ المؤسسات الدينية وفتاواهم مبتغاه الوحيد لكي يُنفّس عن حقده وتظلمه وجوعه واهماله وسرقته من قبل أنظمة الحكم.
النخب العربية الفكرية والسياسية التي تعيش في العالم العربي لا تستطيع مواجهة أشياخ المؤسسات الدينية وفتاواهم خوفاً من تسلط هؤلاء الأشياخ الذين يملكون مليشيات دموية مسلحة قادرة على جزِّ رأس أي مفكر أو سياسي يعارضهم. ولعل مقتل المفكرين اللبنانيين: حسين مروة، ومهدي عامل، والمفكر المصري وفرج فودة، ومحاولة قتل نحيب محفوظ واختطاف الصحافي المصري رضا هلال، وغير ذلك من الحوادث خير دليل. ومعظم الأصوات التي تعارض هؤلاء الأشياخ وتهاجم فتاواهم هي أصوات عربية تعيش في الغرب ، بعيداً عن بطش الأشياخ بمعارضيهم.

-5-
إذن، ما العمل؟

لا حلَّ إلا حل واحد!
أن تجتمع مجموعة من المفكرين العرب الليبراليين الحاملين أرواحهم على أكفهم، وتكتب بياناً أممياً انسانياً متقدماً، بلغة القرن الحادي والعشرين، وبفكر القرن الحادي والعشرين، وبعقل القرن الحادي والعشرين، وتتقدم به إلى الأمم المتحدة، وتطلب من مجلس الأمن مناقشته واصدار قرار بشأنه يخوّل الأمم المتحدة باقامة محكمة يطلق عليها "محكمة الارهاب" يُساق اليها كل من ينادي بالارهاب، ويصدر فتوى تشجّع وتدعو إلى الارهاب، ويمارس الارهاب، بعدما أصبح الارهاب مشكلة عالمية ودولية، وليس خاصاً بالعرب فقط. وسوف يقول الأشياخ الدينيون - كما قال بالأمس الأشياخ القوميون - بأن هذا تدويل للقضايا العربية، وأن مشاكل العرب يجب تحلَّ داخل الوطن العربي ومن قبل العرب (لم يتم حل أية مشكلة عربية من داخل العالم العربي منذ الاستقلالات حتى الآن) وسيقفز طائر الجامعة العربية عمرو موسى متنقلاً بين العواصم العربية كالمعتاد ويردد الاسطوانة المشروخة (الشرعية العربية) وموال (الثوابت العربية)، وستقوم دنيا العرب ولن تقعد.

فليكن!

فمتى قامت دنيا العرب وقعدت؟!

(تنشر بالتزامن مع جريدة "السياسة" الكويتية، و"المدى" العراقية، و "الأحداث المغربية")

[email protected]