قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الخلافة انتهت بموت عمر وليس بموت علي كلام سيد قطب عن الحاكمية الإلهية كلام فارغ وحلم مستحيل

إيمانا منها بتوسيع دائرة النقاش النقدي في ما يواجهه العالم العربي اليوم من تغييرات فكرية وسياسية، وبفتح التفكير العربي المعاصر على مصراعيه، تنشر "إيلاف" كل أسبوع لقاء شاملا وموسعا مع أحد كبار المفكرين والكتاب العرب العاملين في حقول مختلفة نقدا وتطويرا للثقافة العربية... لقاء سيكون أشبه ببروفيل فكري تتوضح عبره ملامح المفكر والفيلسوف، الشاعر والفنان، الإعلامي والناقد، الروائي والممثل، المسرحي والموسيقار... الرجل والمرأة.

هنا الحلقة الثانية من اللقاء:

مع مربي الأجيال المفكر جمال البنا "شقيق حسن البنا"

*اعتقلت عام 48 ما هي أسباب ذلك ؟
- كنت مع أعضاء مكتب الإرشاد العام حيث كنت أعمل في مطبعة الإخوان،وكنا حوالي 15 شخصاً واعتبروني واحداً من الإخوان في عام 1952 قامت ثورة يوليو وأصدرت لها كتاب "ترشيد النهضة " الكتاب صودر وهو في المطبعة.

* لماذا صودر؟
- لأنهم كانوا يقرأوه مَلازم وهو في المطبعة، وكانت هناك رقابة، وكانت المطبعة ترسل كل ملزمة أي كل 16 صفحة لهيئات الرقابة لعبد الناصر والسادات، وكان السادات كبير الرقباء فكان أول فصل في الكتاب تقييم لحركة 23 يوليو وأنها انقلاب وليست ثورة وقلت كلاماً سهلاً جداً، قلت إن الثورة عقيدة ونظرية تشترك فيها جماهير وتستهدف تغييراً كاملاً، فلو طبقنا هذه المعايير الثلاثة على الثورة نجدها لا تنطبق عليها لا نظرية ولا جماهير ولا هدف فهي انقلاب قام به الجيش، فعندما قرأوا الملزمة الأول كنا قد مشينا في الطبع، فجن جنونهم فذهبت إلى المطبعة أتابع الكتاب وجدتهم في انتظاري وجمعوا ما وجدوه وأخذوا تعهد بعدم طبع الكتاب. وسألت عن الحكاية فوجدت البكباشي محمد أنور السادات يقول لي : كتابك قرأه أربعة من الضباط كل واحد على حدة ووجدوا أنه لا يصلح للنشر. عرفت من هذه الواقعة أن هذه الحركة لا تقل نقداً أو مشاركة، رغم أن الكتاب موضوع بحب شديد. كان الكتاب نقداً بناءً، وليس هدماً للثورة إطلاقاً، فوجدت أن أفضل شيء أقدمه لهذه الحركة هو ثمرة تجربتي لكي لا يكون الفجركاذباً.

* لماذا صادروا كتابك وتركوا كتب خالد محمد خالد "من هنا نبدأ" و"مواطنون لا رعايا" و"الديمقراطية أبدا "؟
- أولاً "من هنا نبدأ " جاء بعد ذلك بمرحلة، ومن هنا نبدأ كان ضد الفكر التقليدي الإسلامي، وهم ليس لديهم مانع من ذلك أما " ترشيد النهضة" فهو منصب مباشرة على حركة 23 يوليو فاصطدمت بهم مباشرة ولم يصدر الكتاب حتى الآن.

ولماذا لا تنشره الآن؟
- اصبح قديماً، في وقته كان جديداً جداً، أما قيمته الآن فتاريخية.

* ما هو موقف الإسلام من الآخر المغاير ومن التعددية الحزبية؟ نسمع من جماعات الإسلام السياسي تكفير الآخر "المسيحي" و"اليهودي" فما تعليقك علي ذلك؟
- الإسلام دين منفتح يؤمن بكل الأديان وكل الرسل "ومنهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص"، "لكم دينكم ولى دين " هذه الآية بتت في الموضوع لن أؤمن بكم ولن تؤمنوا بي. فالإسلام أقر حرية الاعتقاد وليس هذا فقط بل التعددية. وآيات كثيرة تحث على حرية الاعتقاد " لا إكراه في الدين" "فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه " معنى ذلك أن قضيه الهداية والإيمان والكفر قضية شخصية ليست من قضايا النظام العام وبالتالي لا تتدخل الدولة فيها مطلقاً. لأن من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه إذن هي حرية شخصية.

* كلمة العلمانية أخذت مفاهيم كثيرة، فقاتل فرج فوده عندما سأله القاضي عن سبب قتله أجاب: لأنه علماني. فعاد القاضي ليسأله: وماذا تعرف عن العلمانية؟ أجاب: لا أعرف. فما هي العلمانية؟وهل هي تتعارض مع الدين؟
- ولو كان القاضي سأله: ما هي الشريعة؟ لأجاب بأنه لا يعرف. العلمانية لها عدد من المعاني. أكثر المعاني شيوعاً التي تتفق فيها كل مذاهب العلمانية، هو الفصل بين الدين والدولة، وذلك نشأ لماذا؟ لأن المسيحية لها كنسية. أولاً العلمانية ليست ضد المسيحية، فالمسيحية موجودة في كل الدول الأوربية وهناك أحزاب ديمقراطية مسيحية، فالعلمانية ليست ضد الدين ولكن ضد أن يتدخل الدين في السياسة لماذا؟
لأن الكنسية عندما ظهرت زحفت على عالم السياسة وأصبحت هي التي تولى الحكام ثم زحفت على مجال الفكر وأرادت أن تقيده بما جاء في العهد القديم، الأرض لا تدور،و الشمس هي التي تدور، الإنسان مركز الكون، له خلق الكون منذ أربعة لاف عام. أشياء كثيرة جداً إذن الكنسية حاربت الحكام ونافستهم في وظيفتهم وحاربت المفكرين وحاولت أن تبعدهم عن حرية الفكر، ثارت الثورة على الكنسية وظهرت الحركة العلمانية لتزيح الكنسية عن هذين المكانين " السياسي والفكري " ونجحت في أوربا على خطوات عديدة كللت بالثورة الفرنسية. بالنسبة للإسلام لا توجد فيه كنسية إذن السبب الرئيسي الذي من أجله ظهرت العلمانية في أوربا غير موجود في الإسلام.

* ولكن جماعات الإسلام السياسي تريد أن تعيدنا إلى عهد محاكم التفتيش فمنعوا رواية حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر" و " أولاد حارتنا " لنجيب محفوظ و "رب الزمان " للدكتور سيد القمني؟
- هؤلاء مجانين، ولا يمكن النقاش معهم لأنهم جهلة وتعلموا حديثاً أو حديثين فتصوروا أن التكفير والجهاد هو السبيل، هؤلاء لا تتناقش معهم، لأنهم يتصرفون حسب أمزجتهم وما يقولونه ليس من الدين. وبما أن العلمانية ثارت على الكنسية والإسلام ليس به كنسية إذن فليس هناك عداوة بين العلمانية والإسلام فالعلمانية ليست ضد الدين.

* يرفع المتأسلمون شعار "الإسلام دين ودوله" فما تعليقك علي ذلك؟
- الإسلام دين وأمة وليس دين ودولة، الإسلام لا يمكن أن يكون دولة، فدولة المدينة التي أقامها الرسول كانت استثناء سلباً و إ يحاباً، سلباً لأنها لم تكن دولة لها مقومات الدولة الحديثة فلم يكن بها سجون. وأدوات قمع ولا ضرائب وأي دولة لا تقوم إلا بهذا. فهي لم تكن دولة كاملة المقومات للدولة. من ناحية ثانية كان على رأسها الرسول ويوحي إليه، ولذلك أقول لمن يريد دولة إسلامية، هاتوا لي بدولة على رأسها رسول وأنا أبايعه. إذن لا يمكن القياس على دولة الرسول ولا كان تطبيقها جزء من العقيدة.
قد يقول قائل الخلافة الراشدة. أبو بكر وعمر سارا بعد موت الرسول في دفع الخلافة، طعنت الخلافة الراشدة وانتهت عندما طعن عمر وليس علي،و بتوليه عثمان اختلت الموازين عن الخلافة الراشدة، علي عندما أراد إرجاعها مرة أخرى استحال عليه ذلك، وكان ضرورياً أن ‘يقتل، وليس عبثا أنه هو الوحيد الذي قتل من بين الثلاثة، معاوية وعمرو بن العاص، فعلي كان يجب أن يموت ومات، لأنه كان يريد أن يقف أمام التطور والله غالب على أمره. نأتي لنقطه الدولة ففي آخر كتبي أثبت أن الإسلام لا يهدف إلى تكوين دوله بل يهدف لتكوين أمه، أما الدولة فلا يمكن أن تكون إسلامية ولا مسيحية ولا اشتراكية لأن السلطة تفسد الأيديولوجيا (العقيدة) لأن العقيدة تقوم على قيم، والدولة تقوم على أسس وقوانين أخرى، مثل ذهب المعز وسيفه،ولا يوجد غير ذلك فإما أن تقتل المخالف وإما تصطنع من لا تستطيع أن تقتله أو تجد أنها تستطيع أن تستفيد منه أكثر بإرشائه.
من أجل هذا فالمنهج السليم هو الفصل فعلاً بين الدين والدولة وفى كتابي الأخير دعوت لحذف المادة التي تقول: الإسلام دين الدولة من الدستور، لماذا ؟ لأن أصوليا لا تستطيع الدولة أن تقدم شيئاً للإسلام، عملياً يمكن أن تكون هذه المادة تعله لمجانين يستطيعون استخدامها لارتكاب أعمال يأباها الإسلام فضلاً عن أنها تثير بعض الحساسيات للإخوة الأقباط الذين يجب أن يشعروا أن الدولة دولتهم هم أيضاً.

* ونحن على مشارق القرن الحادي والعشرين نسمع كثيراً من الجماعات ترفع شعار "الجهاد" ضد اليهود والصليبين. فهل الجهاد انتهى زمانه أم أنه مازال يصلح للقرن الحادي والعشرين؟
- للجهاد معنيين. الأول هو جهاد النفس وهو من الإسلام. هناك فضيلة اسمها " قتال " وهي نوع من الجهاد ولكن ليست هي الجهاد بل وليست هي أهم الجهاد، الجهاد الحقيقي هو جهاد النفس وهو جزء من الإسلام، والإسلام له طبيعة جهادية لكن هناك " قتال" فرض على الإسلام عندما أراد المشركون فتنه المؤمنين عن إيمانهم وإعادتهم إلى الشرك ولذلك أتت كل الآيات كي لا تكون فتنه ويكون الدين لله. أي لكي لا تستهدف الحرب إملاء دين على أناس لا يريدون الإيمان به في هذه الحالة يجب على المؤمنين أن يحاربوا، أي يحاربون في سبيل حرية العقيدة. في سبيل أن يكونوا أحراراً، هنا يكون الجهاد ليس إلا صورة من الدفاع عن حرية العقيدة وعدم الزج بالإسلام للسلطة في فتنه الناس عن ضمائرهم. ليس أكثر " ليكون الدين لله ".

* رفع بن لادن وأيمن الظواهرى الجهاد على "اليهود الصليبيين" سؤالي هو هل يصلح "الجهاد" للقرن الحادي والعشرين؟
- كل هذا كلام فارغ مطلقاً وقياس خاطئ تماماُ ممكن أن نحارب أمريكا لأنها مثلاً مستعمرة أو مستغلة أشياء من هذا القبيل تنبني على أسس منطقية تبرر الحرب أو ليس على أساس دعوة عامة لا أساس لها. حرب العراق،أنا كنت ضد إرسال أي من المجاهدين. أنا ضدها تماماً، قلت لهم أنتم ترمون بالشباب إلى محرقة وتلقون بهم إلى التهلكة. يحاربون من أجل عودة صدام. وتعرضت لكثير من النقد وأخذوا يقولون،نترك أمريكا، رددت عليهم أن أمريكا أفضل من صدام وبوش لن يبقى في العراق، أما صدام فكان يجثم على صدور العراقيين كالشيطان الرجيم ولا يمكن لأي قوة أن تزحزحه، صدام حسين معتدى، فلو طبقنا الإسلام " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصحلوا بينهما بالحق فإن بغت إحداهما فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ".
لو طبقت هذه الآية على العراق عندما غزا الكويت كان يجب على الدول الإسلامية أن تكون بها قوة تحارب صدام هذه هي ميزة هذه الآية،فهي ليست لمحاكم السلام الدولية التي تحتاج إلى إذن من الفريقين للتدخل، فإذا كان هناك باغ إذن وجب التدخل بالقوة. ولو نفذنا هذا ما كانت مأساة حرب الخليج الأولى ولا الثانية ولم تحتل بغداد وأقول أن الاحتلال الأمريكي لن يبقى طويلاً لعدد من الأسباب، أولاً السياسة الأمريكية سياسة حزبيه وإذا كان بوش وصقور الحرب متمكنين الآن فلن يتمكنوا غداً، وحتى لو انتخبوا مرة ثانية فلن ينتخبوا مرة ثالثة. وهذه الأشياء لا تقاس بالسنوات بل بعقود السنين ولابد من زواله، ثانياً وجود أجنبي مسألة ليست سهلة، والشعب العراقي شعب قوى فالإنجليز كانوا موجودين سنة 1920 وخرجوا، وسيخرج الأمريكان إن آجلاً أو عاجلاً بل إنهم قد أراحونا من الطاغية صدام ونظامه. فالجامعة العربية لم تنجح في ذلك ولا الشعوب تستطيع ذلك. فكان لابد أني يبتلى صدام بمن هو أظلم منه، وكما يقول الشاعر: وما من ظالم إلا وسيبتلي بظالم.

* صدر لك كتاب "المرأة والحجاب" فالمرأة في حيرة بين فتاوى الفقهاء بين "الحجاب" و"النقاب" فما هي وجه نظرك التي أردت شرحها في كتابك؟
- ما معنى كلمة "حجاب"؟ الحجاب ليس زيا بالمعنى المتعارف عليه،"الحجاب" لم يرد في القران إلا بالنسبة لزوجات الرسول وبمعنى باب أو ساتر على زوجات الرسول. ما عدا هذا كله هو كلام فقهاء أو تقاليد قديمة من اقدم العصور، ففي كتابي عن الحجاب أوضحت أن المقصود من الحجاب هو تحقير المرأة وعزلها عن المجتمع. الحجاب كان موجوداً في أثينا وفى آشور وبيزنطة وفى كل العالم،ماعدا الحضارة المصرية القديمة التي أعطت المرأة حقها من اقدم عصور التاريخ ولكن كل حضارات العالم وضعت المرأة في مرتبة دنيا بالنسبة للرجل وعزلتها عن المجتمع،وورث المجتمع الإسلامي هذا، فكأنما فرض الفقهاء الحجاب على الإسلام ولم يفرض الإسلام الحجاب على المرأة، لكن الحجاب ليس فريضة إسلامية، ماذا يريد الإسلام؟ الحشمة للمرأة كإنسان ويريد ألا تطغي المرأة كأنثي على المرأة كإنسان،أي تعمل توازن بين المرأة كإنسان وكأنثى مع أولوية أن تكون كأنثى هي الأصل.

* في كتابك عن الحجاب قلت أنهم لا ينظرون إلا إلى الغريزة في المرأة كأنثى، ونسوا أن المرأة قد تثير في الرجل أنبل المشاعر.
- هذا هو بالضبط ما أردت قوله، أما "النقاب" فقطعه وأرميه وكل واحدة ترتديه فهي مسكينة وهو جريمة لا تغتفر في حق المجتمع وفي حق المرأة، إنه رمز على دونية المرأة وكل من ترتديه ترضي بانتقاصها واعتباراها عورة تستر كما تستر العورات.

* ذكرت في كتابك عن الحجاب تشبيهاً للكاتب التونسي الطاهر الحداد عندما شبه النقاب بالكمامة التي توضع علي فم الكلاب حتى لا تعض المارة.أليس في هذا التشبيه شيء من الحقيقة رغم قسوته؟
- النقاب عار على المرأة أن تضعه، لأن فيه طمس لشخصيتها وشلل لنصف المجتمع ولكن الحجاب العادي الذي يغطى الشعر ويظهر الوجه فلا مانع منه، فالشعر لا بد أن يكون له غطاء، الرجل يلبس طربوش أو قبعة أو طاقية أو عمامة، والمرأة لتحمى شعرها تغطية للحماية من التراب أو الشمس فهذا لباس عملي، فإذا كان لابد من غطاء للرأس شأن المرأة شان الرجل فهذا غطاء لا بأس به، ومتروك لحريتها هي الشخصية دون أن يفرضه عليها أحد. وانتشار الحجاب بين النساء هذا لا يعنى صحوة إسلامية بقدر ما هو زي عملي فعلاً، يريح المرأة من مشكلة تصفيف الشعر بصورة لائقة عندما تخرج وهى كاشفة له. وليس شعر كل النساء شعر كستنائي حرير. فهو يحتاج لعناية وبهذا فهي تستره بكل بساطة، ولكني أؤكد مرة أخرى أنه ليس فريضة إسلامية بل عادة عملية لم يفرضها الإسلام ولكنه لا يأباها.

* في عام 1946 صدر لك كتاب بعنوان "ديمقراطية جديدة". مفهوم "الديمقراطية" هل يتعارض مع الإسلام باعتبار أنه آت من الغرب؟
- كتاب "ديمقراطية جديدة " كان بمناسبة صدور تصريحات، من الرئيس روزفلت عن حريات وعن عالم جديد وهو كلام سياسي بحت، ولكن فيه فصل عنه الدين، فهم جديد للدين، وقلت إن حماسة الإخوان الطاغية للشعارات جعلتني أقول " لا تؤمنوا بالإيمان ولكن آمنوا بالإنسان" وقلت "أراد الإسلام الإنسان وارد الفقهاء الإسلام" أما بالنسبة للديمقراطية فهي نظام غربي نشأ في أثينا في ظروف معينة انتقل وتطور إلى صور غربية ومختلفة كل الاختلاف، فالديمقراطية البريطانية غير الديمقراطية الآثينيه، و الديمقراطية الأمريكية غير البريطانية، والديمقراطية في الدول اللاتينية تختلف عن الديمقراطية في فرنسا. فالديمقراطية ليست ثوباً جاهزاً للبس. المهم هو روح الديمقراطية، هي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه،من خلال مؤسسات منفصلة وأن يكون هناك تداول سلمي على الحكم بانتخابات نزيهة.المهم هو روح الديمقراطية، وروحها هي عدم استبداد الحكام بالسلطة.عندما نعود للإسلام نجد أن هذا المعني موجود ولكن في خطوطه العريضة فنجد ثورة عارمة على الطغاة وعلى الحكام وعلى الملوك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها، ودعوة للمستعبدين والمستضعفين أن يكونوا سادة أنفسهم وألا يدعو هؤلاء المترفين والحكام يستبدون بهم. إذن يلتقي الإسلام مع الديمقراطية في استبعاد الطغاة أي حكم الفرد،وبالتالي ستكون للجماعة أو كما يقول الفقهاء أولى الأمر أي النخبة، مثال رؤساء النقابات، أو طريقة الانتخابات بالدوائر الجغرافية أي يكون لهم نواب حتى لا يستبد الحاكم بالقرار وحده فضروري من أن يتولى الشعب هذه العملية أو على الأقل يشارك فيها مشاركة فعالة.
ويسألني البعض هل الشورى ملزمة أو غير ملزمة ؟ فأقول لهم هناك ما هو أهم من الشورى، هو إمكان عزل الحاكم إذا أساء، هذا أهم من الشورى،أما قضية الشورى ففيها مجالات عديدة جداً لتعالج، أما قضية رقابة الشعب على الحاكم ومناصرته إذا أحسن وتقويمه إلى حد العزل إذا أساء فأمر قائم ومقرر في الإسلام، أولاً قاعدة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإن افضل شهيد من ذهب إلى حاكم ظالم فقتله، وكلام أبو بكر وعمر والرسول، والديمقراطية الحديثة مكملة للشورى القديمة (..).

* تقول " لإسلام الذي يتعبد به المسلمون اليوم ليس هو إسلام الله والرسول بل هو إسلام الفقهاء الذي وضعه الفقهاء منذ ألف عام. أرجو شرح هذه العبارة؟
- كيف يفهمون القرن ؟ يقولون اين عباس قال كذا، ومقاتل قال كذا، مجاهد قال كذا. ابن تيمية قال كذا، الحديث صحيح أم خاطئ يقولون البخاري قال كذا … مسلم قال كذا …. إذن هؤلاء لا يفكرون بعقولهم ولا بالأشياء الثابتة، لا بالقرآن نفسه بل بكلام المفسرين، ولا بتأكدنا من صدق الأحاديث بل لمجرد أنهم قلوا كذا وكذا … وكل هذه المذاهب، هل كانت موجودة في عهد الرسول من شافعية وحنبلية ؟ كانت غير موجودة، كل هذا من إبداع الفقهاء فهذا هو إسلام الفقهاء الذي كان انعكاساً لمشاكل عصرهم الذي لا يشبه عصرنا نحن.

* في مشروعك الفكري طالبت بإزاحة كل هذه الفتاوى والرجوع إلى القرآن بعقل جديد. كيف؟
- نحن لا نعبد أشخاصاً من دون الله، فأبو بكر قال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، كل فتاوى الأئمة عوائق لتحديث الفكر الإسلامي.

* رشيد رضا في "تفسير المنار" قال إن هناك آيات في القرآن لم تعد متكيفة مع روح العصر مثل آيات السيف مثلاً. فما رأيك في ذلك؟
- آيات القتال استعرضتها من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس، كل كلمة فيها قتال أخرجناها. كلها دفاع عن حرية العقيدة ولم نقف إلا أمام الآية التي تقول "حتى يدفعوا الجزية عند يد وهم صاغرون " توقفت أمام هذه الآية وقلت أنها لأناس معينين هي الوحيدة التي شذت عن آيات القتال الموجودة في القرآن ومع هذا لم تطبق في عهد الرسول ولا عهد الخلفاء وكانوا يعطون الجزية عن يد وهم كرماء.

* آيات السيف هل هي صالحه لعصرنا؟
- هي كلها دفاع عن حرية العقيدة مثال حروب الرسول، سيد قطب هو الذي قال إن الإسلام سن الجهاد لنشر الحاكمية الإلهية لينقذ البشر من حكم البشر وينقلهم إلى حكم الله تعالى، هذا كلام فارغ وحلم مستحيل، وحتى لو طبق ستكون بلوى سوداء يكتوي بنيرانها المسلمون قبل غيرهم.

* أنت مع أو ضد القراءة التاريخية للقرآن؟
- لا يوجد شيء اسمه القراءة التاريخية للقرآن، القرآن كله ماشى على طول، وكله من عند الله، وقد تكون فيه آيات فيها اختلافات وبدائل ربنا أرادها الله من أجل ألا يحكم الناس على مثل حد السيف. أي إنسان يمسك بآية فهو يمسك بهداية ولا يرد عليه بآية مختلفة لأن القرآن يكمل بعضه بعضاً ولا يضرب بعضه بعضاً. فالذي يقول هذا فهو من قصر النظر. ولا يوجد شيء اسمه قراءة تاريخية أو أسباب نزول ولا ناسخ ومنسوخ كل هذا بهتان وإثم واجتهادات خاطئة لوثت صفاء القرآن.

* "نحو فقه جديد" كتاب لك من ثلاثة أجزاء تحمل فيه نظرية جديدة عن الإسلام ما هي الأفكار والمبادئ التي ينطلق منها هذا الفقه الجديد؟
- عندما نقول القرآن هو القرآن دون مفسرين من ابن عباس حتى سيد قطب، لا تأخذ أي كلمة من هؤلاء الناس، لا تشرك في كلام الله كلام أحد، ما عرفت فالحمد لله، وما لم تعرفه فلست مكلفاً بأن تعرف كل شيء. المسلمون الأوائل كانوا يحفظون عشر آيات بعشر آيات، وتأتى أنت وتريد أن تحفظ القرآن من أوله إلى آخره. فإذا أراد كل مواطن وكل مسلم وكل شاب صغير حفظ القرآن فمن سيزرع ومن سيعمل في المصانع، كلنا سنعمل في خدمة تفسر القرآن وهذا ليس مرغوباً ولا مطلوباً إسلامياً فأصلح المسلمين هو أصلحهم في أمور دنياهم، شيء آخر السنة، أهم شيء هو أن تضبط بمعايير من القرن لأن معيار السنة الذي تعيدون به الحديث صح أم خطأ معيار غير دقيق، واتسع الرتق على الراتق، فمن غير المعقول عندما أحكم على شيء أحكم على ناقل الخير وأترك الخبر نفسه، حتى لو كان يتناقض مع القرآن ومع المنطق ومع مصلحة الناس على طول الخط.
من غير المعقول أن أقول أنه رجلاً صالحاً وصادقاً، لكن ضروري أن يكون كلامه صحيحاً لأنه من الممكن أن يكون عبيطاً أو في نفسه حاجة والذاكرة البشرية خؤون ولا يمكن مطلقاً أن تحتفظ بالأحاديث كما قال الرسول عشرات السنين. هذا أمر لا يقره العلم اليوم، المهم هو المتن الخاص بالحديث هل يتفق مع القرآن ؟ إذن ‘يقبل، لا يتفق مع القرآن إذن يرفض، الآيات القرآنية تتعلق بحرية الاعتقاد، مائة آيه " لا إكراه في الدين" "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"،"فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ثم يجيئون لي بحديث "من بدل دينه فاقتلوه" هذا الحديث مرفوض بلا تفكير وبلا تردد، هذا الحديث موضوع أو نقل في ظروف معينة أو نقل خطأ أو تلاعبت به الذاكرة الخؤون، لا نأخذ به، فمن غير المعقول أن نأخذ بحديث،وأضرب بخمسين آية عرض الحائط يكون ذلك حماقة منى.حد الردة لا وجود له في القرآن إذن لا وجود له في الإسلام. وهذا الحديث المتناقض للقرآن مرفوض نقلاً وعقلاً. إذن القرآن بدون مفسرين والسنة بدون سند مع ملاحظة ضبط المتن بمعايير القرآن، نأتي بعد ذلك إلي الحكمة، في القرآن "وأنزلنا الكتاب والحكمة" الحكمة معناها كل ثمار العصور القديمة والعصور الحديثة مفتوحة أمامك خذ منها ما شئت،والرسول يقول :"الحكمة ضالة المؤمن " يلتقطها أني وجدها. فالعلوم الحديثة كلها حكمة وعلي المسلم أن يجعلها ضالته ويبحث عن عنها في الشرق أو في الغرب. إذن تحريم بعض المجانيين للعلوم الحديثة افتئات على القرآن.

* ما هي مأخذك على الفقه القديم؟
- الفقهاء القدامى كانوا أناساً في منتهى الطيبة والإخلاص، وأرادوا خدمه الإسلام بعلومهم، ولكن أولاً ما كانوا ملائكة ولا معصومين بل معرضين للصواب والخطأ "كل بنى آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، ثاني شيء معدات البحث والدراسة محدودة لديهم، لا توجد مطبعة فكان الكتاب ينسخ باليد، ولا توجد وسائل انتقال لكي يتأكد من صحة حديث، كان يذهب براحلته من المدينة إلى الفسطاط. وأهم من ذلك أنهم أبناء عصرهم لا يمكن أن يتحرروا من روح العصر. عصر مغلق، عصر مستبد،عصر فاسد من أيام معاوية إلى عبد الحميد الثاني كل هذه الخلافة منذ سنة 40 هجرية إلى 1924 أكثر من ألف عام ما يسمونه خلافة كان ملكاً عضوضاً وليس له من الخلافة شيء. هذا هو العصر الذين عملوا فيه، حاول بعضهم أن يثور على حكم هؤلاء الطغاة، فسحقوا حتى الأئمة الأربعة كل منهم تعرض لاضطهاد رهيب. الشافعي كان قاب قوسين من الموت، مالك خلعت أكتافه، ابن حنبل مثله، أبو حنيفة يقال أنه سم لأنه رفض تولى القضاء.
إذاً كان هؤلاء لا يملكون حرية الفكر، لهذه الثلاثة أسباب جعلت فكرهم لا شيء، وجعلته قديماً ولا يصلح لعصرنا علناً. قد يقول قائل أن في أقوالهم للآلئ ودرر،فعلي من يريد الحصول على عرق الذهب الصغير أن يهد الجبل، ونحن لا عندنا وقت ولا جهد لذلك، وبعدين لماذا لا نعمل عقولنا نحن، لأننا لو اعتمدنا على عمل الأسلاف معنى ذلك أننا لن نعمل عقولنا وهذه أكبر خطيئة.

* كلمة أخيرة يوجهها المفكر جمال البنا كمربي للأجيال لشباب اليوم الذي ينساق وراء تيارات الإسلام السياسي،أو الجماعات الإرهابية. فبماذا تنصحهم؟
- أقول لشباب اليوم الصاعد: لا تنساقوا وراء الشعارات البراقة ولا تدعوها تبليكم،الآن الشعارات جوفاء وبقدر ما تكون ضخمة بقدر ما تكون فارغة و تحدث دوياً دون أن تحقق عملاً. فحكموا عقولكم و قلوبكم فيما تسمعون أو تقرؤون ولا تنساقوا كالقطيع وراء الشعارات أو الحماسة.فما كل ما يلمع ذهباً. وكان الله في عونكم ضد المتسترين بالإسلام لحاجة في نفس يعقوب.

الحلقة الأولى