تحقيق - هدى السالم: الأصل في الوالدين وأفراد الأسرة لا سيما في المجتمع المسلم التضحية وحب الخير المتبادل بين أفراد هذه الأسرة وخاصة من الوالدين تجاه أبنائهما.. إلا أن هذه المعادلة تختل أحياناً تبعاً لبعض الظروف أو تحت وظأة المفاهيم الخاطئة والعادات البالية التي ما أنزل الله بها من سلطان ليقع ضحية هذه الأخطاء أفراد لا ذنب لهم ولا حيلة..
في هذا التحقيق الذي سجلت كلماته صاحبات القضية نفسها يطرحن معاناتهن في أسباب تأخر زواجهن أو ما يسميه المجتمع "العنوسة" في محاولة لالقاء الضوء على أحد أسباب هذه المشكلة الاجتماعية والتي من المفترض أن تكون المجتمعات الإسلامية بعيدة عنها في ظل مبادئه التي تدعو الشباب للزواج وتحصين النفس وتأمر أولياء الأمور بالرضا فيمن يتوفر لديه الدين والخلق وعدم المغالاة والمبالغة في شيء.
تركزت مشكلة هؤلاء الفتيات في اتهام الأسرة في تأخر زواجهن فكيف ذلك وما هي الأسباب التي من الممكن أن تحول دون فرحة الآباء أو الأمهات في تزويج بناتهم..؟
تعالوا معنا نعرف الإجابة من صاحبات القصص أنفسهن..

يشترطون القرابة
بدأت حديثها بحزن شديد قائلة: حولكم القصص كثيرة التي تشهد جور بعض الآباء وأولياء الأمور من الأخوان والأعمام الذين بسبب جهلهم بدينهم الإسلامي بخسوا حقوقنا وأضاعوا الأمانة التي أشفقت السماوات والأرض على حملها.. وأنا أتوجه لجريدة "الرياض"" لأبث مشكلتي ومشكلة كثيرات أمثالي بعد أن فقدنا الأمل في بعض خطباء المساجد الذين سبق وأن لجأن لهم دون جدوى..
هكذا بدأت (أمل. ع) تحكي معاناتها وتابعت: أنا من أسرة تتمتع بظروف مادية جيدة وبحمد الله أتمتع بقدر كبير من الجمال وحصلت على الشهادة الجامعية منذ عدة سنوات.. وخلال كل تلك السنوات الماضية كان يتقدم لخطبتي الكثير من الشباب من غير العائلة. وكان منهم المدرس والمهندس والدكتور والموظف الحكومي وغيره وكانوا جميعاً يواجهون بالرفض.. هل تعلمون لماذا؟ لأنه لا ينتمي لنفس عائلتنا المصونة والتي تعتقد أن من سيتزوج من بناتها من خارج العائلة لابد وأنه سوف يظلمها ويقهرها وقد يطلقها معتقدين أن القرابة تمنع بطش الرجال على النساء...!! ويا لها من معادلة أضاعت أحلى سنين عمري. والغريب أنني الآن على أبواب الأربعين ويتقدم لي الأمي الجاهل وهم يعرفون أهله ووالده ويقف أهلي حائرين في القبول..!! في الوقت الذي أرفض به الاقتران بالجهلاء فكيف يمكن أن تستقر الحياة بين متعلمة مثقفة وجاهل لا يقرأ ولا يكتب.؟! أي منطق أهلي يتبنون..؟ وبأي قانون يحكمون..؟!
أين نحن من الشريعة الإسلامية التي ننتمي لها دون أن نطبق ما جاء بها فكم من شاب تقدم لي ممن يرضى الله ورسوله دينه وخلقه وتم رفضهم لأسباب عقيمة واهية.. إنه التجبر وسوء حمل الأمانة السبب في تعاسة حظي فما ذنبي أنا ليتحكم أهلي بتزويجي وأنا راشدة عاقلة بإمكاني الرفض أو الموافقة..؟
انتهت كلماتها التي حذفت هي برغبتها عدد من الكلمات أثناء حديثها منعاً من التجريح بأسرتها وقالت: "أنا انتهت قصتي ودمر أهلي حياتي فقط أردت ذكر القصة من أجل أن يأخذ بنات جنسي العبرة لعلهن لا يصلن إلى هذا العمر دون أن يكون لهن رأي في تحديد شريك حياتهن.."

أب متسلط
أما (خلود. ف) فقد تجاوزت الأربعين ووالدها يرفض كل من يتقدم لها بحجة أنه غير مقتنع بشخصية المتقدم وأنه لا يتناسب مع مكانة الأسرة الاجتماعية والمادية وبالرغم من تدخل إخوانها لحل قضيتها، إلا أن والدهم صاحب شخصية قاسية وشديدة ويتحدث أبناؤه الرجال معه بصعوبة فكيف الحال بفتاة ضعيفة هي ابنته..؟ تقول خلود: "بعدما تجاوزت الأربعين وافق والدي على تزويجي من شخص متزوج ولديه عدد كبير من الأبناء اقتنع والدي بشخصيته، بل واختاره بنفسه ليكون شريكاً لحياتي ذقت معه ألوان الهوان والذل ولم أجد الراحة معه يوماً واحداً وكان ثمرة هذه التعاسة طفلة لا ذنب لها سوى جبروت الأهل.."
صمتت قليلاً ثم وجهت كلماتها لوالدها قائلة "هذه أنا يا والدي العزيز أدام الله عزك ومكانتك الاجتماعية التي لم يقدرها صديقك الذي زوجتني به وسأحل ضيفة على منزل خلال الأيام المقبلة.. وإلى الأبد.."
(م. الحربي) فتاة في العقد الثالث من عمرها وهي الوسطى بين خمس فتيات موظفات في القطاع التعليمي منذ سنوات طويلة وهن يضعن رواتبهن في تصرف والدهن الذي يضع تأمين الوضع المادي لأبنائه الذكور في مقدمة اهتماماته إضافة إلى تأمين منزله ووضعه..
تقول (م. الحربي) "كل ذلك من رواتبنا التي لولا كدنا وجهودنا لما حصلنا عليها.. وبعد أن أطلق سراح اختنا الكبرى التي زوجها والدي وهو كاره مجبر لكثرة تدخل أهل الخير من الأقرباء وقد تجاوزت الأربعين من عمرها نتمنى أن يطلق سراحنا نحن أيضاً قبل أن يفوت قطار العمر فنكون لم نحصل على فائدة من وظيفتنا التي أجهدتنا من سنوات ولم نستقر في بيت الزوجية.."

الخطاب هجروا منزلنا
وتحكي ليلى فهد قصة مشابهة فتقول: "والدي مريض نفسياً والجميع يعرف عنه هذا فهو يرفض تزويجنا بحجة أنه لن يتنازل لأحد عن بناته اللاتي رباهن وصرف عليهن وبعد كل هذا التعب يأتي من يأخذهن..!! هذا قوله دائماً ونحن لم نتجرأ يوماً على نقاشه في ذلك. وقد تدخل بعض الأقارب أكثر من مرة دون جدوى وفي النهاية ملوا جميعاً من عدم تجاوبه وتركوه يتحكم بمصائرنا... ما هو الحل؟ الخروج عن أمره..؟ لا يمكن أن نغضبه فيقع علينا غضب الله.. هل نلجأ لأحد علماء الدين ليتولى تزويجنا.. كما نصحتني إحدى الصديقات..؟ ولكن كيف يمكن أن نفعل ذلك بوالدنا وهو يقوم على رعايتنا والاهتمام بنا والصرف علينا على أكمل وجه..؟ حتى أنه لم يكن مثل بقية الآباء الذين يأخذون رواتب بناتهم، بل على العكس يعطينا فوق رواتبنا مصروفاتنا الخاصة ولا يدعنا بحاجة لشيء، ولكنه هداه الله لا يفكر أبداً بتزويجنا حتى إن الخطاب منذ سنوات هجروا بيتنا بسبب سمعته المتشددة في هذا الأمر ولا حيلة لنا سوى الصبر رغم أن أصغرنا بلغت الثلاثين وإلى الله المشتكى".

حرصهم أتعسني
أما (عواطف. ع) فمشكلتها في عدم قناعة والدتها في من يتقدم لخطبتها فهي البنت الوحيدة لأسرتها بين ستة ذكور، وكلما تقدم لها خاطب رفض والدتها وإخوانها بحجة أنه ليس كفؤاً لابنتهم..
تقول عواطف: "لقد أتعسني حب إخواني ووالدتي لي هل تعلمون كيف..؟ بحرصهم الزائد على سعادتي حتى أصبحت أتعس فتاة في عائلتنا فهم يرونني أغلى من كل البنات ويريدون لي شاباً غير كل الشباب، فكلما تقدم لي خاطب وضعوا فيه مائة عيب ولم يدق بابنا خاطب سلم من تعليقاتهم التي منها على سبيل المثال كسول، بارد، همجي، مستواه المادي عادي، متسرع، شكله دون المطلوب... وغيرها من التعليقات التي تتأثر بها والدتي، وبالتالي ترفض دون أدنى تردد وفي كل مرة تلتفت لي قائلة "يجيب الله أحسن.. ما بعد جا نصيبك يا عواطف" وتمر السنوات وما بعد جا نصيبي حتى بلغت التاسعة والثلاثين من العمر وأنا أقف خلف باب حجرتي أنتظر نتائج مداولات والدتي واخواني عن آخر الخطاب الذي جاء منذ ستة أعوام ولم يدق خاطب بابنا بعدها أبداً وشعرت بالأسى على نفسي حين سمعت إحدى صديقات والدتي تقول لها لماذا لا تطلبون من خاطبة البحث لكم عن عريس.؟ وأصبح اخواني يتمنون أي متقدم وإن كان متزوجاً خاصة بعدما استقر كل واحد منهم في بيته وأصبحت مع والدتي وحدنا في البيت لا أنيس سوى الخادمات..!

إحساسها أقوى
وضحية أخرى من ضحايا تفكير بعض الأمهات.. صاحبة القصة (شريفة علي) فتاة تجاوزت الثلاثين كلما تقدم لها خاطب رفضته والدتها لأسباب تافهة وكان آخرها عندما تقدم لها شاب على دين وخلق ورفضت الأم لأن أخ العريس طلق ابنة صديقتها بعدما حصل الكثير من المشاكل بينهما، وتخاف أن يفعل العريس بابنتها مثلما فعل أخوه بزوجته وقبلها تقدم لي شاب لا يعيبه شيء سوى أن والدتي لم ترتح نفسياً لوالدة العريس وتقول إن شكلها يوحي أنها امرأة على حد قولها متسلطة..!! ورغم شهادة الجميع لها بالخير إلا أنها لم تقتنع واعتبرت مشاعرها الأقوى..

ترفض التعدد
"قبل أن أتجاوز الثلاثين كان حجة والدتي أنه لم يتقدم لي الشخص المناسب فهذا بخيل وذاك فقير وفلان ثقيل الدم والآن بعد أن بلغت السابعة والثلاثين لم يعد يتقدم لخطبتي سوى المتزوجين وهنا المعضلة الكبرى، حيث لا توافق والدتي على تزويجي من شخص لديه زوجة وتقول لي دائماً هل ترضين أن تبني سعادتك على تعاسة امرأة أخرى... بالرغم من أن الشخص المتقدم يطلب الزوج من ثانية وإن لم أوافق أنا فهناك غيري ممن توافق، وبالتالي الأمر سيتم بي أو بدوني ولكن هذا الكلام لا يقنع والدتي أبداً وتصر أن لا أتزوج من رجل لديه زوجة أخرى".
هكذا سردت (زين ماهر) قصتها وتابعت "كلما أكدت لوالدتي أنه لن يتقدم لي بعد هذا العمر سوى المتزوجين قالت لي لعلك تحظين بأرمل!! وتصر أن هذا نصيبي.."
ثم تستطرد بامتعاض شديد متسائلة "هل يعتقد الأهل عندما يكونون سبباً في تعاسة أبنائهم أن هذا نصيب الأبناء..؟ ما هذا التواكل؟ ألا يخافون من حساب الله؟ وهل يعتقدون أن خروجنا عن رأيهم لصالح حياتنا ومصائرنا عقوق..؟!"

بسبب مرض والدتها
بقيت أكثر من أربعين عاماً في منزل والدها تخدم الصغير والكبير هي الأخت الكبرى لأشقائها السبعة وشقيقاتها الأربع وكانت الوحيدة بينهم لم تكمل تعليمها بسبب فشلها أكثر من سنة دراسية مما أصابها بالاحباط وهي لم تزل في المرحلة الابتدائية. وبقيت سنوات عمرها تخدم الجميع وكلما تقدم لها خاطب رفض اخوانها بشدة وباعذار واهية.
(منيرة إبراهيم) شابة نشيطة أصابها الحزن والاكتئاب بسبب أنانية إخوانها الذين لا يفكرون بحياة شقيقتهم بقدر ما يفكرون بحاجتهم لها خاصة أن الأسرة تعتمد عليها في تدبير أمور البيت في ظل مرض والدتها والجميع يسأل بمجرد التفكير في تزويجها.. من سيطبخ لنا.. من سيعتني بالبيت؟ من سيرعى الوالدة.؟ من سيرتب الزيارات الاجتماعية من سيدبر أمورنا..؟
هذا ما ذكرته منيرة بهدوء وحزن بالغ وتابعت قائلة "وأنا من سيدبر أموري وقد امتلأ الرأس شيباً وفي كل عام نفرح بتزويج أحد اخواني، وهذا العام تزوجت اصغر شقيقاتي وأقسم بالله انني أكثرهم فرحة بسعادتهم ولكنني بدأت أفكر في نفسي بعد فوات الأوان وندمت كثيراً على أنني لم أكمل تعليمي على الأقل كانت الوظيفة ستدخل شيئاً من التغيير في حياتي الرتيبة.. أما عن زواجي ففقدت الأمل خاصة بعدما تقدم لخطبتي رجل في الستينات ورفضته الأسرة لأنه من خارج قريتنا.. عندها أحسست أن حياتي سوف تنتهي هنا في منزل أهلي بين أدوية أمي وبين ذكريات والدي رحمه الله وأعلم أن لا شيء يضيع عند الخالق عز وجل".