لا يكتم العلمانيون الأتراك عتبهم على «أساتذتهم» من علمانيي فرنسا. صحيح أن دخول بلادهم النادي الأوروبي ليس شعبياً في عموم القارة المتوسعة. مع هذا ففرنسا تضيف إلى ذاك الموقف الشعبوي ثقافته، إذا صح القول، كما تمنح جمهوره المبعثر المتعدد الدول القيادة السياسية ومرجعية الأمة الكبرى.

فيسار فرنسا ويمينها، على تفاوت طفيف في الدرجة، يحبّذان إبقاء تركيا في الخارج. وفي المقابل، حين يبدي الحزبان الحاكم والمعارض في بلد كاليونان تأييدهما دخولها، يتبدّى أن الحذر ليس كامناً في التاريخ وأحقاده، ولا في المنافسة الاقليمية، أو الجوار الجغرافي المتوتّر. بل يمكن القول، اتعاظاً بالموقف اليوناني، إن الفارق الديني، مأخوذاً بمعناه البسيط، ليس العنصر المهم في الموقف السلبي من تنسيب تركيا. ذاك اننا عندما نتحدث في الأديان تلوح الكنيسة الشرقية اليونانية، لا الكنيسة الكاثوليكية، بوصفها أصل النزاع مع الإسلام وفصيله المتقدم وذاكرة أحقاده الأغنى. وإذا قيل، في المقابل، إن فرنسا تؤوي أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا، فألمانيا تؤوي أكبر الجاليات التركية فيها، غير أن الألمان أكثر انشقاقاً حيال الموضوع من الفرنسيين.

إلا أن العلمنة الفرنسية، بتاريخها الراديكالي والنضالي، هي التي لا تحتمل أوروبية تركيا. يفاقم بَرَمها ذاك أن العلمنة التركية التي ابتدأها أتاتورك لم تسلك المنحى التصاعدي والخطيّ الذي سلكته الأم الفرنسية. فهي كانت مليئة بالاخفاقات والتراجعات التي بلغت تتويجها مع وصول حزب إسلامي إلى السلطة. وهذا إنما يعني، بين ما يعنيه، أن تلك السلعة الفرنسية المعدّة للتصدير الكوني، والتي يُفترض أن يتعاظم الأخذ بها على نحو لا تردد فيه وجدتْ، لدى مستوردها الحذِر، كثيراً من التردد.

وفي أدلجة كهذه لمبدأ العلمنة يحتل التباين الديني موقعه. صحيح أن عزف السياسيين على الوتر هذا يخاطب بيئات، فرنسية وأوروبية، محدودة الثقافة والمهارات، عنصرية وشبه عنصرية تؤرّقها العولمة. بيد أن الأهم يكمن في أن أدلجة العلمنة أفضت إلى الاستحواذ على تاريخها، فغدا هو نفسه تاريخاً واحداً أحداً. بمعنى آخر، ولأن النظام الايديولوجي يصنع لنفسه ماضيه كما يصنع تأويله له، غدت المسيحية أقرب إلى شرط ضروري سابق على العلمنة «الصحيحة»، تماماً كما قُدمت «الرأسمالية» شرطاً ضرورياً سابقاً على «الاشتراكية» لدى الذين أرادوا تعميم النموذج السوفياتي-الشيوعي.

ما يضاعف هذا الميل، فضلاً عن التعثّر التركي حيال العلمنة، ضعف حركات الإصلاح الديني في العالم الإسلامي، والتقليد الفرنسي الذي يتخذ صورة الأبوة حيال أوروبا. وتقليد كهذا غالباً ما يُستدل عليه بالمقارنة بين اتجاه بريطانيا القديمة إلى بناء ذاتها قوةً بحرية عابرة للقارات، واتجاه فرنسا إلى الإمساك بقارتها والسيطرة عليها، وهو ما كانت الحروب النابوليونية تجسيده البليغ. لكن هذا التطابق مع «الأوروبية» يزكّي الميل المقابل الى مطابقة المسلمين مع الإسلام ومماثلة رقعة من الأراضي الاسلامية مع رقاع الإسلام جميعاً.

ولزواجٍ كهذا بين أدلجة العلمنة وبين الأبويّة القاريّة أن يجعل صدّ تركيا «حمايةً» للأرض والفكرة في آن، سيما وأن الاثنتين «مهددتان» بـ«اختراق» ملايين المهاجرين ممن يثيرون في البيئات الأقل تقدماً مخاوف اقتصادية وثقافية، دينية وعددية. والمخاوف هذه إذا ما درّت على مُستغليها من السياسيين مكاسب عارضة، فإن في وسعها أيضاً أن تحول دون «تلوّث» أوروبا المعلمنة ببشر لم يقدّروا نعمة العلمنة حق قدرها.

لكن السلوك هذا، مثله مثل كل مبالغة ايديولوجية، يسدّ الطريق الأسلس الذي قد يتخذه احتكاك «الشرق» بـ«الغرب»، وربما اندماج الاثنين اللاحق. يكفي التذكير بالصيغ الأخرى التي نعرفها وكلها دامٍ ومأسوي، كالطريق العراقي، أو الطريق الأفغاني، أو في ما خصّ الفرنسيين تحديداً، الطريق الجزائري والطريق الهند صيني!

ومرة أخرى، ومثلما يحصل دوماً في الاحتكاك السجالي بين الواقع ووعي متخم بالايديولوجيا، ينهض السؤال: لماذا لا يتبدّى اللقاح كسباً تحرزه العلمنة بأن تضمّ إليها إسلاميي تركيا المتحمسين أصلاً للانضمام، بدل أن يُرى تنازلاً تقدمه العلمنة للإسلام؟