هناك عاملان اساسيان لاكتمال أية جريمة في التاريخ، بالرغم من ندرة هذا الاكتمال.
العامل الأول هو غياب الشهود او تغييبهم قسريا، والعامل الآخر هو كون الضحية خرساء...
ولهول ما يجري الآن من تنكيل بهذه الذات العربية خارجيا ومحليا، فان ما تكتبه الضحية يوشك ان يكون صمتا آخر، لأن المحذوف من الكلام المكتوب هو الذات، أي الينبوع، بحيث يبدو الحديث عن اي حذف آخر مجرد ثرثرة بلا طائل، وأسوأ ما تتورط به ضحية في التاريخ هو أن تكون قامتها أقصر بأضعاف من قامة التراجيديا التي تحياها او تموتها.
عندئذ، تتخلي عن دور البطولة وتلوذ بالهامش بانتظار غريب يتقمّصها، ويستنطق دمها الصامت، ثم تتم عملية استيلاد النارمن الحجر.
ان ما اعنيه باختصار بالضحية الخرساء هو الانسان الذي تأقلم مع اسباب شقائه، بحيث استوطنته او استوطنها، وانتهي الأمر الي ماسوشية يستمريء معها المصاب آلامه، وان لم يجدها.... يستدرج السكين التي ينتجها!
وقد يبدو المثقف العربي الان أقل عصابية مما كان في أزمنة أقسي وأشد بدائية ووحشية من هذا الزمان، لأنه الان يبحث عمن يقول أقواله، وبالتالي أعفاؤه من شهادة هي توأم الاستشهاد.
فمن فقد علي التوالي... حريته الشخصية، والسياسية، واخيرا التعبيرية هو كائن اما تقبل حكم الاعدام ولم يستأنفه لدي أي قضاء، او تشيّأ بالمصطلح الوجودي المعروف، أي تحول الي مجرد شيء ملقي في العالم، قد يتحرك فقط اذا ركلته قدم، او اصاب الارض زلزال.

أول ما ترسخ من ادبيات التأقلم مع اسباب الشقاء والاعدام الرمزي، هو هذه النسبية التي حطّمت المفاهيم وحوّلتها الي كسور عشرية، ما دام هناك ربع حرية، وثلث وطن ونصف انسان، وكتابة داجنة تنكفيء علي مونولوجات غير مسموعة.
وأصبح من يقول ان الارض مستديرة وتدور يبدو أمام نفسه شجاعا ومجازفا، ومن يقول ان الواقع العربي الذي يعج بهذه المسوخ وهذه الأبويات قد يجد من يحسده علي جرأته، رغم ان هذه الاقوال وما يماثلها يلثغ بها حتي الحجر في متحف، وقد تخطها الطبشورة وحدها علي اللوح الاسود دون الاستعانة بأصابع التلميذ، وأذكر ان مثقفا عربيا في الستينات البهية من القرن الماضي كتب ذات يوم ان الدولة العربية المعاصرة تستحق براءة اختراع، فهي اعادت الانسان الي قرد في اقل من نصف قرن.
وبذلك لم تتفوق فقط علي التاريخ، بل تفوقت ايضا علي الطبيعة، ومنذ ذلك اليوم وتلك الكتابة، جري مسخ القرد عدة مرات، بحيث استحال الي صرصار او ما هو دون ذلك!
لكن من ولدوا وعاشوا قرب معامل او مكبات للنفايات، تعتاد أنوفهم الرائحة، وقد يستغربون اذا اصيب ضيفهم بالغثيان، والعربي الذي ولد في تابوت صغير، وترعرع علي حليب الزجر، ونفي الجسد، وانكار الحق في المساءلة، قد تبدو له العوالم الاخري المغايرة اشبه بالفنتازيا، وقد يصعب علة الأنف المزكوم منذ الولادة ان يحزر رائحة ما... لأن الأمر سيان لديه، سواء اخذ المسك من الغزال او من غدة الضبع الذي يذود بها الأعداء من خلال تنفيرهم منه، يعفّفون حتي عن لحمه وهم جياع !!

رغم كل ما تنسبه الضحية الان الي نفسها من عبقرية الأنين، الا أنها خرساء، لأن ما يلحق بها من الأذي أضعاف ما تنفعل به وتعبّر عنه، ولا ادري لماذا اتذكر في كل سياق كهذا ما كتبه ناقد بريطاني عن قصيدة المومس العمياء لبدر شاكر السياب، فقد قال ان الدراما العربية كي تكتمل وتكون ذات تأثير يجب ان تحشد مآسي وكوارث البشرية كلها في نص واحد، فالبطلة في القصيدة ليست مومسا فقط، بل متسولة... وعمياء وعجوز، وكانت صفة واحدة من هذه الصفات تكفي لأن يكتب نص درامي مثل المومس الفاضلة لسارتر مثلا، او الشيخوخة كما صوّرها روبرت فروست او ت . س . اليوت!
وحشد كوارث البشرية في نصّ يطمح الي اثارة الاستجابة، هو المرادف الأدبي للنكتة، او الطرفة الشعبية المتداولة، فبعض الشعوب ممن تتبادل حياتها اليومية لغة بالغة الفظاظة والفحش، تسمي المجرفة، والمجرفة كما يقول المثل الساكسوني قلما تكون النكات الصادرة عنها مثيرة حتي لأبتسامة، لأنها كي تحقق التأثير المطلوب يجب ان تكون كثافة من الفحش المتداول، وما يؤكد صحة هذا ما نراه من ترجمات للنكات والطرائف لدي مختلف الشعوب، وقد اخبرني صديق معني بهذا الشجن، انه قرأ خمسين نكتة انكليزية ولم يضحك!
ان الضحية الخرساء، لم تولد مقلوعة اللسان وربما كانت ثرثارة في طفولتها، عندما لم يكن الوعي قد تشكّل، بحيث يقرأ الفقر والمرض والزمن والموت بمنظار آخر غير منظار الخرافة، لكن الضحية ما ان تعي شروطها، وتبدأ بترشيد ما كانت تتصوره مجرد سوء طالع، حتي تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما،
اما ان تصرخ بملء الجرح والفم، وتدفع ثمن الصراخ، او ان تتماوت وتصمت لعلّها تظفر بما تبقي،
والضحية العربية الآن، آثرت التماوت متقمصة حيلة البعير، رغم ان فلسفة قتل الموتي أبطلت مفعول هذه الحيلة، فهناك موتي قتلوا مرات عديدة، وبعثرت عظامهم من القبور (حدث هذا في صبرا وشاتيلا مثلا بشهادة جان جينيه)!
لقد جرّبت هذه الضحية مستوي خافتا من الانين وندمت علي ذلك، لأن الدولة العربية التي تجسدت في شرطي عملاق، سارعت الي تأويل الأنين وتقويله، بحيث يبدو كما لو انه ينال من السلطان، واعتراف غير مباشر بأن فائض العدل لم يصل بعد الي تلك الضحية.
وهنا، كي لا يبدو الكلام مجردا وعاما، علينا ان نشير الي ثلاث حقائق، غالبا ما جري استبعادها والسكوت عنها في اكثر المناسبات تعلقا بحقوق البشر.
الحقيقة الاولي، هي انتهاك أدق تفاصيل الحياة الشخصية والعائلية لدي العربي الأسير في عقر وطنه، بحيث حوّلته استمارات الدول الي (ابو بريص) لفرط شفافيته، بحيث يبدو حتي نخاعه عن سطح جلده، وكأن ما كتبه كونديرا في واحدة من اهم اطروحاته عن الشمولية كتب عن هذا العربي، وليس عن مناخات كافكاوية اعاد كونديرا انتاجها.
فبقدر ما تحرص الدولة علي ان يكون الفرد شفافا ومقروءا حتي أدق التفاصيل، وذلك كي يسهل التنكيل به، واختطاف حريته، اذا ازفت المناسبة.
والحقيقة الثانية، هي اعادة دمج الفرد في عائلة او قبيلة، بحيث يتم اعدامه رمزيا ككائن متحقق وذي ملامح ومواصفات.
يتجسد هذا في العقوبات التي تلحق بذوي القربي لمن تجري مطارداتهم لأسباب سياسية، ويصبح القريب حتي من الدرجة الخامسة مدرجا علي قائمة الثأر الرسمي الذي تمارسه دول وليس قبائل او أفرادا!
والحقيقة الثالثة، وقد تكون الأثفية الثالثة حسب ادبيات ثقافة الخيمة، هي اعادة ربط حبل السرة بالدماغ، اي فلسفة التجويع، وابتكار بافلوفية سياسية ذات خصوصية قومية هذه المرة، يتم بموجبها، اسالة لعاب الناس لا الكلاب كلما قرعت الأجراس، حتي لو لم يكن هناك غير الرنين!

ہما الذي قالته الضحية حتي الان عن يوميات الذبح، كي تكمل سيرتها بيوميات السلخ؟ وهل كان الكاتب العربي شجاعا ومجازفا وفدائيا عندما قال مثلا ان أباه سرق عشاءه! او ان الأرض ما تزال مستديرة وتدور!
ان ما يحدث لهذه الضحية الآن لا يقل عما حدث لضحية روي اخبارها ابن اياس في بدائع الزهور، وما تبدل فقط هو مساحيق التجميل التي توضع علي وجوه الموتي الشاحبة، او علي الفقر بحيث يستر كما لو كان عورة، وقد يكون كل ما قيل حتي الآن هو مجرد انين علي استحياء، وادانات غامضة بلا مرسل اليه محدد... فنحن لم نجرب العسف كبارا وبالغين فقط كي نستطيع تفكيكه وتحريره من الخرافة وفلسفة الخطوط والطوالع الخرقاء.. لقد ولدنا فيه ورضعنا من حليبه السام ذي البياض الكفني، لهذا يصعب علينا تحديد منسوب هذا العسف في وطننا، وغالبا ما يتولي الآخرون افتضاح ما نحن فيه وعليه، وهنا ننقسم الي فريقين ....
فريق يحترف الكذب علي نفسه والآخرين، فيسمي كل ما يقال عنا تلفيقا واستشراقا وتشويها للصورة الفاضلة....
وفريق يتنفس الصعداء لأنه عثر علي آخرين يقولون اقواله، فيردد ما يقولون معفيا من المساءلة، وضريبة الحرية لأن ما يقوله منسوب الي سواه!
وما نخشاه ان تكون الضحية الخرساء قد فقدت آخر رجاء في النطق والجهر بما تشعر به من ألم، لأنها من شدة التجويع ابتلعت لسانها!
ويبدو ان كلمة الخرس بحاجة الي اعادة تعريف، كما ان كلمة الضحية ايضا بحاجة الي تعريف عصري يليق بهذه النعاج التي تتجمّل لذابحها!