بهم موعودون، وكان مصيرنا بيدهم، ومستقبل أيامنا مرهون بإشارة منهم، يستخدمون واحدة من أخطر نظريات الإعلام تأثيراً في الوصول إلينا أو قل في اختراقنا. إنها "النظرية الديكتاتورية" التي ندرسها لطلابنا من على مدرجات كليات الإعلام، ومفادها أن كافة وسائل الإعلام يجب أن تكون في يد سلطة واحدة، سلطة منحت حق تقرير ما نقرأ ونشاهد ونسمع، سلطة تمتلك حق تقرير نوعية وطبيعة الرسالة الإعلامية، ونتحول نحن إلى مجرد متلقين سلبيين، نمضغ ونجتر ونتأثر بما يقال، وتسوقنا رسائلهم إلى مصائر لا نعرفها.
ما كدنا نتخلص من الخطاب الإعلامي العربي المزيف للوعي، وما كدنا نتخلص من الخطاب الحنجوري في إذاعاتنا العربية العتيدة، وما كدنا نصعق من هول الكذبة الكبرى من خلال صحف امتهنت كرامة القلم، وصادرت الفكرة المضادة، أقول ما كدنا نفيق من هول الصدمة عندما تبين لنا أننا شعوب مهزومة، وأن حروبنا لم تكن إلا مسرحيات فجة. وأن انتصاراتنا لم تكن إلا حفلة غناء في الهواء الطلق وقد انطلت علينا كذبة الوحدة، والانتصار على العدو الغاصب فقد سكتت مدافع معركة المصير، وتوارى أصحاب الأقلام خلف مكاتبهم الوثيرة، واختبأ البعض الآخر في كهوف وأبراج عاجية خوفاً من غضبة الجماهير وخوفاً من حجر طائش ربما يشج رأساً أو يفقأ عيناً.
ما كدنا نتخلص من إعلام التزييف حتى هاجمتنا جحافل جديدة من الإعلاميين العرب، ومنهج إعلامي جديد عرف بإعلام التهريج والرقص، فتحولت المسرحيات وهي أرقى الفنون إلى لوحات راقصة فيها الكثير من الإثارة والهرج، ثم جاءت كارثة "الفيديو كليب" لتحيل حياتنا إلى محاولات لتجرع مرارة شرب عصير البرتقالة المطعم باللحم المترجرج أمام عدسات الكاميرات، وصعقنا من هول النهيق التلفزيوني الذي غزا أذواقنا، وخرب قدرتنا على السمع، وقتل فينا حاسة الإصغاء، وأبهر عيوننا بصور الناعسات الفاتنات العاريات، وأصبح العري والرقص لازمة مؤكدة لأية أغنية تستهدف الإثارة. وعلى النقيض من هذه الصورة وبإيعاز، استسلم الميكروفون، وتنازلت الشاشة، وجيِّر القلم لخدمة تيارات فكرية طرحت منهجها الظلامي، وساقت جموع الشباب إلى معارك كان فيها الدم والقتل عنواناً لتحقيق الطموح والمأرب، وأصبح التعصب الأعمى سطراً في كتاب مفتوح على رواية القتل والتدمير والسحل، وإلغاء الآخر باسم الدين أو المذهب، ونمت بذرة فكرة شيطانية لتدخلنا من جديد في مجرى الاستبداد الشرقي والديكتاتوريات المتسربلة بفتاوى الدين. فكر تمترس خلف الدين متمسكاً بفكرة الطموح السياسي الشره، وبالكراهية لكل ما هو إنساني مرتبط بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وأدب الحوار في محاولة جادة منه لفرض نمط من التدين السطحي وخلق وعي زائف لكل ما يحاك ويحيط بالإنسان المسلم والعربي بالذات.
في كل مرحلة من مراحل التاريخ وفي كل خطوة من خطوات السير نحو المستقبل، وعندما تدلهم الخطوب، وتنزع النفوس الضعيفة إلى استخدام العقل والفكر والإعلام للسيطرة على الجماهير في ظل الأزمات والانكسارات يبزغ نجم يحمل على عاتقه مهمة الإصلاح والتحذير مرة بالحكمة ومرة بالقلم ومرة بالموقف ومرات كثيرة بالسلاح. فالإنسان هذا المخلوق الكريم صاحب العقل لا يستسلم للطرح المجافي لطبيعته البشرية. مرة يوصم المدافع عن الحق الإنساني بأنه خارج عن الملة، ومرة بالمخرب، ومرة بالمختلف، ومرة بالمصلح، ومرة بالمتمرد. ولن ينسى التاريخ مواقف كثيرة غيرت نهجاً وصنعت أمماً وبقيت خالدة خلود الفكر الإنساني.
مناسبة الحديث دوامة الألم التي أدخلنا فيها سعادة الفريق ضاحي خلفان وهو يتحدث بحرقة الأب وضمير المجتمع عن توجه إعلامي مخل بالأدب ناقم على المجتمع وأهله مستدفاً الشباب مصيباً إياهم في مقتل قيمي وأخلاقي.
يطرح ضاحي الأب هاجسه ويفتح جرحنا على ما آلت إليه حال بعض المحطات الفضائية الغنائية الفضائحية وهي تحاول أن تدغدغ الأحاسيس الحيوانية في المتلقي بعرض عبارات نابية ورسائل قصيرة خادشة للحياء والهدف واضح وضوح الشمس. لا أتحدث عن جمع المال وهو كثير يسيل له لعاب أصحاب هذه التلفزيونات، ولكنني أطرح فكرة التخريب الأخلاقي لتبرير ما هو قادم في ظل عولمة الفكر وهدم الساتر القيمي، وتحويل إنسان هذه البقعة من الكون إلى مجرد فرد في قطيع بهيمي النزعة حيواني الاستثارات وهو هدف يرتبط من بعيد بفكرة الهيمنة والسيطرة.
ربما تكون هذه واحدة من المرات القليلة التي أتخلص فيها من هاجس أن شهادتي في الفريق ضاحي مجروحة كوني أعمل في الجهاز الذي يقوم على توجيهه لخدمة الإنسان، وأمتلك من الشجاعة ما يكفي لأقول لضاحي خلفان الأب والإنسان. ما أحوجنا إلى مبادرة من مثل هذه المبادرات. ما أحوجنا إلى أن نقف متصدين لدهاقنة الإعلام، الإعلام في توجهه الجديد توجه "النيو لوك" الذي دفعونا إلى وحله بقوة لا نعرف مصدرها، وأصبحت البرتقالة وشقيقاتها من بنات سوق الخضار طعماً أساسياً لبيع الوهم، وتقديم رسائل متسربلة بقلة الحياء. رسائل تثير النعرات وتدق إسفين الفرقة، وتشعل نيران الطائفية البغيضة.
لم يكن ضاحي منفعلا أو يعبر عن وجهة نظر رجل الأمن، ولكنه كان يحترق كشمعة، وهو يرى مستقبل الأبناء يذوي ويغيب عنه الضياء، وهو يرى الأبناء يقعون ضحية في شرك فضائيات قلة الحياء وهي تقدم جرعة من ثقافة الهدم عن طريق أغنية فاضحة صوراً وتافهة كلمات ولحناً، أغنية مصحوبة بعدة أشرطة إخبارية تحتل الشاشة، وتطلق سيلا من السباب والجمل المثيرة والدعوات المخلة بالآداب العامة، وهي دعوات في الكثير منها خروج فاضح ودغدغة رخيصة لمشاعر المراهقين.
لقد تنادت الفعاليات الدينية والمجتمعية للحديث عن خطر نوادي التلفزيون الغربية وهي منتديات تسهل التقاء الذكور والإناث على الهواء، وتبادل الحديث، وتحديد مواعيد الالتقاء، وممارسة الرذيلة على الهواء مباشرة. وقد كتبنا كثيرا وتحدثنا عن هذا الوباء الفضائي المغلف بالإثارة والجنس، ولم يدر في خلد أي منا أن تتحول فضائياتنا الفضائحية المحلية إلى ذات النهج، وتمارس نفس الدور، مستغلة أجواء الحرية، والعمل في المنطقة الإعلامية الحرة، متناسية الدور الأخلاقي للعملية الإعلامية. إن التصريح بإطلاق قناة فضائية لا يمنح صاحبها كافة الحقوق لامتهان كرامة المتلقي وخدش حياء الأسرة وهي تتلقى سيلا من العبارات البذيئة والمقرفة في كثير من الأحيان. أقول إن مبادرة جمعية توعية ورعاية الأحداث، تأتي انطلاقاً من استشعارها لدورها المجتمعي والتربوي والأخلاقي في تنظيم حلقة نقاشية للتباحث، وعصف الأفكار لمواجهة عواصف الهدم الخارج على الأخلاق، لقد كانت جلسة جمعت كثيراً من أهل الفكر والرأي إلى جانب الإعلاميين وعلماء الاجتماع والتربويين وخرج الجميع وهم مثقلون بهم ما آلت إليه أمور هذه الفضائيات الفضائحية بعد أن استعرض الدكتور محمد مراد عبدالله بعضاً من الجمل والعبارات البذيئة منبهاً إلى خطر هذا التوجه الإعلامي. وكانت مبادرة الفريق ضاحي برفع قضية على هذه القنوات ومن ماله الخاص مبادرة عكست تجذر فكرة الدفاع عن سلامة وأخلاق المجتمع وهذا التجذر في الهم العام هو ديدن ومنهج الفريق ضاحي كفرد من أفراد هذا الوطن يتحسس الظواهر ويبحث عن الحلول.
الفريق ضاحي لا يعدم الوسيلة ولكنه يؤمن بالحوار طريقاً ومنهجاً ولهذا اقترح تشكيل لجنه أهلية للتواصل مع إدارات هذه القنوات وإقناعها بالعدول عن منهج التخريب الذي تنتهجه. ربما يحقق الحوار بعضاً من هدف ولكن الوقوف بحزم أمام هذا التخريب يحتاج إلى قرار. فمن يتخذ القرار ؟!.
- آخر تحديث :













التعليقات