منذ انطلاقة الحرب الكونية الثالثة، بعد الحادي عشر من سبتمبر الشهير، وما زالت الفضائيات العربية والعالمية تواكب ولا تصنع الخبر.صناعة الخبر التلفزيوني موجودة وممكنة، لكن صناعة الخبر مفتقدة.
كانت قناة «الجزيرة» أول فضائية عربية سياسية تنطلق الى فضاء العالم، وكان قد سبقها الاعلام العربي بأشواط. بعد «الجزيرة» جاءت «العربية»، بين الأولى والثانية، بنيت غرف اخبار قرنت المقروء بالمرئي والمسموع. حصل في تلك الفترة:
1ـ اغتالت حركة طالبان تمثال «بوذا» التاريخي في افغانستان، معلنة الثورة على الصنم، الذي يتبعه أفقر بني البشر في آسيا الصغرى.
2ـ نسفت «القاعدة» برجي التجارة في الولايات المتحدة الأميركية، معلنة سيطرتها على أجواء اقوى بني البشر.
3ـ غزت الولايات المتحدة افغانستان، و«حررتها» من القاعدة. لم يحصل شيء.
4ـ هاجمت الولايات المتحدة صدام حسين، دبت الفوضى في العالم والعراق.
5ـ عشرة قتلى في بغداد، تسعة قتلى في الموصل. احد عشر قتيلا في نينوى. مئة قتيل في النجف.. الخ. هذا هو المشهد اليومي للأخبار التلفزيونية، أو لعناوين نشرات الأخبار. هذا الاسبوع، كان حافلاً بعدد من الأحداث، وفي مقدمتها دائما، على الفضائيات العربية، الوضع الأمني في العراق، الانتخابات العراقية، الفلسطينية، وطبعا عملية «رفح» النوعية، التي دمرت نفقا لجيش الاحتلال، ووصفت العملية بالأمنية.
كيف تعاطت نشرات أخبار أهم الفضائيات العربية والاجنبية مع هذه الأحداث؟
«CNN» الشبكة الأميركية العالمية، وفي طليعة أخبارها، تصدرت الانتخابات العراقية نشراتها. اما الشأن الفلسطيني، فجاء ثانويا.
«BBC» الانجليزية، أولت اهتماما اكبر لقضية انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي، واعطت حيزا كبيرا من أخبارها لمسألة الرئيس التشيلي المطارد بينوشه.
«الجزيرة» في عناوينها أرقام قتلى العراق وشهداء فلسطين.
«العربية» في نشراتها، قتلى فلسطين والعراق، و الانتخابات في العراق.
قد يكون النقاش في فحوى الأخبار ومعناها التوجيهي مفيدا، لذا سنحاول فتحه، علّنا نصل حواراً بحوار. تصف «الجزيرة» الضحية العراقية بالقتيل، ومن نفذ عملية قتل فيها نفسه وأميركيين بالانتحاري، هذا في العراق. في فلسطين تطلق «الجزيرة» على الضحيتين صفة الشهيد. فهل السبب هو الفتوى الشرعية، أم أنها تتعلق بمسائل أخرى.
يصل من وقت لآخر، شريط مسجل من انتحاريين، استشهاديين، وأبناء لادنيين وغيرهم الى قناة «الجزيرة» التي لها الحق الحصري في بث رسائلهم من عدمها. لو كان هنالك القليل من المجهود الاعلامي الخاص، لوصلت الجزيرة، الى منفذ العملية قبل مقتله، ولتمكن المشاهد من التعرف اليه، ومعرفة طريقة تفكيره.
من الجائز القول، ان من يقوم بهذه العمليات، والجهة التي تقف وراءه، يعملون بسرية تامة، ويتمتعون بأعلى درجة من الاحساس الأمني، لكن كل هذه الحواجز لا تمنع صحافياً من صناعة خبر نوعي من هذه الحظيرة. في هذا التوجه «الجزيري»، تحرم القناة المذكورة المشاهد من حق الحكم في التفريق بين الشهيد والقتيل. هذه ايضا صناعة خبر.
«العربية» التي تتقدم هنا على «الجزيرة»، لا تمنح نفسها حرية النقاش مع الأميركي هل هو محتل للعراق، غازٍ، أم منقذ. تتمتع «العربية» بحصانة الحكومة العراقية المؤقتة، وحرية التصرف في العراق ـ اعلاميا ـ أين ملف المفقودين؟ أين الاضاءة على ثروات العهد البائد؟ أين البعثيون؟ حرمان المناطق العراقية؟
صناعة الخبر تكمن هنا، اذ هذه الاسئلة، نعتقد، انها تشكل مدخلا للعديد من القضايا العراقية.فلسطينياً، تبدو «العربية» أكثر انهماكا في بث تصاريح المسئولين الفلسطينيين، ولكن من تابع قضية ملف وفاة الرئيس ياسر عرفات؟ من تابع فدوى البرغوثي، وكيف جرى تحليل تراجع زوجها مروان عن الترشيح لخوض الانتخابات الرئاسية؟ هذه، نعتقد، تمهد لصناعة الخبر، كما نعتقد انها تمهد لحوار المكتوب الحر والمرئي الموجه، اللذين يقفان على ضفتي نهر، ومن الممكن ان يلتقيا.
... ويبقى السؤال كيف يمكن صناعة الخبر في ظل الفوضى العالمية القائمة؟
- آخر تحديث :













التعليقات