زهير المخ: يشكّل مثول علي حسن المجيد أمام المحاكمة فرصة حقيقية للمكاشفة في أيدي المجتمع العراقي ولِما حلّ به خلال العقود البعثية الثلاثة الفائتة، ذلك أن لا أحد يمكنه تجاهل اسم هذا الرجل الذي كان انتماؤه للحلقة الأضيق المحيطة بالرئيس العراقي المخلوع صدام حسين وتوليه مسؤولية القيام بالمهام «القذرة» سبباً مباشراً في توطيد مكانته في هرمية السلطة وتوسيع شهرته على نطاق واسع.
ولئن اعتبره البعض «ماكينة جهنمية» لا هدف له سوى تجسيد الولاء لنظام الحكم من دون أن يأبه إلى مبدأ أو قانون أو شريعة، فقد نظر إليه البعض الآخر باعتباره إفرازا طبيعياً لنظام الاستبداد الشمولي. والحقيقة إنه الاثنان معاً وأكثر، إنه بالأحرى «رادكو ميلاديتش» العراقي.
وبحكم بطشه، عرف علي حسن المجيد كيف يدفع بالتحدي إلى بعيد، متجنباً عن عمد كل ما يمتّ إلى التروي والحكمة بصلة، حتى لو كان ذلك تحت طائلة إشعال حرب أهلية داخلية. وقد وفر له النظام السابق مسرحاً مثالياً لممارسة عامرة بلغة القسوة ولعلعة الرصاص.
وبالفعل، فإن إتقانه لقوانين لعبة السلطة جعلت منه مفتوناً بالمغامرات. وحيث يعتبر «المعتدلون» عملاً ما مستحيلاً، يهجم هو بتطرف، وحيث يغوص «المتعقلون» في الحسابات، يتفرد هو بكثير من التهور. ولما كانت ذاكرة العقود الثلاثة الفائتة مليئة بالوثائق التي يمكن أن تشكل مادة دسمة لإدانته، تبقى الحاجة إلى تحديد جدول دقيق للإدانة أو التبرئة أمراً ملحاً، ولكنها على ما يبدو قد تكون مهمة في غاية الدقة والتعقيد.
في هذا الصدد، يقول خبراء القانون إن الوثائق المتوفرة لدى هيئة المحكمة تحتوي على مادة إدانة لحسن المجيد، خصوصاً أن وثائق المأساة العراقية المدعومة بالأسماء والأرقام تتقاطع عند اسم علي حسن المجيد الذي حول الإجرام إلى عمل مؤسساتي. قاعدة المعلومات التي توفرها هذه الوثائق تشير أولاً إلى أنه كان عام 1983 على موعد مع أهالي الدجيل التي زارها الرئيس المخلوع ذلك العام في سياق جولاته حيث يقال إنه تعرض خلالها لمحاولة اغتيال. كان رد المجيد على أهالي البلدة دموياً إلى حد بعيد، فقد فتك بالعديد من سكانها الأبرياء، بيد أن هذه التجربة لم تكن بالنسبة إليه سوى بروفة أولية لممارساته القمعية اللاحقة.
وما أن تمّ تعيينه في مارس (آذار) 1987 أميناً لسر مكتب تنظيم الشمال لحزب البعث حتى تسارعت الأحداث واتخذت نسقاً مختلفاً. كان علي حسن المجيد بصفته هذه ممثلاً لمجلس قيادة الثورة في السلطة التنفيذية، وأنيطت به جميع الصلاحيات التنفيذية والإدارية والعسكرية، بما في ذلك الفيلقان الأول والخامس من الجيش ودائرة الأمن العام والاستخبارات العسكرية. وبما أنه لا يعمل إلا على «الساخن» ولا يهدأ له بال إلا بفتح مواسير الدم، فقد لجأ إلى اتباع سياسة تطهير عرقي لم يستطع حتى الجنرال الصربي ميلاديتش مجاراته فيها. ففي الفترة ما بين يونيو (حزيران) 1987 وأبريل (نيسان) 1989، قاد عمليات إبادة جماعية باتت معروفة على نطاق واسع باسم عمليات «الأنفال»، استهدفت، بالدرجة الأساس، مواطني المنطقة الشمالية من الأكراد، ويتحدث العاملون في الوثائق المتاحة أن جميع القرارات المتعلقة بهذا الشأن حملت توقيعه. وفي 20 يونيو (حزيران) 1987، أصدر أوامر لقادة الجيش، كما تشير الوثائق، بأن «يقوموا بعمليات قصف عشوائية لقتل أكبر عدد ممكن من الأشخاص الموجودين في المناطق المحظورة»، وتحديداً مناطق دهوك وأربيل والسليمانية. وكانت سياسة الإعدام الفوري سياسة رسمية ونظامية صادرة بقرارات وتم تنفيذها مراراً وتكراراً بحق الأكراد. وقد أسفرت هذه العمليات عن قتل أو «اختفاء» نحو 182 ألف مواطن كردي، وهي أعمال تم الآن توثيقها على نحو أو آخر. كما لم يتوان علي حسن المجيد عن استخدام الأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً ضد المدنيين في العشرات من المواقع، بما فيها مدينة حلبجة الكردية التي راح ضحيتها نحو 5 آلاف شخص، إضافة إلى التدمير المنظم لممتلكات الأسر والتجمعات القروية التي بلغت نحو 4500 تجمع في المناطق الكردية. هذه المجازر العمياء التي ارتكبها علي حسن المجيد ضد مجموعات بعينها من المواطنين الأكراد استحق عليها لقب «علي الكيماوي» بامتياز. وتظهر الوثائق سواء تلك التي في حوزة المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان أو تلك التي في حوزة الأجهزة القضائية العراقية، أن أعمال القتل الجماعي وحالات «الاختفاء» والتهجير القسري التي نفذت بحق المواطنين الأكراد الآمنين، كانت تخضع بصورة مباشرة لأوامر صادرة من علي حسن المجيد شخصياً.
هكذا ازداد نفوذه اتساعاً في هرمية الحكم، فتولى منصب الحاكم العسكري للكويت بعد احتلال بلاده للدولة الجارة في الثاني من أغسطس (آب) 1990، وحصر اهتمامه الأساسي في ممارسة أعمال قمع وحشية وفي نهب المؤسسات وتدميرها على نحو منهجي، وهو ما تباهى به حين أشار بصورة لا تخلو من التهكم بأنه «أخطأ أقل ما يمكن». ويتبين اليوم من الوثائق المتاحة أن علي حسن المجيد كان مسؤولاً عن توقيع العديد من الأحكام التي أصدرتها محاكم عسكرية عراقية خلال فترة الاحتلال تقضي بمصادرة أموال العائلة الكويتية الحاكمة وأملاكها، وشملت أسماء كثير من أفراد عائلة الصباح.
وفي عام 1991، تسلم علي حسن المجيد حقيبة وزارة الداخلية، فيما كانت المناطق الشيعية في الوسط والجنوب في حالة غليان وتمرد. وباتت عليه مهمة «إعادة الهدوء وحفظ النظام» في هذه المناطق. وكان الخط الحقيقي الذي تمسك به المجيد هو اعتباره مواطني هذه المناطق موضوعاً للقمع حيناً وأهدافاً متحركة لممارسة «رياضة القنص» حيناً آخر.
وبالفعل، فعندما اندلعت الانتفاضة في مارس (آذار) 1991، نظر حسن المجيد إليها وكأنها حرب حقيقية. وفي هذا السبيل، لجأ، وهو وزير الداخلية، إلى قصف عشوائي للمناطق الثائرة بعنف وكثافة بالغين، فانصب طوفان من الحديد والنار على رؤوس سكان هذه المناطق، وكانت النجف وكربلاء وبابل والقادسية والسماوة مسرحاً للمبارزة الأشد فتكاً بالمدفعية والصواريخ، ولانتهاكات القوات الخاصة بالسكان الآمنين. وقد بلغت الاعتداءات حداً من الشراسة لم تبلغه حتى في ظل قصف القوات الحليفة في حرب الخليج الثانية، حيث أمست هذه المناطق «حقولاً للقتل» العشوائي.
كان المشهد الذي أعقب انتفاضة مارس1991 في جنوب العراق شبيهاً بأجواء الحرب الأهلية. فشوارع المدن وأزقتها خاوية، ومليشيات نظامية شديدة الفتك منتشرة في كل مكان، والرعب باد على الوجوه وكأن كل شيء يمكن أن يحصل.
في ظل هذه الأجواء المشحونة بالعنف، توقف علي حسن المجيد هنيهة وقد ارتسمت على محياه ابتسامة رضا النصر إزاء مواطنين «أسرى» علت وجوههم سحنة من الذعر والذهول. طبعاً، ليست هذه الصورة مجرد صنع خيال، كما قد يحلو للبعض أن يعتقد، بل كانت موضع تسجيل على شريط فيديو بثّته لاحقاً معظم شاشات التلفزة على صعيد المعمورة وشاهده ملايين البشر.
ربما توفر الوثائق التي بين يدي القضاء العراقي قاعدة المعلومات التي تتيح الكشف عن المؤسسة الإجرامية التي جسدها علي حسن المجيد في ممارساته، وهي بحد ذاتها تساعد على تحديد المسؤولين عن المأساة العراقية بقدر من الحكمة تؤدي إلى تفادي استئناف حرب أهلية يشعر المراقب بأنها ما زالت مشتعلة.