نواكشوط: وسط صحراء موريتانيا وفضائها الواسع ذي التضاريس الخاصة والمناخ الحار، تعانق الجبال القليلة الارتفاع الواحات ذات العيون العذبة، والخضرة الدائمة في أجمل صور الطبيعة، وكأن الجبال بارتفاعها تمنع عن المنطقة قسوة الصحراء المحيطة بها فيما تلطف الواحات الطقس بنسمات الهواء العليل.
ووسط هذه البقعة الجبلية من الجنوب الشرقي لموريتانيا تقع مدينة العيون، وهي من أفضل مناطق البلاد سياحة خاصة في فصل الخريف، حيث تهب الرياح الموسمية فتنخفض درجات الحرارة وتكسو الخضرة الجبال بفضل زخات المطر ورذاذها المنعش مما يزيد الطبيعة بهاء وروعة.
وكل من زار هذه المدينة غادرها وهو يعجب بها لأنها ببساطة جمعت بين جمال الطبيعة وسحر العمران، حيث ترسخت فيها ابرز خصائص الفن المعماري للأمم التي حكمت البلاد، فالبيوت والمساجد مبنية من حجارة جافة متراصة على شكل هرم لا تزال صامدة لم ينل منها الزمن شيئا، والى جانب البيوت القديمة ترتفع الأبنية الحديثة والتي تمزج عمارتها الأساليب الحديثة والتراثية. واذا زرت أزقتها القديمة يستقبلك سكانها بحسن ضيافتهم وكرمهم الفياض أغلبهم من الأشراف ذوي الأصول القبلية المعروفة بنسبها لعرب «بني حسان» الذين استوطنوا المنطقة مع قبائل معقل.
وقد عرفت العيون بعلمائها الذين جابوا أصقاع الأرض فكانت القلب النابض للبلاد ومركز الإشعاع الثقافي والمبادلات التجارية.
موسم الخريف بمدينة العيون وان كان غير ذائع الصيت كخريف «صلالة» العمانية فهو يستقطب الزوار من مختلف مناطق البلاد وخارجها. وبين خضرة السهول وزرقة السماء والغدران والشمس الساطعة على الرمل الناصعة البياض يتشكل منظر بديع تزينه أسراب الطيور المتنوعة وقطعان الغزلان التي تأوي إلى المنطقة بحثا عن الغذاء.
ويعتمد السكان في معيشتهم على الزراعة وتربية الماشية وبعض الصناعات الحرفية، مما أبدعته يد الصانع من رسوم تزين مختلف الأثاث المنزلي والملابس ومن تشكيلات فنية على الرواحل والهوادج والأواني، فضلا عما تضعه المرأة على رأسها وصدغيها من حلي وجواهر وما تزين به رجليها ويديها من زخارف بالحناء وما تضعه بهما من خلاخل وأساور. من دون ان نغفل الخيمة بأشكالها المتنوعة وما تحتويه من أوان وأدوات.
وتشتهر أيضاً مدينة العيون بمكتبتها التي تضم مخطوطات نادرة، كما تنتشر بضواحي المدينة المحاضرات والتي تميز الطابع التعليمي الموريتاني، وهي عبارة عن حلقات علمية يديرها شيخ فقيه ويستفيد منها طلبة من جميع الأعمار والمستويات.
ولعل أهم ما يميز الحياة في منطقة الشرق الموريتاني تلك الثقافة البدوية والسلوكيات الفطرية لسكانها والتي ظلت سمة بارزة تشكلت منها لوحة متناسقة اندثرت رغم انها ما تزال محط اعجاب واستغراب في آن واحد. حيث كانت الخيام المنصوبة قرب الوديان تجمع الناس في حفلات وأمسيات مسامرة ومؤانسة تحت ضوء القمر، وسط تمايل الراقصين ودوي الطبول وأصوات المغنين وتنافس الشعراء في إنشاد الأبيات المغناة. كما يعشق أبناء هذه المنطقة والذين يحبذون تسمية أنفسهم بـ«أهل الشرق» رحلات الصيد وسباق الإبل والرماية بالسهام والرصاص غيرها من الألعاب الصحراوية ومن العادات والتقاليد التي قضت الحياة المدنية عليها واقتصر الأخذ بها على الترفيه عن النفس أيام العطل وفي المناسبات.
صحراء موريتانيا ليست كلها مساحة شاسعة يصعب السير فيها من دون معرفة مسالكها ومنافذها، يعمها السراب، ولكنها أيضا واحات نخيل غناء ذات ظلال وارفة ومياه جارية ومدن أثرية، وقبل هذا وذاك هي ساكنة وقيم وعادات وتقاليد وتراث فني وحضاري.