قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يفصل ميلاد الصحافة العربية عن سابقتها الأوروبية الا بضعة عقود، ولعلها الصناعة الثقافية الأبكر ميلاداً في البلاد العربية، قياساً بأخرى مثل المسرح أو السينما أو (الأركسترا) الحديثة، إذا صح عدها في باب الصناعة الثقافية. فهي إذ خرجت إلى الوجود، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في مصر وبلاد الشام ابتداء ثم في تونس والجزائر والمغرب تالياً، تجد وراءها اليوم تاريخاً من التراكم ليس يقل عن قرن وبضعة عقود في الأقطار التي ألمحنا إليها، وهو تاريخ طويل نسبياً ويفترض أن يقود تراكمه إلى تحولات نوعية في خطاب تلك الصحافة العربية المكتوبة، وفي نمط مقاربتها للأهداف والموضوعات التي تتناولها.
من نافل القول إن ميلاد صحافة عربية في القرن الـ 19 أتى يشكّل ثمرة لفعل ثلاثة عوامل متضافرة: التأثير الأوروبي الناجم عن الاحتلال، كما في حالة مصر والجزائر وتونس، أو عن تمثل النموذج الفرنسي قبل الاحتلال، كما في حالة لبنان والمغرب، وميلاد المطبعة التي وفـــرت امكانية هائلة لنشر المكتوب، ثم نشوء طبقة وسطى جديدة - نتيجة الرسملة - وتوسّع نطاق الدولة الاجتماعي، وفي امتدادها نشوء نخبة مثقفة اضطلعت بأدوار بالغة الأهمية في ميدان نشر الفكر وتنمية الوعي الجماعي.
وإذا كان فيه الوسع القول إن البلدان العربية المذكورة توافرت فيها العوامل تلك - على تفاوت بينها في درجة تأثيرها فيها - إلا ان غيرها أيضاً توافرت له العوامل نفسها دون أن تنشأ فيه صحافة بالمعنى الحقيقي للعبارة، وهو ما يفترض البحث في أسباب أخرى قد تتعلق بالحياة السياسية في هذه البلدان، أو باتجاهات النخب الثقافية فيها... الخ.
في كل حال، ليس يذكر تاريخ الصحافة العربية الا ويذكر في مصرين من أمصارها: في بلاد الشام - جبل لبنان تحديدا ثم لبنان الكبير - ومصر الخديوية ثم الجمهورية. ما تبقى من تفاصيل.. على أهميتها.
اليوم، يحز في نفس المرء ان يعاين المقدار الهائل من التدهور والانحطاط الذي تعاني منه صحافة البلاد العربية التي احتضنت ميلاد صحف البدايات.. باستثناء لبنان الذي ما زال - حتى اشعار آخر - بلد الصحافة والاعلام وموظفا طاقاته المتدفقة من دون انقطاع، والذي حافظ على معدل مقبول من الاحترام في صحافته على الرغم من سني الحرب الاهلية، ترزح صحافة مصر وتونس والمغرب والجزائر وسوريا والعراق تحت نير التراجع، حتى لا نقول الابتذال، وتبتعد بمسافات ضوئية عن وهج ماضيها التأسيسي اليافع الجامح!
والمفارقة الكبرى الادعى الى التأمل والتحليل والتفسير ان البلدان العربية التي تأخر فيها - لاسباب سياسية وثقافية - ميلاد صحافة هي اليوم التي تشهد ازدهارا افضل للصحافة مقارنة بتلك التي اتينا عليها بالذكر، فالمقارنة اليوم مستحيلة بين صحافة يتعاظم نجاحها وتأثيرها في السعودية والامارات والبحرين وقطر والاردن، وبين اخرى يزداد معدل انحطاطها في تونس ومصر والجزائر وسوريا والعراق والمغرب. وتكاد المفارقة تبلغ ذروتها حين نلحظ ان التفاوت بينهما ليس على صعيد القدرة على الصناعة والانتاج والنشر، بل -ايضا - على صعيد الطاقات البشرية المؤهلة لدى البلدان (حديثة العهد) بالصحافة والمتواضعة - حتى لا نقول شيئا آخر - لدى البلدان الطاعنة في السن صحفيا!
ربما اغرت هذه المفارقة بعضا من القارئين فيها برد اسباب انحطاط صحافة البدايات (صحافة القرن الــ 19) الى ضعف الامكانات المادية - مقارنة بامكانيات صحافة بلدان الخليج العربي - او الى ضمور هامش حرية التعبير والرأي المتاح امامها مقارنة بما كان عليه امره قبل عقود، ولنا على مثل هذا التعليل ملاحظتان اعتراضيتان:
أولاهما: ان بلدا فقيرا، مثل الاردن لم تمنعه امكانياته المتواضعة من ان يصدر صحفا ذات اعتبار مثل (الدستور) و(الرأي العام) و(الاسواق) وان بلدين عربيين غنيين بالنفط والغاز - لا يقلان غنى عن بلدان الخليج - مثل ليبيا والجزائر لا توجد فيهما صحافة تنتمي الى هذا العصر! وثانيهما ان هامش الحرية المتاح اليوم في المغرب ومصر والجزائر اوسع من أي هامش آخر متاح في سائر البلاد العربية الاخرى (باستثناء لبنان)، ومع ذلك لا صحافة ولا هم يحزنون!
قطعا هي مفارقة تحتاج الى فرضيات مختلفة للتفسير.