لم تعد سهلة استعادة من هم خارج التركيبة الموقتة في العراق الى العملية السياسية التي أريد لها ان تبدأ بالمؤتمر الوطني وصولاً الى الانتخابات. والدماء التي لا تزال تسيل في العراق ستزيد عمق الانفصال الشعبي عن التركيبة الحالية، بدل ان تكون، كما أريد لها، تدعيماً لها.
جاء القرار المشترك للحكومة الموقتة وقوات الاحتلال في الهجوم على النجف، بما تمثله من مكانة روحية وادبية، كمسعى الى اضعاف مقتدى الصدر المتحصن فيها. ليس لأنه فقط قوة شيعية اساسية خارج التركيبة ينبغي كسر شوكتها لضمان إنجاح المؤتمر الوطني، الحلقة الاساسية في بناء السلطة الجديدة. وانما ايضاً لأنه ظل يتردد، حتى فترة قريبة، بين تمرد مضبوط وايجابية محسوبة. وفي مثل هذه الحال، لا تصح أي توقعات لسلوكه، ولا يمكن الاطمئنان اليه، كما لا يمكن إشهار العداء السافر له. فهو مثل حال خاصة، منذ بدء العمل لتركيب السلطة الجديدة، لا هي وطنية عامة ولا هي شيعية خالصة. هذا الغموض هو الذي دفع الى السقوط في اغراء تأديبه مرة والى الأبد!
وكما في المنعطفات السابقة، مثل اجتثاث حزب البعث وحل الجيش، انقلبت النتائج المتوخاة من الهجوم على النجف، وانصار مقتدى الصدر في اماكن اخرى، الى ضدها. اذ على رغم التشوش والارتباك اللذين يبديهما الرجل والناطقون باسمه، تحولت حالته الى قضية عراقية عامة أولاً، والى قضية اسلامية ثانياً. اذ ان قرار الهجوم فُهم على انه رضوخ لرغبة الاحتلال، بما يجرد الحكومة الموقتة من صفتها الاساسية الضرورية، وهي انها حكومة وطنية تسعى الى ان تقلل، حتى الحدود الدنيا تدخل الاحتلال في الشؤون الداخلية، والى ان تستقطب أوسع جمهور ممكن عبر توفير المقومات الحياتية من جهة، وعبر اخاذ قرارات سياسية جريئة في اتجاه مواطنيها.
وبموافقتها على استهداف مقدسات شيعية في العراق، ارتكبت الخطأ الكبير بأن بدت كأداة في حملة اميركية على المسلمين ومشاعرهم، في العراق والبلدان العربية والعالم. فجاء الهجوم الواسع على انصار مقتدى الصدر لينهي المفاعيل الايجابية للجولة العربية التي قام بها رئيس الحكومة اياد علاوي، والتي بدا أنها تؤسس لتعامل مغاير، من الدول العربية، مع الوضع العراقي الجديد.
ان الحملة على مقتدى الصدر على النحو الذي نشاهده، وبالمبررات التي اعطيت لها، تدفع الوضع العراقي الى وجهة مغايرة عن تلك التي جرى التخطيط لها. وبغض النظر عن نتيجة المعركة العسكرية الحالية وعن التسوية الممكنة وصولاً الى وقف لاطلاق النار، وبغض النظر عن مصير المنضوين في تيار مقتدى الصدر، أكدت المواجهة ان البنى الناتجة عن الاحتلال تبقى من دون أي رصيد ما دامت تدين باستمرارها لوجود هذا الاحتلال. بمعنى آخر، طرحت المواجهة مع تيار مقتدى الصدر مسألة الشرعية الوطنية بكل ابعادها. فهذه الشرعية تكتسب في مقدار ما تتخذ مصالح العراقيين في الاعتبار، وتزول عندما تصطدم بهم ويكون الاحتلال وحده مصدر قوتها.
وفي مثل هذه الحال، لن يجتمع المؤتمر الوطني في افضل الظروف الممكنة، كما هو مفترض. ولن تكون الجمعية التأسيسية (البرلمان) التي يفترض بها أن تضع الدستور الدائم، قادرة على اتمام انتقال السيادة كاملة الى العراقيين وتوفير مناخ طبيعي لانتخابات حرة وشفافة ونتائجها تعكس التنوع العراقي، ما لم تؤخذ في الاعتبار الدوافع والمقدمات والنتائج التي انتهت اليها الحملة على تيار الصدر. ولن تكون الاوضاع بعد معركة النجف كما كانت قبلها.
- آخر تحديث :













التعليقات