إذا كان هيغل قد تحدث عن مكر التاريخ، فإن علينا نحن، العرب الحديث عن مكر الواقع، عنيت واقع أمتنا الذي كلما واجهناه بفكرة جديدة أو خطة مبتكرة تستهدف تغييره أو تبديله كلياً أو جزئياً واجهنا بقدرته على الالتفاف عليها واحتوائها ووضعها في خدمته، كلياً وبصورة تامة.
حدث هذا مع الفكرة الليبرالية، التي أرادت تغيير الواقع عبر إدخال الفكرة الفردية إليه، وقالت بضرورة إعادة بنائه على أساسها وانطلاقاً منها. وحدث مع الفكرة القومية، التي أرادت تغيير الواقع عبر نقض طابعه الجزئي ودمجه في نسيج يتخطاه ويبطله ويحل محله واقعاً بديلاً لا يشبهه في شيء. وحدث مع الفكرة الاشتراكية، التي أرادت إدخال تكوين جديد الى واقع الشرق الراكد، يمكن بالانطلاق منه إعادة بنائه كواقع مغاير له مرتكزات وأسس تختلف عن تلك التي يستند إليها. وكان قد حدث في فترة سابقة الشيء نفسه مع الفكرة الإسلامية، التي أرادت تجديد الواقع على أسس تقويض طابعه القائم وتبدله من خلال تبديل مكوّناته الرئيسة بضل ما فيها من قدرات معنوية وروحية.
نجح واقع العرب في احتواء هذه الأفكار وإفراغها من مضمونها الأصلي، ووضعها في خدمته وحولها الى جزء من عملية إعادة إنتاجه، نجح بواسطتها في تحديث بعض جوانبه وفي تحوير الأنساق الفكرية الجديدة وجعلها تتفق مع أبنيته وهياكله ومصالحه، حتى ليخال من يراقب تاريخنا الأحدث أننا كنا نعيش طيلة القرنين المنصرمين صراعاً بين الفكر والواقع انتهى الى عجز أفكارنا منظومة بعد الأخرى، وها نحن نجد أنفسنا منذ بعض الوقت مجبرين على الرضوخ للواقع وعلى التسليم به واقعاً لا سبيل الى تقويضه بأي أفكار أو ممارسات، عدا الفكرة الديموقراطية، التي صرنا نرى فيها أداتنا الى الخروج من واقع تكاد عتمته تخنقنا وروائح عفنه التاريخي تقتلنا فهل نحن محقون في تعليق مصيرنا على نجاح أو فشل الفكرة الديموقراطية؟ وهل تنجح هذه الفكرة في تحقيق ما نعلقه عليها من آمال ونربطه بها من خوارق ومعجزات، بعد تجربتنا التاريخية مع واقع ماكر أحبط جميع محاولات تغييره؟
ثمة تجارب عربية تؤكد نجاح الواقع في احتواء بعض جوانب الممارسة الديموقراطية ـ كالانتخابات ـ وفي الإفادة منها لتعزيز تكوينات ما قبل مجتمعية/ ما قبل دولتية، كالطائفة والعشيرة والقبيلة والهيئات المغلقة التي ترفض الاعتراف بالفرد والإقرار بأولويته. هناك بلدان عربية أجرت انتخابات حرة وديموقراطية كان يفترض أن تكون خطوة نحو تأسيس عمومية مجتمعية حديثة تتخطى أي تكوينات مغلقة، فاكتشفنا بعد حين أنها عززت اندماج هذه التكوينات وجددته، وأن الانتخابات تحوّلت عن طابعها الأصلي وغدت جزءاً من الحاضنة التي أريد بها تغييرها. فهل يستبعد أن تكرر "الممارسة الديموقراطية" الشيء ذاته في المجتمعات والدول العربية الأخرى، التي لم يكن الواقع فيها أقل مكراً مع أفكار الليبرالية والقومية والاشتراكية، ونجح في احتوائها وتحويلها الى جزء من إعادة إنتاجه وتجديده بما هو واقع مغلق ودمجي يقوم على التجزئة القومية والاستغلال الاجتماعي؟
أرجو أن تلفت هذه الأسطر الأنظار الى هذا الجانب من تجربتنا التاريخية الحديثة، وأن تضع يدنا على مفارقة محيّرة لم ينفع معها فكر جديد وأحزاب جديدة، قاوم الواقع خلالها جميع محاولات اختراقه وتغييره، وها هو يتحدى قدرتنا على فعل أي شيء جدي ضده، مع أننا نعلم أنه مليء بالأزمات والبؤس، ونعرف أنه هش حيال الأخطار الخارجية وعاجز عن إدارة مشكلاته الداخلية المتزايدة!
هل ينجح مكر عقولنا في مواجهة مكر واقعنا؟ تقول تجربتنا إنه لم ينجح بعد، فهل فشلت عقولنا لأنها لم تحسن المكر، أي معرفة الواقع ومعرفة طرق تغييره، أم فشلت لأن مكر الواقع بقي خارج أي مسعى فكري أو معرفي استهدفه، فبقيت محاولات أهل الفكر برانية وجانبها التوفيق؟ ألا يطرح مكر الواقع سؤالاً خطيراً حول مستقبلنا إذا ما فشل البديل الأخير، عنيت الفكرة الديموقراطية، التي تبدو فرصها محدودة جداً في كثير من البلدان والأحوال؟
- آخر تحديث :














التعليقات