بدخول انتخابات الرئاسة الأميركية مراحلها الحاسمة، تشير نتائج استطلاعات الرأي المتتابعة الى أن الغالبية خارج الولايات المتحدة ستختار، إذا اتيحت لها الفرصة، جون كيري، مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الذي ينافس الرئيس الجمهوري الحالي جورج بوش.
فقد أشارت نتائج استطلاع أجرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية في 35 دولة الى أن كيري يتقدم على بوش بفارق اثنين الى واحد. وتشير نتائج استطلاع الى أن نسبة 40 في المائة من الأميركيين تشعر بالغضب والاستياء تجاه بوش الى درجة أن هؤلاء صرحوا بأنهم على استعداد للتصويت للشيطان بدلا عن التصويت له. وبما أن الـ40 في المائة الآخرين أكدوا أنهم سيصوتون لمصلحة بوش، فإن القرار النهائي والنتيجة الحاسمة ستظل متروكة لنسبة الـ20 في المائة المتبقية، أي الذين لم يحددوا وجهة أصواتهم بعد.
وبما أن الديمقراطية، كما مورست في أثينا القديمة، كانت تهدف الى اختيار أفضل القادة على أساس المقارنة بين شخصيات وبرامج المرشحين المتنافسين، إلا أنه وفي الديمقراطيات الحديثة، بما في ذلك الديمقراطية الاميركية، فإن الاختيار غالبا ما يكون بين أشخاص متنافسين طبقا لتخطيط وصياغة وترويج خبراء التخطيط والاستراتيجية في الأحزاب المتنافسة، ووفقا لما يروج له خبراء الإعلام واستطلاعات الرأي والجهات والمجموعات التي تركز على القضايا المتعلقة بالانتخابات والتنافس مثل الحملة الانتخابية. وبالتالي فإن المشرح يعد في الغالب لجذب الاهتمام والتأييد في ساحة التنافس الانتخابي على اساس المزاج العام السائد في الوقت المحدد.
نتيجة لذلك يتحدث المرشحون المتنافسون ويتصرفون إزاء غالبية القضايا على نحو مشابه، وهذا بدوره لا يترك للناخبين فرصة الاختيار طبقا لمعايير أخرى غير تلك القائمة على أساس ما يكرهه الناخب وما يحبه.
من هنا، وإذا ألقينا نظرة على السيناتور كيري، على سبيل المثال، فإن كل التفاصيل المتعلقة بسيرته الذاتية تشير الى انه سياسي ليبرالي التوجه على النمط الاجتماعي ـ الديمقراطي، ونشأ على أفكار حقبة الستينات من القرن الماضي، فيما نما لديه، وهو الذي قضى أربعة اشهر في فيتنام خلال فترة الحرب هناك، رعب عميق تجاه الحرب بصورة عامة، وقضى جزءا من شبابه مشاركا في الحملات المناهضة للتدخل الأميركي السابق في فيتنام، وفضح «جرائم الحرب» التي يزعم أن الجنود الأميركيين، بمن في ذلك شخصه، قد ارتكبوها في فيتنام.
مناهضة كيري للحرب لا تعتبر موقفا ثابتا. فقد ظل يصوت على مدى عشرين عاما داخل مجلس الشيوخ ضد أي ميزانية عسكرية يتقدم بها البنتاغون. وقف كيري ايضا ضد دعم الولايات المتحدة للمقاتلين المناهضين للشيوعية في أميركا الوسطى وأفغانستان خلال حقبة الثمانينات. وفي عام 1991 صوت كيري ضد مشاركة الولايات المتحدة في تحرير الكويت من الاحتلال العراقي. وفي عام 2001 وقف كيري ضد التدخل العسكري الأميركي في أفغانستان.
اما في عام 2002، فقد صوت كيري لغزو العراق لأن مستشاريه ابلغوه بأنه لن تكون لديه فرصة ترشيح لانتخابات الرئاسة إذا أبدى موقفا مناهضا للحرب ضد العراق، ومع ذلك فإن مشاعر كيري المعادية للحرب كانت لها أصداؤها في خطابه ذي الأربعة آلاف كلمة الذي ألقاه لشرح موقفه من التصويت. فمع كل الشروط التي وضعها ضمن الرسالة أصبح الشروع في الحرب مستحيلا. بعد فترة قصيرة أكد كيري قناعاته المعادية للحرب عن طريق التصويت ضد الميزانية المطلوبة للمضي في الحرب ضد العراق.
لكن أولئك الذين كانوا وراء تنظيم المؤتمر القومي للحزب الديمقراطي في بوسطن قرروا تسويق كيري باعتباره زعيما متحمسا للحرب، وأنه «نقل ما جرى له أثناء تأديته للخدمة العسكرية». لم يكن ذلك مسيئا لكيري وحده بل للناخبين الأميركيين، والنتيجة كانت حالة من الاضطراب الذهني.
ظل كيري مجبرا على التكلم بلسانين حول الحرب. ففي الولايات التي تسودها مشاعر مؤيدة للحرب كان يقرع طبول الحرب، واعدا بإرسال جنود اميركيين آخرين إلى العراق. وفي الولايات التي يبدو أن معسكر الحرب فيها يشكل الأغلبية وعد كيري بسحب الأميركيين من العراق خلال ستة أشهر. أصبح واضحا الآن أنه حينما يتكلم لصالح الحرب فإنه يشعر بعدم الراحة وحينما يتكلم ضد الحرب فإنه يتكلم من قلبه.
ولو أن كيري شارك في الانتخابات على أساس موقف معارض للحرب، مجادلا بأنها فعل شرير يجب عدم اللجوء إليه إلا كآخر خيار، لكان بوسعه طرح نفسه بشكل حقيقي للناخبين. قد يوافق المرء أو يختلف مع موقف كهذا. لكن الميزة هي أن يكون المرء واضحا ومبدئيا.
كذلك لم يؤخذ رأي كيري في الكثير من المسائل التي تخص الحملة الانتخابية. فكل فترة عمل كيري أظهرت أنه يؤمن بتوزيع الثروات بالنسبة للولاية الديمقراطية. وهذا يعني أن الولاية لها الحق أن تأخذ من الغني بل هو واجب من أجل تحسين حياة أولئك الأقل حظا. ولعشرين عاما في مجلس الشيوخ ظل كيري يصوت ضد تخفيض الضرائب ومع كل زيادة في معدل الضرائب.
مع ذلك فإن مسيري حملة كيري الانتخابية قاموا بتحويله إلى شخص شبيه بجورج بوش عن طريق القبول بتخفيض الضرائب الذي جرى بين 2001 ـ 2002 لكنه وعد بجعل هذا القرار مؤقتا.
هذا لا يشكل موقفا على الإطلاق. فكل تخفيض في الضرائب أو أي زيادة فيها، هي حالة مؤقتة من حيث التعريف، لأنها قابلة للمراجعة من قبل أي كونغرس أو رئيس مستقبلا. وقد كان بوسع كيري أن يخبر الشعب الأميركي أن عليه عدم التسامح مع وجود ثلث من المواطنين الأميركيين يعيشون في حالة فقر نسبي، وأن ما يقرب من ربع السكان بلا تأمين صحي. كان بوسعه أن يفرض مجموعة من الزيادات في الضرائب على الأغنياء والشركات لتمويل دولة معنية بالضمان الاجتماعي، مثلما هو الحال في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا بعد الحرب العالمية الثانية.
ليس هناك أي شيء شائن في ذلك. فكل الديمقراطية الاجتماعية الغربية مبنية على هذه الفلسفة.
صيغت لكيري الحقيقي مواقف مخالفة في القضايا الاجتماعية والثقافية وتلك المتعلقة بأسلوب الحياة. وتوضح سيرة كيري أنه ينحاز إلى اختيارات النساء في ما يتعلق بالإجهاض. ولكن مستشاريه أقنعوه بالادعاء أنه ضد الإجهاض ومعه في نفس الوقت.
كيري الحقيقي لا اعتراض له على «زيجات« المثليين من الرجال والنساء، باعتبار أن هذه قضايا شخصية يحسمها الأفراد أنفسهم. ولكن مستشاريه أقنعوه بالوقوف ضد هذه «الزيجات» وخاصة في تلك الولايات التي يتمتع فيها اليمين المسيحي بنفوذ قوي.
إن النظرة العابرة تكشف للمراقب أن كيري ليس رجلا متدينا، دعك من أن يكون كاثوليكيا ملتزما. وعلى كل حال فإنه لن يرضي البابا طالما أنه طلق زوجته الأولى وتزوج مرة أخرى. ومع ذلك فإن مستشاريه أقنعوه بتصويره وهو يؤدي الصلاة في الكنيسة، بل كونوا مجموعة من الداعين له سموها «الكاثوليك المؤيدين لكيري».
وعندما نأتي إلى التجارة الخارجية واقتصاد العولمة، فإن كيري ليس من دعاة الاقتصاد المفتوح الذي لا تحكمه أية قوانين سوى قوانين السوق. وهو مهتم بقضية تجنيب الموارد بنفس درجة اهتمام زميله الديمقراطي ديك غيبهارت. ولأنه يؤمن باقتصاد «السوق الاجتماعي» على الطريقة الأوروبية، فإنه يمكن أن يتبع سياسات أقرب إلى تلك التي يتبعها المستشار الألماني غيرهارد شرودر، منها إلى سياسات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. ومع ذلك فإن مستشاريه قد أقنعوه بأن يكون من أنصار التجارة الحرة، اليوم، ومن أنصار ضوابط السوق في اليوم الذي يليه.
من الواضح أن كيري يحتل موقعا يساريا في الحزب الديمقراطي، بل إنه اليساري الحقيقي الوحيد الذي يفوز بترشيح الحزب منذ السناتور جورج ماكغفرن قبل ثلاثين عاما. ومع ذلك فإن مستشاريه يحاولون أن يصوروه ديمقراطيا يمينيا من طراز بيل كلينتون.
إن منهج كيري السياسي ظل يفوز بنسبة 60% من الناخبين في أوروبا منذ الأربعينات. وإذا لم يقدم هذا المنهج بصورة أمينة إلى الناخب الأميركي، فإننا لن نعرف مدى قبوله أو رفضه هناك.
في المجتمعات الواقعة تحت قبضة الطغيان، تصبح التقية، التي يسببها الخوف في العادة، جزءاً من آلية الدفاع الذاتي بالنسبة للشخص، فيما يكون الغرض في المجتمعات الشيعية حماية الفرد من الذبح من قبل الأغلبية. ولكن ماذا عن المجتمعات الديمقراطية؟
هل يدفع الخوف من الهزيمة في الانتخابات مرشحا ما إلى محاولة بيع المواقف؟
ومع ذلك فإن كيري يمكن أن يفوز في الانتخابات. ولكنه إذا فاز فإن عليه أن يعرف أن فوزه ناتج عن التقية والإخفاء. ومثل هذا الفوز يمكن أن يضع رئاسته على الطريق الخطأ ومنذ اليوم الأول.