دارين ابراهيم وهديل عادل وخالد شيا: أصبح التصدي لبعض القنوات الفضائية التي تبث سمومها على مدار اليوم واجبا على الجميع بعد أن سهلت استباحة الحرمات وتجاوزت الاخلاق والتقاليد الراسخة وطاب لها ان تنخر في جسد الأمة في محاولة لجر شبابها كما تفعل المخدرات تماما، الى الهاوية.. لا يمكن ان تستمر هذه القنوات التي هيأت مساحات للتراسل في المضي في غيها محولة الشاشات الى صفحات للغزل، عفيفه وبذيئه، والاقتتال بكل صوره وما كان عيبا الى أمر معتاد يمر وكأنه لا احد يدري أو يسمع.
الأخطر في الأمر ان التلاسن لم يقف عند حدود ما يمس اشخاصا وثوابت، بل رأينا حمقى ممن ينجرون بيسر الى الهاوية يخوضون حربا على الهواء باسم قادة ودول، ولم يكفهم ان تلوث سمعة فتيات أو تطلق زوجات وتهدم بيوت فانطلقوا بجهل يحاولون اشعال الفتنة وبث روح الفرقة بين شعوب أمة هي احوج الأمم الى التوحد. ان نتغنى بعصر السماوات المفتوحة والفضاءات المكشوفة فلا مانع، وان تسمح القوانين بوجود مليون قناة وان تتيح لأصحابها التكسب من اعلام الغزائر بعض الوقت فلا ضير، ولكن ان تقف القوانين نفسها عاجزة عن التصدي لهذا الشطط الاخلاقي الذي يمثل كارثة فذاك ما لا يمكن تصوره. والمؤكد ان الحزم القانوني لا يكفي وحده للتعامل مع المسألة، اذ ان الأمر أصبح يستوجب وقفه داخل البيوت من الاسر، وخارجها من المؤسسات التربوية وما بقي محترما من جهات اعلامية تدرك المصير الذي سنؤول اليه ان ظلت قيمنا مستباحة واجيالنا نهبا لفئة ضالة مضللة طاب لها الأكل من جسد الأمة.
ولذلك تفتح “الخليج” هذا الملف ليدرك كل ذي دور دوره قبل ان تستفحل الكارثة.
توجه دائما اصابع الاتهام للجيل الجديد من الشباب، باعتباره لا يعرف للخجل سبيلا.. وباعتبار كلمة العيب بالنسبة له مطاطة، تضيق وتتسع حسب رغبته..
هل هذه الاتهامات صحيحة؟!
ما نراه اليوم من تجاوزات تبرز من خلال رسائل الفضائيات التي يتبادل الشباب من خلالها كلمات الغزل والغرام.. وما كان سابقا يندرج تحت قائمة العيب.. يشير الى ان ثمة تحولات كبيرة حدثت في عقلية الجيل الجديد.
ولكن.. يبرز سؤال آخر: لماذا غاب الخجل العادي وليس المرضي عن شبابنا اليوم.. ومن المسؤول عن الانقلاب الذي حدث في مفهوم كلمة العيب بالنسبة لهم.. الاسرة أم المدرسة.. أم الفضائيات..؟! سؤال حاولنا الاجابة عنه من خلال هذا التحقيق:
“لماذا يستنكر الناس رسائل الهاتف النقال التي تتبادلها عبر شاشات الفضائيات. نحن نفيد ونستفيد ونكون صداقات جديدة.. ونتعلم مفردات وعبارات جديدة. وتستفيد القنوات التي سهلت لنا هذه الخدمة من الربح الذي تجنيه”.
بهذه الكلمات بادرنا احمد. ع او “الولهان” وهو الاسم المستعار الذي يستخدمه من خلال الشاشة والذي بات يعرفه به كل اصدقائه الوهميين الذين تعرف اليهم من خلال هذه الرسائل!
ولكن “الولهان” يرفض وصف الاصدقاء بالوهميين. ويقول معترضا، لماذا تظنون انها صداقات وهمية؟ بالعكس هي خير وسيلة لشغل وقت الفراغ خاصة في الصيف.. فأغلب اصدقائي سافروا الى الخارج، ومن دون هؤلاء الذين لعبوا دور البديل.. ماذا كنت سأفعل؟!
ويطرح علي جاسم السؤال ذاته.. ويقول عادة ما يعترض الكبار على كل أمر نقوم به.. لذا فضلنا تجاهلهم.. يعترضون على سهرنا.. وعلى تجولنا في المراكز التجارية.. وعلى دخولنا للانترنت.. واليوم يعترضون على رسائلنا الفضائية.. رغم انها بريئة.. وللتسلية لا غير.. فلم كل هذا الرفض والتذمر؟
ويتحدث “علي” عن تجربته ضاحكا: قررت ان ارسل الرسائل باسمي الصريح منذ البداية.. فهناك ألف شخص في الدولة اسمه علي جاسم.. حتى الوالد نفسه حين أخبرته أمي بالأمر وسألني، نفيت له ان اكون انا صاحب هذه الرسالة ولكن قرر علي ذات يوم ان يعاكس ابنة الجيران وهي صديقة اخته في الوقت نفسه.. ولكن يبدو ان اسلوب معاكسات القرن الحادي والعشرين يختلف عما كان عليه في السابق.
ارسلت لها رسالة اعجاب عبر شاشة احدى الفضائيات.. ووضعت اسمي واسمها الصريح.. وكررت الرسائل اكثر من مرة من دون ان يصلني رد منها ورغم هذا شعرت بالسعادة لأني تفاخرت بهذا امام اصدقائي.. حتى اصبحت اعرف بينهم بلقب “الوقح”!!.. ولكن، فوجئت ذات يوم بمشكلة عائلية كبيرة.. فوالد الفتاة شك في الأمر.. وجاءت والدتها واثارت المشاكل في بيتنا،.. واستجوبتني العائلة، ولكن.. لم اعترف.
فهل انا احمق لأسلمهم نفسي فيوقعون بي العقاب الذي يريدون؟!
تطارد نظرات الشك علي ورغم ذلك يتجاهلها.. ولم تعد ابنة الجيران تزورهم.. بل ان والديها يخططان لتزويجها بأسرع وقت.. بعد ان تعرضت للضرب والحبس في غرفتها وقد لا تذهب لمدرستها في هذا العام.
اما علي.. فيقول بكل برود: ما ذنبي؟ كنت اتسلى لا غير. وعموما انا لم اعد ابالي بأمرها بل اراسل اليوم فتاة اخرى افضل منها.. فهي ترد على رسائلي!
ترفض اسراء رياض ادريس هذه السلوكيات.. وتقول موضحة: تفاخرت بعض زميلاتي في المدرسة بهذه الرسائل.. وفي البداية اغراني الأمر.. فما المانع من ارسال كلمات الحب والتقدير لاحدى الصديقات او المدرسات، خاصة من باعدت بيننا وبينهم المسافات وتركن الدولة وعدن لبلادهن؟ ولكني سرعان ما تراجعت حين اخبرتني احدى صديقاتي بما حدث لها! هذه الصديقة ارسلت ذات يوم تهنئة لقريبة لها في بلدها بمناسبة نجاحها بتفوق.. ووجدت ان الرسالة اقل تكلفة من الاتصال الهاتفي.. فأصبحت ترسل لها الرسائل كل فترة.. حتى فوجئت ذات يوم بشاب يطلق على نفسه اسم “قرصان الحب” يرسل لها رسائل الغزل، بل ويسألها بلا خجل عن لون شعرها وعينيها وعن كونها جميلة أم لا!
“عاشت صديقتي في رعب.. فالشاب يعرف اسمها بالكامل.. ورقم هاتفها.. وبدأ يطاردها باتصالاته.. وهي لا تدري كيف تتصرف معه حتى عرفت والدتها بالأمر.. ولم تصدق انها بريئة.. وانها كانت تراسل صديقتها.. وحرمتها من هاتفها النقال ولم تعد تثق بها كالسابق.
وتشاركها شقيقتها “إيناس” الرأي وتقول: “اصبحنا في زمن غريب.. لا خصوصية فيه للعلاقات الانسانية.. ومازلت لا أفهم ما حاجة الشخص لارسال تهنئة بمناسبة عبر شاشات الفضائيات بحيث يقرؤها الجميع؟! في السابق كان مجرد شك الشخص في ان هناك من سيقرأ رسالته يشعره بالغضب.. اما اليوم فالرسائل باتت على المكشوف.. ولا ادري ان كان هذا احدى نتائج زمن العولمة الذي نعيشه أم لا.
ويشاركها زيد البواردي الرأي ويقول: “اذا كنت ارغب في تهنئة صديق بنجاحه او زواجه.. فهل من الضروري ان يقرأ العالم بأسره رسالتي له؟!” أين الخصوصية وجمالية العلاقة بيننا؟!
ويرى زيد ان الصداقات التي تنشأ من خلال هذه الرسائل فاشلة بعيدة عن الواقع.. “تشبه هذه الصداقات الى حد بعيد تلك التي تقوم عبر برامج الدردشة عبر الانترنت فقد يصادق الشاب فتاة.. فإذا بها شاب يكذب عليه او العكس!
وقال زيد ان الشاب الذي يقوم بهذا ليس بلا اخلاق او قيم.. بل هو ضحية الفراغ.. ويجد في هذه الرسائل وسيلة للتسلية بالنسبة له.
ويجيب عبدالله ابراهيم الوداعي عن هذا التساؤل فيقول: “اخلاق شبابنا من صنعنا نحن، فالتربية في البيت.. ومن ثم في المدرسة.. لماذا نتهم الفضائيات.. هي مجرد قنوات تهدف للربح بالدرجة الأولي وتسير على مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” فلماذا نترك ابناءنا عرضة لها، ولا نحصنهم بالتربية ولا نزرع فيهم القيم منذ الصغر.. بل يترك الطفل للتلفاز يربيه كيفما يشاء.. ويعطي ابن الست سنوات هاتفا نقالا بلا أي اعتراض او رقابة!
ولكن مصبح بن سويف يخالفه الرأى ويقول الفضائيات هي المسؤولة عن هذا، فهي التي اتاحت للشباب هذه الفرصة.. وحققت الربح ولو على حساب قيمنا واخلاقنا.. فالشاب فضولي بطبعه.. ويغريه. كل جديد جذاب.. وسريعا ما يشعر بالملل، والدليل انه يغير هاتفه النقال كل فترة لاهثا خلف الجديد وكذلك الامر بالنسبة لهذه الرسائل التي وجد فيها اثارة جديدة.. ووسيلة لشغل وقت الفراغ والتسلية، فلم يتردد.. فالذنب ليس ذنبه او ذنب اسرته.. بل ذنب القائمين على هذه الفضائيات”.
وقال مصبح ان للاعلام دورا توعويا وتثقيفيا مهما.. ورغم ذلك نجده لا يمارس دوره هذا الا نادرا.. ويغري الشباب بكل الوسائل كي يحقق اكبر هامش ممكن من الربح!
وتشاركه “ذكرى” الرأي وتلقي باللوم كذلك على الفراغ من جهة وعلى الفضائيات من جهة اخرى!
“لماذا نلقي اللوم على الاسر..؟! هل هناك ام توافق ابنتها على سلوك كهذا.. او اب يوافق ابنه على مغازلة البنات على الهواء مباشرة؟! مستحيل.
ولكن حتى الاسر تقف عاجزة اليوم امام هذه الهجمات القوية التي تشنها الفضائيات على ابنائها.
وتلقي ذكرى باللوم كذلك على رفقاء السوء الذين لهم دور اساسي في انحراف الشاب او الفتاة.
كيف نلقي اللوم على الشباب، والكبار يفعلون الشيء ذاته؟!
بهذا التساؤل بدأ جاسم.ع حديثه وأضاف قائلا: ذات يوم جلست بفضول اتابع الرسائل التي تبث عبر الشاشة، ولفت نظري اولا الاخطاء الاملائية والنحوية الفظيعة التي تسيء الى لغة القرآن الكريم ثم لفتت نظري رسالة تقول: مدام سلوى احبك انا رجل عمري خمسون عاما!
وأذهلتني هذه الرسالة.. وفي اليوم التالي تقصيت في محيط عملي عن الامر.. وفوجئت ان الكثير من الزملاء ارسلوا برسائل عبر الفضائيات لمختلف الاسباب والمناسبات والاغراض.. وان كانوا التقوا عند سبب واحد.. دفعهم لتجربة هذا الامر.. وهو الفضول!
لذا يعتقد جاسم ان الفضول هو ما دفع الشباب منذ البداية لتجربة هذه الرسائل.. وانهم سيتوقفون عن استخدامها بعد فترة حيث يشعرون بالملل!
ولكن أم سعيد.. تصر على اتهام هذا الجيل بعدم معرفة بأهمية القيم والاخلاق لذلك فإن مفهوم العيب غائب بالنسبة لهم!
“جاءت احدى صديقاتي تشكو لي حال ابنتها التي فضحت الاسرة بأكملها.. حيث بدأت تراسل الجميع شبابا وشابات عبر شاشات الفضائيات.. وان كانت اليوم تستخدم اسما مستعارا.. فلا أحد يعرف ما يخبئه الغد لها.. ولنا؟ وبدت والدة الفتاة مصدومة بابنتها غير مصدقة ان لديها الجرأة لارسال واستلام رسائل الغزل والغرام من شباب لا تعرفهم.. وبدت حائرة امام اكتشافها لهذا الامر، عاجزة عن اتخاذ موقف حازم مع ابنتها!
بينما رفضت اسماء.ن هذه الاتهامات التي توجه لهذه الرسائل.. ولمرسليها: تمكنت بفضل هذه الرسائل من تحقيق التواصل مع أختي التي تدرس في الخارج، فاستخدمت اسما مستعارا اتفقت معها عليه وحجبت رقمي بعد ان عرفت ان احدى صديقاتي تعرضت للكثير من المضايقات والمعاكسات من شباب عابث فهذه وسيلة اتصال كغيرها.. وكذلك كغيرها هناك من يسيء استخدامها وهي بريئة من هذه الاساءة.. فاللوم يقع على بعض الشباب العابث واقول بعض حيث لا يجوز التعميم.. فلا احد ينكر ميزات الانترنت ورغم ذلك هناك من ساء استخدامه.. والفتاة قد تتعرض للمعاكسة وهي في السوق مثلا.. فهل تحبس انفاسها في بيتها تجنبا للعابثين؟!. لا بل هم الذين سرعان ما سيشعرون بالملل.. وستبقى ايجابيات وفوائد الرسائل الفضائية حاضرة”.
يقول خالد الطريفي “موظف” اننا ظاهرة سيئة جدا، ودليل على تدني مستوى هذه المحطات التي تبثها، واشعر بالاشمئزاز كلما رأيتها مصادفة واخشى كثيرا على ابنائي الذين سيدخلون طور المراهقة، واحس بالرعب عندما افكر فيما ستصل اليه هذه الرسائل بعد سنوات لان هذه الظاهرة في ازدياد خاصة بتزايد المحطات التلفزيونية التي تبث برامجها على مدار الساعة. ويتابع: لا يكفينا ما نسمعه ونشاهده من فن رخيص حتى يأتينا النقال والتلفزيون بهذه الظاهرة الغريبة التي تخدش الحياء وتسيء الى اجيال بأكملها وكأنه لم يبق امامنا سوى العودة الى الوراء والغاء كل المخترعات الحديثة من حياتنا لنتجنب هذا الاذى اليومي.
يعتقد خالد ان علاج هذا الوباء لا يكون الا عن طريق التوعية والارشاد من قبل الاهل بالتعاون مع مؤسسات الاعلام التي تتحمل مسؤولية كبيرة في حماية المجتمع وليس هدم عاداته وقيمه وادخال هذه الثقافة الرخيصة التي تدمر اجيالا من الشباب وتسيء الى مستقبلهم الدراسي، ويؤكد من خلال تجربته ومعايشته لاصدقائه ارتفاع التكلفة الباهظة لهذا السلوك معنويا وماديا، ويستغرب كيف تسمح لتلك المحطات لأن تزين شاشتها بكل تلك الالفاظ والشتائم؟
أما ضياء الدين الكيال “موظف” فقد جرب هذه المتعة التي سمع عنها الكثير لمرة واحدة فقط وشعر بأن هذه الرسائل شيء سخيف ولا يلبي أية حاجة حقيقة للتواصل الانساني او يقدم وسيلة تعارف حقيقية بين البشر فقرر الامتناع عنها نهائيا خوفا من الادمان عليها، ونظرا لتكلفتها المادية المرتفعة التي لا تسمح ظروفه المادية بالمضي في هذا الجنون.
ويقول: هناك كثير من اصدقائي يدمنون على هذه الرسائل لكنهم لا يعترفون وانا اعلم انهم يقضون ساعات طويلة في هذه الاجواء ولا يستطيعون التخلص منها وحالتهم المادية في تراجع دائم، وحقيقة لا اعرف الطريقة الواجب اتباعها لاقناعهم بالكف عنها لأن القضية تحتاج الى جهد اكثر من ذلك بكثير ويبدو ان المسؤولية تقع على الشخص نفسه وعلى قنوات التلفزيون والأهل ايضا.
تقول ملك الناظر “موظفة”: هذه أفضل طريقة لهدر المال، ومؤشر على ضياع هذا الجيل الذي يمارس حريته بهذه الطريقة المدمرة وانا لم أقرأ كلمة واحدة تحمل معنى سوى السخف وانتهاك الحرية الشخصية للآخرين.
وتتابع: أعرف ان الدافع هو الفراغ وغياب التوعية الصحيحة حول استخدام مفردات التكنولوجيا لكن هذا لا يعفي المدمنين على هذه العادة من المسؤولية لانهم عاجزون عن مراجعة انفسهم والتوقف قليلا ليتساءلوا: ما الفائدة من كل ذلك؟ فإذا كان هذا الجيل سلبت منه الارادة والقدرة على ضبط السلوك فلا بد من وجود رقابة صارمة على هذه الرسائل والمحطات التي تشجعها.
وتعتقد هبة عيتاني “موظفة” بأن ما نشاهده ونقرأه هو أسوأ طريقة للانفتاح وأسوأ استغلال للامكانات المادية التي تضيع هباء. وتقول: اصبحت اتجنب مشاهدة التلفزيون حتى لا اضطر لقراءة تلك الرسائل بل اكتفي بسماع بعض الاغنيات وكأني أتعامل مع راديو. انه شيء حزين حقا ان تسهم تلك المحطات في تشويه جيل وربما اجيال سعياً وراء الربح وكأن تلك المحطات دول مستقلة لا تطالها محاسبة أو رقابة.
وتؤكد هبة فؤاد شهاب “موظفة” انها لا تستطيع متابعة هذه الرسائل لانها تشكل عبئا اضافيا يزيد من توترنا ومشاكلنا اليومية على حد قولها. وتشير الى ان هذا النمط الغريب في الحياة لا يشبهنا اطلاقاً، مؤكدة ان صاحبه لا يمتلك اهتمامات حقيقية أو يتمتع بأي غنى روحي بل يعاني من أزمات نفسية كبيرة يعبر عنها بأسوأ طريقة ممكنة وهي تلك الرسائل التي تفتقد الى كل شيء باستثناء قدرتها على اتلاف الاعصاب وانتهاك خصوصية المنزل.
وتقول: عشت سنوات طويلة في الولايات المتحدة ولم أجد كل هذه المبالغات، صحيح ان هذه الرسائل موجودة لكنها لا تستهلك كل هذا الوقت والاهتمام واستغرب كيف يجد شبابنا الوقت الكافي لإرسال وقراءة كل هذا الطوفان من الرسائل وكأنهم بلا دراسة أو عمل؟!
ناصر أحمد لا يرسل اية رسالة بل يكتفي بالقراءة ولا يشعر بأية رغبة في هذا النوع من التواصل بغض النظر عن تكلفته المادية فهو يحب مشاهدة الاغاني ومتابعة ما يكتب اسفل الشاشة للتسلية.
ويحترم ناصر الحرية الشخصية لكل انسان - بالتالي فهو لا يدين هذا السلوك عند الآخرين لكنه يفضل عدم المبالغة فيه، اما مستوى هذه الرسائل فلا يحترمه كثيراً لانه يسيء الى مبدأ التعارف وتكوين علاقة جيدة.
ويعتقد ان السبب الحقيقي لهذه الظاهرة هو المحطات التي تتيح هذه الفرصة مع انها لا تجبر أحداً على هذا السلوك الذي يؤثر سلباً في الدراسة ويعرف الشاب الى اشخاص قد يسيئون اليه.
أما احمد عبدالله “موظف” فإنه لا يرسل شيئا ولا يقرأ شيئا منها - يعتبرها هواية سخيفة يرجع اسبابها الى الرغبة في الخروج من الملل ومن حالة الفراغ التي يعاني منها الشباب.
يؤكد ان اصدقاءه المقربين يشاركونه الرأي لذلك لم يجد أحداً يشجعه على هذه التجربة التي يعارضها تماما لانها تبعث على اشمئزازه من جهاز التلفزيون الذي اتاح الفرصة لكل هذا الابتذال والغزل الرخيص ليؤذي المشاعر يومياً.
ويقول احمد عبدون “طالب” هذه ليست طريقة لإظهار مشاعر الإعجاب أو وسيلة لائقة للغزل فهي لا تقدم لنا سوى الفضائح وانتهاك حرمات الآخرين، رغم ان هذه المحطات تحاول خداعنا دائما بأنها تسعى الى تقديم خدمات سريعة ممتازة هدفها التواصل بين البشر وخلق علاقات جديدة.
ويتابع: نعلم ان هدف هذه المحطات هو جمع المال فقط وهذا الهدف لا يعبأ، أبداً بالمشاعر أو القيم الانسانية لذلك لا احترم هذه الطريقة في التعارف ولم أجرب كيف أرسل رسالة لأحد رغم انني أقرأ بعضها بدافع الفضول.
ويسخر سالم محمد سالم “موظف” من مفردات هذه الرسائل ومن اصحابها الذين يسهرون حتى الصباح وينفقون آلاف الدراهم لإرسالها.
ويقول: انه نوع من الجنون يقود الشباب الى تنافس شاذ على القدرة على التعرف الى فتيات كثيرات، أو ارسال عدد هائل من الرسائل وبأسماء مستعارة تثير الضحك.
ويعتقد ان الفراغ هو السبب في كل ذلك وانه يعرف اشخاصاً دفعوا ثمنا غاليا بسبب تلك الرسائل التي انتهكت أعراض الآخرين وكادت تؤدي الى خلافات بين الاهل بعد افتضاح أمرهم لكنهم حتى هذه اللحظة لم يتعلموا الدرس ويتوقفوا بحجة انهم لا يستطيعون ذلك.
ويرى عمر الدليمي “موظف” بأن الفراغ والكبت الذي يعاني منه الشباب هو السبب في تفشي هذه الظاهرة فهناك اعتقاد من الجنسين ان هذه الطريقة مجدية في التعارف وآمنة وتتحول تدريجياً من الرغبة في التجريب الى الإدمان. وعندها سيغرق جميعهم في تنافس سخيف أشبه بالحرب الكلامية بين منطقة واخرى وقد يتطور الامر ليصبح تهجماً وتجريحاً لدولة أو شعب.
يقول عمر: أرسل رسائل في المناسبات وخاصة الوطنية منها، اما بعض اصدقائي فهي نشاط يومي وهذا يعني استهلاك الساعات الطويلة في القراءة والرد واضاعة ما لا يحصى من الدراهم وكلما مر يوم اصبح علاج هذه المشكلة اكبر ويرى ان العلاج المقتصر على توجيه الشباب بعدم استخدام كلمات نابية ليس علاجاً حقيقياً.
ينتقل ابراهيم عبدالرحمن “موظف” الى قناة اخرى فور مشاهدته لتلك الرسائل لانها تبعث في نفسه الكآبة بسبب مضمونها الفارغ ولغتها الهابطة ومشاجراتها السخيفة التي تدور يوميا بين اشخاص لا هم لهم سوى اضاعة الوقت وازعاج الآخرين على حد قوله.
ويشعر ابراهيم بقلق شديد عندما يقرأ تلك المهاترات التي يتبادلونها والتي تطال شعوباً ودولاً قد تؤدي الى توترات حقيقية بين ابناء هذه الجاليات ويتحول الامر من عبث الى مشكلة يصعب حلها.
ويقول تحتاج هذه الظاهرة الخطيرة الى علاج يتناسب مع خطورتها وهو ما يستدعي تكاتف جهود الاسرة مع المجتمع للتنبيه الى مخاطرها الكبيرة ودورها في إفساد الشباب ولا يجب وضع اللوم على القنوات التي تساعد على انتشارها بل معالجة الاسباب الحقيقية وفهم الدوافع التي أدت لنشوئها وحتى الآن لم ألمس الاهتمام الكافي لدراسة هذه الظاهرة ومحاولة فهمها.
قرأت رسالتي مرة واحدة على الشاشة وندمت هذا ما يقوله محمد سعد أحمد “موظف”، مؤكدا انه شعر حينها بأنه سيقوم على سلوك جديد قد يحول الى هوس يؤثر في حياته فتوقف فوراً.
ويتمنى محمد علاج هذه المشكلة بطريقة عقلانية، فالقمع لا يحل شيئا بل التوعية هي الاساس مع البحث عن بديل منطقي لملء اوقات الفراغ ومساعدة الشباب على التوجه الى اهتمامات اخرى ذات معنى وعندها ستفقد هذه العادة جاذبيتها وستنحصر في نطاق ضيق لا يتعدى رسائل المناسبات الوطنية.
غداً:
الاسرة خط الدفاع الأول
الظاهرة عرض لمرض غياب الحياء















التعليقات