بيرنز في دمشق، والاشارات تبدو مربكة بعض الشيء، الطرف الاميركي يريد الايحاء أن الصفقة على امن العراق لا تستتبعها صفقة على الملف اللبناني لمصلحة تجديد التفويض الدولي لسوريا في لبنان. اما الطرف السوري فيؤكد عبر بيان الخارجية ان المسار العراقي هو مدخل الملفات الاخرى العالقة، وفي طليعتها لبنان حيث كان توافق بحسب النص على سيادة لبنان! لكن اللافت ان كلام بيرنز بقي على سلبيته اقله لفظيا حيال سوريا بخاصة في المسألة اللبنانية التي بلغت مستويات متقدمة من التدويل عبر القرار 1559. والقرار المذكور بالتعديلات التي ادخلت على المشروع، ليس بطبيعة الحال انتصارا للبنان ولا لسوريا لأنه سيف مصلت فوق رؤوس السوريين واللبنانيين على السواء.
صحيح ان مئات القرارات الاممية مرمية في ادراج البيت الزجاجي في منهاتن، لكن الاصح ان الدول الكبرى (التي تبنت القرار 1559) هي التي تميت القرارات او تحييها. لذا لا نخالنا نجازف ان قلنا ان القرار 1559 يمكن البناء عليه، في ظل النمط الراهن من العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة (منذ احتلال العراق)، ومع اوروبا (منذ مفاوضات الشراكة والاستحقاق الرئاسي في لبنان). وهنا تكمن خطورة الوضع الذي نحن في صدده اليوم. انه كما سبق ان اشرنا اكثر من مرة المأزق الكبير الذي علقنا فيه، ويحتاج الى مقاربة اكثر جدية على المستويين الدولي، واللبناني الداخلي.
والهجمة على سوريا ولبنان بسبب التمديد لا تواجه بالشتائم، ولا بالعراضات المحلية في هذه القرية او تلك الدسكرة. ولا تواجه بالتأكيد بتخيير اللبنانيين بين ان يكونوا مع او ضد من دون مناقشة او بانكفاء رئيس الجمهورية الذي من اجله واجهت سوريا بخيارها (واللبنانيين بالفرض) العالم اجمع. فعلى الرئيس وقد حصل على ما سعى اليه، ان يتقدم المواجهة في كل المحافل الدولية ليشرح بنفسه موقف لبنان وسوريا معا.؟ وعلى رئيس الجمهورية ان يترأس وفد لبنان الى الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك، لا ان يكلف نائب رئيس الحكومة المهمة. وبكلام اوضح نقول ان لا عمل للاستاذ عصام فارس في الامم المتحدة، انها مهمة الرئيس نفسه فليأخذ رجل القرار قرارا شجاعا بالذهاب الى نيويورك. داخليا، بات الراعي الاقليمي امام خيارين لا ثالث لهما: اما ان يترك لرئيس الجمهورية كامل السلطات (غير الدستورية) ليشكل حكومته وفق ما يريد، ويترك خارجها القوى التي لم تؤيد خرق الدستور سرا وعلانية، وليتحمل عند ذلك مسؤولية المرحلة داخليا وخارجيا، ولنر بعدها ما يحصل. او ان يسعى الى تصحيح بعض الاخطاء التي ارتكبت في المرحلة الاخيرة، فتشكل حكومة حقيقية تجسد توازنا سياسيا حقيقيا للبلاد، على ان تكون برئاسة رفيق الحريري ومعه فريقه، وتضم اقطابا اساسيين في وزارات سيادية، مثل وليد جنبلاط شخصيا، ومعه شخصيات مسيحية ذات وزن سياسي شعبي ومعنوي من امثال نسيب لحود، بطرس حرب، فارس بويز ومخايل الضاهر وآخرين ممن لا يشكل توزيرهم تحديا لسورياً (والا لكنا طرحنا اسم الرئيس امين الجميل قطبا لا يمكن تجاوزه)، بل انهم سيشكلون في حال قبولهم (وأشدد على كلمة قبولهم!) المشاركة، حصانة للبنان ولسوريا معا في هذا الظرف العصيب.
وبالطبع ينبغي ان يترافق الامر مع اقرار من الجميع بأن مجلس الوزراء السياسي هو تحديدا مكان القرار السياسي في البلاد، وان رئيس الجمهورية يحتاج الى ان يترك الحكومة تمارس ما هو منصوص عليه من صلاحيات خاصة بها. حكومة كهذه تحتاج الى تمثيل شيعي نوعي يأخذ في الاعتبار مكانة الرئيس نبيه بري وموقعه، لكنه يعترف للرئيس حسين الحسيني عبر توزيره بموقعه المعنوي الميثاقي الذي نحتاج اليه اليوم اكثر من اي وقت مضى. ولا بأس بالبحث في اسماء ارثوذكسية تضاف الى تمثيل آل المر ويمكن ان تشكل ثقلا للحكومة لا ثقلا عليها. ولا شك في ان حكومة كهذه تحتاج الى ان تقيم ورشة مصالحة وطنية كبرى، كما تحتاج الى ان تعمل ثنائيا مع القيادة السورية على تنقية فعلية للعلاقات، وتصحيحها درءاً لأي حملة تدخل خارجي قادمة!
اقتراحات من محض الخيال؟ ربما، لكن التشكيلات التي يروج لها هذه الايام هي بمثابة الوصفة المثالية لمزيد من العزلة المزدوجة خارجيا وداخليا. وليقلع كلٌ شوكه بيده!













التعليقات