قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أثار الزلزال الآسيوي الرهيب، بين ما أثاره، سؤالاً عربياً مُـلحّاً. فكثـيرون، من عرب وغير عرب، تحدثوا عن نقـص الاستجابة العربية، مشاركةً عاطفيةً كانت أم مساهمةً مالية. وبدا للحظة كأنما صار توسيع هاتين المشاركة والمساهمة بنداً ضمنياً في برنامج الاصلاح الغربي المطروح على المنطقة، على تفاوته وغموضه.

وحقاً بدا ممكناً، مرة أخرى، لحظ ذاك التبايُن بين المناشـدات العربية المتصلة كي يهتم العالم بـ«قـضايانا»، وبين الميل السـائد لدينا الى العزوف عن قضاياه. وهذا مع العلم ان الزلزال أصاب بعض أطراف عربية في افريقيا، إلا أن «عروبتها» لا تشفع للمصابين بأكثر مما شفعت سودانية الدارفوريين لهم.

وهي وجهة يغـلب الـظن انها قويت في السنـوات الأخيرة تحت وطأة الصعود المتعاظم لـ«الهوية» و«الجذور» وما يترتب علـيها من وعي أبرشي ضيق، خصوصاً وقد آلت بعض اتجاهات العولمة الى تعزيز المسافات، بينما عمل الارهاب على تصوير كل أرض «غريبة» أرضاً للقتل المباح. وفي هذه الغضون، دفع الوعي الأصولي الى توسيع الفوارق بين الـ«هنا» والـ«هناك»، والى إسباغ طابع جوهري عليها، ولم يغير في ذلك واقع ان غالبية الضحايا من المسلمين.

بيد أن الجذر الذي نبتت هذه الفروع عليه يتصل بالضعف الأصلي في وعينا الكوني.

ولا يؤتى بجديد حين يقال ان وعياً كهذا وثيق الارتباط بالتجربة الأوروبية: فهذه الأخيرة هي وحدها التي اتصلت بباقي العالم استعماراً وتثاقُفاً في وقت واحد. وهي وحدها التي رفعت كونية الانسان وواحديته الى السوية القيادية في «مسيرة البشرية». وانما من تلمس هذا الاختلاف عن تكويناتنا الثقافية، صدر السؤال المتكرر الذي طرحه عرب كثيرون: لماذا اهتمت أوروبا، و«الغرب» عموماً، بكارثة أصابت المسلمين قبل غيرهم أكثر مما اهتممنا نحن؟ فكيف وان الكارثة طبيعية هذه المرة، أي ان القدرة على توظيفها السياسي معدومة.

ورغم ظهور محاولة بائسة لتسييسها وتديينها، مرة بردها الى تجارب نووية اميركية - اسرائيلية - هندية مزعومة، ومرة بردها الى الاحتفالات بعيد الميلاد، بقي الأمر أعقد من رد 11 ايلول (سبتمبر) الى الموساد واليهود الذين «تغيّبوا» عن مكاتبهم آنذاك!

ان أشد ما يستدعي القلق الذي جدده التعاطي مع الكارثة الأخيرة ان البُعد الكوني لا يكفّ عن التقلص في ربوعنا. فمع تقارب العالم نتزايد انكماشاً وانفصالاً فنقرأ كتباً أقل عن العالم الذي يقع خارجنا وكتباً اكثر عن أنفسنا ومواضينا. وما يسري على القراءة يسري على أنشطة لا حصر لها، يظللها كلها اننا في اشتباك مفتوح مع «الغرب» - مهد الوعي الكوني. وغني عن القول ان ذاك «الغرب» يبقى مهد الوعي المذكور حتى حين تنعقد زعامته لرئيس تكساسي محدود كجورج دبليو بوش. فعندما تتراجع الحكومات والأنظمة عن رفع هذا الوعي عالياً، تبادر المجتمعات الى ذلك، على ما دلت حماستها لإنجاد المنكوبين.