قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سحر الكتابة وعظمتها يدركهما غير الكاتبين أكثر مما يستطيع بعض الكتاب أحيانا!
السحر يجر بعض طغاة العرب من فوق عروشهم الفولاذية، كي يتمموا مجدهم بكتاب.وعظمة الكتابة تكمن في كونها تدافع عن نفسها ضد المتطفلين المسلحين بسلطاتهم، إذ تنال من بؤسهم وتمسخرهم بأكثر مما تستطيع الرعية الكارهة.
سحر الكتابة وعظمتها هما أيضا ما يضعان الكاتب الحق في مكانه ولو كره؛ هما ما أعاد يحيي حقي في ذكري ميلاده نجما، هو الذي عاش مناوئا لفكرة نجومية الكاتب. فهل يدرك الكتاب هذه الأمثولة ويعاركون نصوصهم بدلا من عراك بعضهم البعض؟!
مجايله توفيق الحكيم سبقه إلي أوروبا وعاد مستجلبا صورة الكاتب نصف الإله المعزول في برج عاجي وله أمارات اجتماعية عندما يتلطف وينزل إلي الأرض: العصا والبيريه والفخر بما يعتبره البشر الفانون عارا :البخل وكره المرأة!
ولحقه يوسف إدريس في زمان الحراك الطلابي وازدهار السينما الذي يلعب برأس الكاتب:لماذا لا يكون نجما (كعمر الشريف الصحيح وليس كعبد الحليم حافظ معتل البدن!).
بين الاثنين لبد يحيي حقي مثل الأوسط في شجرة عائلة؛ أعفي نفسه من أعباء الحياة معتمدا علي أب مسيطر وابن متطلع؛ يسعده أن يتوه بين الزحام بجرمه المنمنم الأنيق.
ظل حتي أيامه الأخيرة يتنقل كما يتنقل بسطاء الناس، بلا سيارة خاصة، يتأبط ذراع زوجته التي أنبتت العشرة بينهما صلات قربي في السمت، يتأملان واجهات محال الملابس في وسط القاهرة، يشتريان الصحف، ثم ينعطفان إلي حارة التوفيقية، حيث سوق الخضر والفاكهة ينتقيان حاجتهما برضا وارتياح من يمارس هواية محببة أو طقسا دينيا. فإن اكتشف أحد وجوده يفزع في البداية كعصفور، ثم ما يلبث أن يطمئن فيبش، ويسأل عن الصحة والأحوال.
يرتبك عندما يكون مكشوفا ومرئيا علي عكس ما يرجوه الكثيرون، ولا يمكن أن يكون انتظاره لنشر كتابه الأول عشرين عاما من بدء نشر قصصه ومقالاته في المجلات والصحف دون دلالة. كما أنه كان الوحيد الذي رفض الكتابة في الأهرام .. حبة مسبحة تمردت علي الخيط الذي نظم فيه هيكل الكبار في طابق واحد أسماه برج العظماء فكان لحسين فوزي وزكي نجيب محمود وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ونجيب محفوظ.
رفض حقي كان ناتجا عن عقيدة الخفاء، وليس عن عدم الإيمان بالمقال كنوع كتابي، فما كتبه في هذا النوع الأدبي كان أضعاف ما أعطي في الرواية والقصة. ولم يمض بلا أثر، فمازلنا حتي اليوم نقرأ ما جمعه الناقد الراحل فؤاد دوارة من مقالات يحيي حقي التي نقب عنها في مجلات قليلة الانتشار وأخري لم يسمع بها أحد من قبل.
رفض يحيي حقي الكتابة في الأهرام مكتفيا بجريدة المساء و التعاون ومجلات لم يسمع بها أحد، يصدرها فرع لمصلحة الضرائب أو فرع نقابة عمالية أو مركز شباب، خوفا من النجومية وضنا بالكتابة التي يعتبرها سرا يودعه أقل عدد ممكن من القراء!
وقد ظل ملتزما بالزهد في النجومية، متطيرا من الجموع الكبيرة ونجح في فرض رغبته التي مدها خطوات أبعد من حياته نفسها؛ إذ أوصي بألا يسير أحد في جنازته.
وبهذا التحفظ الأخير يوم 9ديسمبر 1992 أبطلت أحكام يحيي حقي الإنسان، وتقدم الأدب متحررا من تقشف صاحبه يمارس حياته التي يستحقها.
ولم يكن احتفال المجلس الأعلي للثقافة المصري بمئة عام علي ميلاد حقي الأسبوع الماضي إلا استجابة لهذا الحضور الطاغي الذي يمارسه إبداع يحيي حقي كشاب تمرس علي الصعاب في حياة ذويه، بينما اصطحب كثير من كتاب السلطة إلي قبورهم كتاباتهم العليلة المحمية التي لم تلوحها شمس الحياة.
ولو كان يحيي حقي حيا الآن ـ بلحمه الفاني ـ فربما لم يقو علي الذهاب إلي مكان الاحتفال حيث اجتمع نحو خمسين من محبيه، بعضهم تكبد حمل حقائب السفر والوقوف بالمطارات لكي يتمكن في خمس دقائق من التعبير عن حبه لهذا الزاهد الكبير.
وربما ـ لو رآهم ـ شهق بالكلمة التي درب نفسه علي تحاشيها طوال ثمانية وثمانين عاما: يا سلام !
كان لا يستعيذ بالله إلا من العُجبْ والغرور حتي يومه الأخير، وفي مقدمة كتاب حواري صدر للزميل الصحافي مصطفي عبد الله مواكبا للاحتفال بعنوان جهاد في الفن يكتب يحيي حقي اعتذارا لقارئ حواره: ولأنني أردت أن أعبر، لا عن نظريات مجردة، أو عن تجارب الآخرين، بل عن تجربتي الذاتية، فكان لا مفر لي من أن أستخدم كلمة (أنا) مع احترامي والتزامي بالحكمة القديمة: (أعوذ بالله من قول أنا) ولكن أرجو ألا يتهمني القارئ بما ينسب إلي أم كلثوم بأنها كانت إذا أنشدت همست لنفسها، وربما إلي سامعيها قائلة: يا سلام.. يا سلام .. يا سلام. هذا هو الجزاء الوحيد الذي أنتظره من القارئ؛ أن يحسن الظن بي، وإلا لخجلت خجلا شديدا أو رميت نفسي من شاهق .
الكتاب الذي ضمنه مصطفي عبدالله المحاورة التي قصد بها حقي أن تكون شاهدا علي سيرته الفكرية تضمن عددا من الشهادات القصيرة لمحبيه بينها شهادة غاية في العذوبة لسعيد الكفراوي تكشف جانبا من جوانب المعلم راعي المواهب، كيف كان يمنح من وقته ببذخ نادر لمن يخطون خطواتهم الأولي في الكتابة، يوجههم للقراءات الصحيحة ويستمع إليهم إذ يتلون عليه قصصهم فينصح ويوصي بالإجادة أو يقرر النشر فيكتب بذلك شهادة ميلاد حقيقية لكاتب جديد.
هذا الكتاب مع كتاب الروائي مجيد طوبيا عطر القناديل وكتاب ميريام كوك يحيي حقي .. تشريح مفكر مصري الذي ترجمه خيري دومة مع ثلاثة مجلدات ضمت أعمال يحيي حقي الإبداعية هي بالتأكيد أهم نتائج الاحتفال بعيد ميلاد أنشودة البساطة الشهيرة بـ يحيي حقي .