قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تمخضت مداولات وزراء الخارجية العرب -خلال الاجتماع الاستثنائي- الذي عقد بالقاهرة مؤخراً عن إنشاء برلمان عربي وهيئة لمتابعة تنفيذ القرارات وقرر الوزراء إحالة المشروعات إلى قمة الجزائر التي ستُعقد في مارس القادم. فيما عُلم بتأجيل أو ترحيل مشروع محكمة العدل العربية لوجود تحفظات عليها من بعض الدول.
إن وجود برلمان عربي خطوة حضارية نحترمها كُلنا، ونأمل أن توفق الجامعة العربية في تجسيده على أرض الواقع أسوة بالبرلمان الأوروبي. ولكن من الخطأ النظر إلى البرلمان ذات النظرة التي ننظر بها إلى الجامعة العربية، والتي يسمونها تأدباً "ببيت العرب". والتي تجمع أنظمة متفاوتة من حيث الشكل السياسي- التوجه الخارجي، العلاقات مع العدو الصهيوني، الوضع الاقتصادي، ممارسة الديمقراطية, الشعارات البالية، الوضع الأمني ودولة البوليس، الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان. لقد تم الإعلان الأسبوع الماضي، عن هذا الموضوع من قبل لجنة متابعة حقوق الانسان، وتبين أن هناك أكثر من 3 دول عربية توجد على القائمة، حقوق المرأة، مناهج التعليم، الفساد الإداري... الخ. كل هذه مواضيع أثرت على مسيرة الجامعة العربية، بل وبعضها كبَّل جموح وانطلاق الجامعة بحيث لم تتمكن في الأيام الحالكة من إضاءة شمعة في طريق الانسان العربي. ونظراً لتقلب "المزاج" السياسي العربي، وحساسية القادة والمسؤولين من بعض الكلمات أو الإيماءات، فإن مصير الشعوب يرتبط بذلك المزاج الذي كثيراً ما "يتعكَّر" من كلمة واحدة أو حتى بطريقة رد السلام. ولكم فيما يحصل في الاجتماعات الدليل الأوضح. وكلنا يستذكر "حرب الصحون" في أحد اجتماعات وزراء الخارجية... أو ما حصل في إحدى القمم العربية ما بين الأمير عبدالله والرئيس الليبي معمر القذافي.
كما أن المشاريع المشتركة للجامعة العربية تظل مرهونة بذلك المزاج، وطبيعة العلاقة بين البلد الذي يستضيف المشروع وبقية الدول. هل ننكر أن الهيئة العربية للتصنيع الحربي أصبحت تصنّع المكيفات والثلاجات؟ وأين وعود وشعارات الاعتماد على الذات العربية في صنع الأسلحة؟ وأين إعلانات الهيئة عن السلاح العربي، ووقف "الصفقات" مع الأجانب؟
أين مشاريع التنمية في السودان والتي أسموها سلة الغذاء العربي؟ وأين موقف الجامعة العربية في غزو الكويت، أو نزاع الصحراء، أو الاعتداء الاسرائيلي على لبنان، أو غزو- "تحرير"- العراق؟
هذه المواقف والأحداث التي عاصرتها الجامعة العربية تجعلنا نُخفف من تفاؤلنا بنجاح البرلمان العربي المقترح، ذلك أنه سيكون ملحقاً بنفس الدائرة التي دارت عليها الجامعة العربية والتي عاكستها الرياح أكثر من خمسين عاماً.
الموضوع الآخر في هذه القضية هو عدم وجود برلمانات في بعض البلاد العربية، بل إن هذا البعض لا يؤمن بالبرلمان والذي يتعارض مع صياغات الرجل الأوحد، والنظام الأمجد، ودولة النجاح. إن البرلمان يعني الحوار والتحاور، وفي بعض الدول العربية يقمع الحوار... ويُقصى المتحاورون، ولا صوت فوق صوت الحاكم!. كما أن الإعلام يخصص فقط للحاكم والسلطة، فكيف يؤمن رئيس أو حاكم ببرلمان في "المنفى"... وهو بعد لم يجرّب نعمة البرلمان؟ وهو يعتقد ضمنياً أنه "نقمة" عليه وعلى النظام. كيف يوافق حاكم عربي ظل على العرش أكثر من ثلاثين عاماً ببرلمان يقدر حق الشعوب، والعدالة الاجتماعية، وحق توزيع الثروة، وحق المرأة، وكشف الفساد الاداري، وسلاسة التعايش بين الشعوب العربية وانتقالها بلا حدود أو مخافر! ثم كيف يوافق حاكم عربي على برلمان يقرر حرية الإعلام وحرية التعبير، وهو لا يريد سوى صورته في التلفزيون والصحف، أو صوته في الاذاعة؟ وكيف سيتعامل البرلمان مع أصحاب الرأي الآخر من المفكرين العرب المستنيرين، والذين يكشفون زيف الممارسات الادارية، واستغلال المال العام، واضطهاد المواطنين.
كان الأجدى بالجامعة العربية-منذ ثلاثين عاماً- أن تقترح على السادة وزراء الخارجية العرب ضرورة إنشاء برلمانات محلية؟ وهي نظرة استشرافية قد تساهم في تمرير المشروع الحالي، بدلاً من استخدام "ضربة الصدمة"... وهي رد فعل معروف لما يجري في العالم من أحداث، والتلويحات الأميركية بالمبادىء الليبرالية التي تحاول الولايات المتحدة فرضها بالقوة في المنطقة العربية. ويحق لنا أن نتساءل: كم برلمان عربي يمكن الاعتداد به حالياً في الأرض العربية؟. نحن نشهد للبرلمان الكويتي واللبناني كنموذجين واضحين لعمل البرلمانات، أما غير ذلك فجلّ تلك البرلمانات أو المجالس صورية يختارها الحاكم أو الحزب وتأتمر بأمر الحاكم الذي يدفع لأعضائها أجورهم.
هذه هي الحقيقة! كما أن المجالس "الشورية" التي لا تستشار، يؤلفها الحاكم ولا توجد بها معارضة، بل رأي يخالف توجه الحكومة، كما أنها تدرس ما يحيله إليها الحاكم أو رئيس الوزراء. هذه حقيقة لا نود الاسترسال فيها، وهي تتعارض مع شكل البرلمان وحيويته ودوره في المجتمع.
والقضية الثالثة هي الاختلاف الفكري فيما بين الشعوب العربية وقادتها! هنالك شعوب تعاني من فساد إداري، وسوء الأوضاع الاقتصادية وبقاء الحاكم لثلاثين عاماً وهو يعد الناس بالاصلاح، وحتى المجالس - بتسمياتها المختلفة - لا تستطيع نقل "لعنات" الشعب ضد الحاكم وضد نظامه إلى داخلها وبالتالي اسماعها للحاكم، تركب تاكسياً في عاصمة عربية فتجده يلعن الواقع وينتقد النظام ويود رحيل الحاكم اليوم قبل الغد... وفي عاصمة أخرى تجد المواطن متحفظاً - وهو يغلي من الداخل - خوفاً من البوليس السري وأفراد المخابرات التي لا تسمح بالتلفظ بأية كلمة عن الرئيس "المنزّه" ولا حتى عن الفساد في نظامه ولا عن الوزراء الذين يأكلون رغيف الشعب. وفي عاصمة عربية أخرى يُعلن الحاكم أن الشعب هو الحاكم، وفي حقيقة الأمر ظل هذا الشعب محكوما بالشعارات والنار، ولا يوجد شارع أو كورنيش حضاري لهذا الشعب؟.
هذه الصور تتناقض مع صور الأنظمة وبلدان عربية أخرى ناشئة. حيث تجد توجهاً - وإن كان حديثاً - نحو الديمقراطية وإصلاح الخلل الإداري أو الفساد المالي، وتجد حوارات صحافية وإعلامية دون رقابة، وتجد مكاشفات وزيارات للحاكم للمواقع، ومحاسبات للوزراء والمديرين بهدف تقويم الأداء، ورفع حالة المواطن في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. كما تجد الطرقات رائعة والخدمات العامة جيدة، ونفسية المواطن مرتاحة وغير متشنجة، ولا توجد بها جريمة أو اعتداء.
هذه الاختلافات بين الدول العربية تؤخر عمل البرلمان وتجعل الانصهار أمراً مستحيلاً!
وزارات التربية في البلاد العربية يجب أن تعلّم أبناءها مضامين البرلمانات وتعريفاتها، والأنظمة العربية يجب أن تفتح أو تنشئ برلمانات حقيقية بداخلها، قبل اللجوء إلى برلمانات المنفى على طريقة الفضائيات العربية المهاجرة، والتي لم تستطع أن تقول كلمتها داخل التراب الوطني فرحلت إلى الخارج. البرلمان العربي يجب ألا يُعلق فشله على الجامعة العربية، فالأرضية العربية لا زالت بعيدة عن أصول البرلمانات محلياً، فكيف بتلك الاقليمية!