هل يعلم أي من الغربيين، أكانوا ديبلوماسيين أو جنوداً أو صحافيين، ماذا يجري في العراق؟ يظهر أنّ الجواب هو النفي، وفقا لتعليقين حديثين لبريطاني وأميركي عملا في العراق بعد الاحتلال.
يرتكز التحليل الأول على مراجعة لأربعة كتب جديدة حول العراق كتبها روري ستيوارت في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» في 31 آذار (مارس) 2005. ويعرض الكاتب، وهو نائب حاكم التحالف البريطاني في مقاطعتي العمارة والناصرية لعامَي 2003-2004، تقريراً بيانيّاً عن كيفيّة حصول الحدّ الأدنى فقط من التبادل مع المواطنين العراقيين الذين من واجبه أن يدبّر حياتهم ويحسّنها إن أمكن، وهو جالس في مركزه المحصّن المنيع أو متنقل في سيارته المصفّحة خلف زجاج مضاد للرصاص. وحتى عندما تسنح له الفرصة بأن يلتقي قائداً دينيّاً محلياً مهمّاً «لخمسين مرة على الأقلّ»، لم يدرك مطلقاً تأثير ذلك الرجل على حوالى مليون شخص في المقاطعتين اللتين يديرهما ومّا «إذا كانوا أخلّوا بالأمن أو انتخبوا، وأطلقوا النار على قوات التحالف أو هاجموا الجماعات الدينيّة التي تشكّل الأقليّة».
وتعتبر أفكار ستيوارت مهمّة عندما يتحدث عن بنية تضمن بأنّ الخبرة المحدودة التي يمكن أن يكتسبها أجنبيّ تضيع في وقت قصير. فالقوات البريطانيّة تبدّل جنودها كلّ ستة أشهر، والاميركيّة كلّ اثني عشر شهراً. ويقول أن ما من مسؤول أو جندي أجنبي عمل في العراق لفترات متواصلة منذ بدء الاجتياح الذي جرى منذ أقلّ من عامين.
ومن المشوّق ان ستيوارت نسب جهل الموضوع العراقي الى العراقيين أنفسهم. فما هي فرصتهم في معرفة ماذا يجري بوضوح في باقي مناطق بلدهم المنقسم، وهم الذين افتقروا الى المعلومات الصحيحة خلال ديكتاتوريّة صدام حسين وشرذمتهم الفوضى التي تبعت حكمه؟ لكنه يشير بحكمة الى أنّ هناك «درجات من عدم المعرفة». فعلى الأقل يعلم بعض أعضاء مجلس القيادة المحليّ الجديد القليل عن تاريخ القائد الديني نفسه وعن مقتل أحد أنسبائه في انتفاضة العام 1991 وعن الوقت الذي أمضاه في ايران وعلاقته بالاستخبارات الايرانيّة وعن «نوع الواجبات التي ينتظر منه أن يقوم بها».
هذا ما يسمّى بمعرفة السياسة المحلية الأساسية، وهذا ما تحتاجه لتعرف كيف تحكم وتقيم التحالفات وتتفادى الخطر وحتى لتزدهر ربما. لنأمل أن يأتي اليوم الذي يتمكّن فيه كتبة تاريخ العراق المقدامون من جمعها في القصة العريضة لهذه السنوات الضائعة.
أمّا الشهادة الثانية فيزوّدنا بها مارك دانر في نقد الكتب في «نيويورك ريفيو أوف بوكس» في 28 نيسان (أبريل) 2005. وهي تتضمن بياناً واسعاً عن المصاعب التي واجهها في تغطية انتخابات كانون الثاني (يناير) وتغيّر بغداد التي حوّلها التمرّد مدينة تعجّ بحواجز تفتيش وألغام للدبابات وأبراج مراقبة فولاذيّة ومتاريس يبلغ علوّها 12 الى 15 قدماً للحماية من الانفجارات وهي لا تملأ الطرقات الرئيسية فحسب بل تلتفّ أيضاً حول منازل المسؤولين والسياسيين وأي شخص يملك السلطة أو قد يشكّل هدفاً للاغتيال أو الخطف.
والمشهد الذي صوّرته السلطات في يوم الانتخابات كان متشائماً هو أيضاً. وكان ذلك اليوم الوحيد الذي استطاع فيه الصحافيون الأجانب الخروج من فنادقهم الشديدة الحراسة لمشاهدة حدث منسّق بعناية كما لو كان أوركسترا موسيقيّة. وبدا من خلاله أنّ العراقيين انتخبوا بأعداد كبيرة ولكن لم يملك أحد معلومات صحيحة عن عدد الأصوات الناخبة ولا عن امتناع الطائفة السنّية أو عمّا يحصل في باقي انحاء البلاد. وتشدّد رسالة دانر الواضحة على التنبّه من أي خبير مزعوم يحاول اقناع القارىء بأيّ مجموعة من الحقائق السهلة. وكما يلاحظ ستيوارت جازماً، فإنّ «الهوّة هائلة بين الطريقة التي يتكلّم بها الأجانب عن العراق والحقيقة نفسها».
ان مأخذي الوحيد على هذه التحذيرات التي تؤخذ على محمل الجدّ هو أنّها تميل الى العودة الى الماضي. فغالباً ما يؤكّد الكثيرون ممّن يُفترض أنّ لديهم اطلاعاً أكبر بأننا لا نعلم شيئاً عمّا يجري في العراق منذ ثورة العام 1958 أو تسلم حزب البعث الحكم عام 1968، أو على الأقل استيلاء صدام حسين على السلطة كلّها عام 1979.غير أنّ هذا الأمر ليس صحيحاً بالطبع. وتؤكد دراسات عميقة وموثقة جدا لماريون وبيتر سلوغليت وسواهما بأنّ النظام البعثي قام بتوفير احصاءات جيدة تتعلّق بالانتاج والتجارة والاستثمار والانفاق في مجالي الصحة والتعليم حتى منتصف الثمانينات. كما يُعرف الكثير عن أسس إطارات الحزب القياديّة وسياساته تجاه مؤيّديه ومحاولاته في اعادة هيكلة البنى الاقتصادية وتحالفاته مع ايران خلال الحرب وبعدها. وفي الواقع، لن يكون من الجرأة اذا أكّدنا أننا لو أضفنا هذا النوع من المعلومات على ما نعرفه عن هيكلية العراق الاجتماعية بدءاً من حنا بطاطو وغيره، لتمكّنا من الحصول على فكرة واضحة عن مسار البلد الاجتماعي والاقتصادي وصولاً الى احتلال الكويت عام 1990.
غير انّ التسعينات شكّلت ما يشبه الحفرة السوداء. فلم تتوقّف السلطة العراقية عن إصدار الاحصاءات فحسب، بل شرعت في التعجيل في ردم الهوّة بالتخمينات التي امتزجت ببعض التوقّعات، كعمل بعض العراقيين الذين يمضون الوقت في المنطقة الحرة في كردستان. وكانت هذه التخمينات منقسمة، إمّا لكسب رضا الحكومات الغربيّة أو لتسجيل بعض النقاط في السياسة المحليّة. وإذا حالفنا الحظّ ، يمكن أن يتمّ ملء العناصر المفقودة من خلال استعمال ثروة السلطة النفيسة ووثائق حزب البعث التي عولجت في مشروع ذاكرة العراق.
مع ذلك، فمن الحكمة ألا نتوقّع الكثير. وعلى رغم أنّ نظام الحكم ترك بصماته وأرقاماً قياسيّة في ممارساته الاجراميّة، فمع غياب أي مسح وأدوات احصائية فاعلة، يبقى ادراكه للتغيّرات الاجتماعيّة الضخمة التي بدأت بالعقوبات الدوليّة المصحوبة بمحاولات السلطة اليائسة والمتزايدة للبقاء، أمراً مشكوكاً فيه. فما السبيل الى مدّ جسر عبور بين معلوماتنا عن العراق قبل العام 1990 وجهلنا الكبير عنه بعد ذلك التاريخ؟ هنا يكمن التحدّي.مدير مركز
دراسات الشرق الاوسط في جامعة هارفرد.














التعليقات