في مقابلة لها مع فضائية "إم بي سي" في برنامج "حكايتي" الذي تقدمه نيكول تنوري، تحدثت سهى عرفات زوجة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عن قصة حب جمعتها بالقائد الذي لطالما أكد أنه لن يتزوج بغير "القضية" ليفاجئ العالم بعد ذلك بزواجه بسيدة تنتمي لعائلة مسيحية معروفة في رام الله وتصغره بأربع وثلاثين عاما.. سهى الطويل التي جعلت الزعيم يعدل عن رفضه للزواج ويولي عرفات الإنسان اهتمامًا.. سجلت الحوار في باريس، بعد وقت قصير من اندلاع انتفاضة الأقصى، التي غادرت على أثرها الأراضي الفلسطينية عام 2000، تاركة وراءها شعبًا غاضبًا وجه اليها انتقادات لاذعة بأنها تعيش "البحبوحة" فيما يعيش الفلطسينيون ظروفًا اقتصادية بائسة وسط أعمال عنف مروعة.
ولم يذع الحوار الا مساء اليوم بناء على رغبة السيدة سهى ومراعاة منها للأوضاع التي كانت سائدة على الأراضي الفلسطينية. وتعتبر سهى انه على الرئيس ان يحتضن شعبه، وتتحدث عن حياتها "كنعجة بين أسدين" بالاشارة الى ابتنها زهوة وزوجها الذين يتشابهان في الطباع، وترجع اسباب الخلافات التي واجهتها مع القيادة الى شخصيتها الصريحة، إلا ان ذلك لم يمنع تعايشها معهم كأنهم عائلة واحدة. وتطرقت سهى في حديثها الى أبو عمار الأب الذي لطالما عاش حياة تقشف لم يفرضها على عائلته.
وتعتبر سهى أنها اختارت القسوة لأنها احبت الرجل، الأمر الذي وضعها أمام خيارين، فإما ان تعيش في ظل رجل أو أن تنطلق بالحياة، وهي اختارت الثاني. تضيف "تزوجت وواجهت العالم لوحدي في غيابه" معتبرة أنها قد تمرست على الشخصية القوية التي تتمتع بها، فهي كانت شديدة الهدوء في صغرها، "ولكن قسوة الحياة مع ابو عمار غيرتني"

ولم تنزعج سهى من غموض ابو عمار "فهو ليس مجبرًا" على سرد الأمور المتعلقة بالثورة لها. تضيف "الأفضل ان لا اعرف بهذه الأمور" مشيرة الى انها كانت تغادر المنزل قبل توقيع اتفاقية أوسلو، وأثناء اجتماعات زوجها السرية مع وزير الخارجية النروجي وتيري رود لارسن في ذلك الوقت، لأنها تعتبرها "خصوصيات سياسية" لا تقحم نفسها بها. تضيف "كنت اترك البيت تحت رغبة عرفات ولا أقحم نفسي في هذه الأمور، وكنت اشعر ان هناك جوا غير عادي في المنزل".
وتقول سهى "انا لا اعارض ابو عمار وأعتبره مظلوما" مشيرة إلى أنه يتوجب على الرئيس ان يحتضن شعبه ويصغي اليه، مضيفة "طالما لم نحصل على الأرض الفلسطينية يعني نحن نعيش الظلم
"لطالما واجهت عرفات بالحقيقة وربما هذا ما جذبه إلي"
وتعتبر سهى زواجها بعرفات، الذي تم سرًا عام 1990 وأعلن عنه بعد ذلك بعامين، "مفصلا" هاما في حياتها، إذ رأى الزعيم الفلسطيني فيها "المرأة التي لم تبهر به كونه رجل سلطة". وتضيف سهى "أنا امرأة طبيعية، عشت في جو سياسي واجتماعي وثقافي وقد أحببت عرفات الرجل وليس رجل السلطة". وتقول "ربما هو انبهر بي لأني لا أؤله أو أعظم، ولطالما واجهته بالحقيقة وربما هذا ما جذبه إلي
بعد ستة أشهر من زواجهما، نشرت صحيفة هآرتس نبأ الزواج، وأرجعت تسريب الخبر الى والدة سهى، الأمر الذي نفته سهى أثناء المقابلة. كما نفت أن تكون والدتها قد دبرت زواجها من عرفات ثم صرحت بغير ذلك، مؤكدة أن عائلتها عارضت هذا الزواج، إلا انها وابو عمار لم يستشيرا احدا.
والتقت سهى بأبي عمار للمرة الأولى في الأردن عام 1985، حين زارته برفقة اخوتها بصفته رئيسًا. وبعد ثلاث سنوات إلتقته مجددا في باريس أثناء تطوعها للترجمة، وقد طلب يدها للزواج، فكانت المسألة "أمر واقع" بالنسبة لها، وانتقلت بعد ذلك إلى عزة للعمل معه كسكريتيرة.
واقتصرت انتقادات القياديين على ان الزعيم الفلسطيني تزواج من "سكرتيرته" وليس من إمرأة ذات تاريخ نضالي، كما انتقدوا فارق العمر بينهما، إلا انهم احترموا في النهاية رغبته.
واستشهدت سهى، في ردها على اسباب كثرة الشائعات من حولها، بقول معروف للراحل عبد الوهاب "كلما كتبوا عني عليت أكثر". وترجع سهى سبب كثرة الشائعات الى أوضاع الصراع العامة التي يعيشها الشعب الفلسطيني مع إسرائيل.

اشتباك مع المقربين من عرفات

وكانت قدرة سهى على التأثير على عرفات قوية جدًا، الأمر الذي نتجت عنه خلافات كثيرة بينها وبين القيادة الفلسطينية. وتعتبر سهى أنه من الطبيعي ان يكون لكل زعيم "حاشية" التي تخفي عنه أمورا وتسمعه ما يرضيه، أما هي فكانت تصارحه بالحقيقة دومًا. وتضيف "اعتدت على من حوله وأعتبر الجميع بالرغم من الخلافات كعائلة واحدة".
يذكر ان سهى لطالما واجهت المتاعب مع القيادة الفلسطينية بسبب افتقارها للديبلوماسية، وكان آخرها ما اثارت قبل وفاة زوجها باتهامها ابرز القياديين الفلسطينيين بالرغبة في "دفنه حيا" ليرثوا سلطاته.

"أعيش بين أسدين"

إذا، تزوج عرفات بسهى وكانت زهوة وليدة هذا الزواج، رغم ان ابو عمار كان يتمنى - كأي رجل شرقي - أن يكون مولوده الأول ذكرًا. إلا انه فرح بمجيء زهوة كثيرا وحملها اسم والدته "زهوة أبو السعود" التي فارقت الحياة وهو لا يزال في الثالثة من عمره.

ولم يتمكن عرفات من مرافقة زوجته الى المستشفى يوم ولدت زهوة، وتقول سهى في هذا الإطار "أنا ككل إمرأة كنت أحتاج الى وجود زوجي الى جانبي، لكنه لم يحضر الا بعد يومين من الولادة"، مشيرة الى ان وجود عائلتها بجانبها لم يسد الفراغ الذي أحدثه غياب زوجها عنها في تلك الفترة. وأعلنت سهى عن محاولة اغتيال تعرضت لها ابنتها في المستشفى اثر تهديد بوجود قنبلة هناك، فوضعها الحراس الشخصيين في "واق" للحفاظ على سلامتها وتنقلوا بها من مكان الى آخر، الأمر الذي أبكى سهى آنذاك.

واعتادت زهوة أيضا على بعد والدها عنها، إذ كانت تراه في المناسبات لانشغاله الدائم بالمسؤوليات السياسية والاجتماعات. وتقول سهى "كنا نراه لنصف ساعة فقط"، مضيفة أنها تمنح ابنتها كل الحب والحنان ووجود الأب أمر "معنوي"، فهناك الكثير من الأطفال الذين فقدوا آباءهم بسبب ظروف العيش الصعبة على الأراضي الفلسطينية.

وتعتبر سهى ان أبو عمار منح زهوة عاطفة جياشة تعوضها عن غيابه الدائم، رغم ان الفترات التي كان يقضيها معها قصيرة جدا، اذ شاركها الرسم وكانت عاطفته تظهر اكثر حين تمرض، فيترك المكتب ويعطي الأولوية لابنته. وتضيف "لا أرغب في ان تخوض ابنتي معترك الحياة السياسية، وكذلك والدها فهو يخاف عليها كثيرا".
ولا تنعكس حياة الحرمان والتقشف التي عاشها الزعيم الفلسطيني على ابنته، إذ تؤكد سهى أنها لا تقسوا عليها حتى ولو طلب منها ابو عمار ذلك. وتضيف سهى "أبو عمار يعيش حياة تقشف وهو مقل في طعامه، يحب البلح والشوربة والدجاج"، وخاصة في شهر رمضان المبارك، لكنها لا تحرم ابنتها من شيء.
وشكلت زهوة المفصل الثاني في حياة سهى، اذ تعبتر أن وجودها ساعدها كثيرًا على تخطي الوحدة التي كانت تعيشها بعيدة عن زوجها. ولا ينتقد عرفات تواجد زوجته في باريس لان انتقالها الى العاصمة الفرنسية تم بالتوافق معه، بسبب الأوضاع الخاصة لديهم "نحن مستهدفون". وفي باريس تستطيع تنعم سهى بحرية التنقل من مكان الى آخر وتأمين حياة طبيعية لابنتها.

وتعتبر سهى أنها "كالنعجة بين أسدين" أبو عمار وزهوة اللذان ينتميان الى برج الأسد، ويتمتعان بطباع متشابهة، إذ ان طريقة زهوة في التصرف تشبه والدها، فهي قوية وسلطوية وعنيدة جدا. وتشعر سهى أحيانا بظلم لأنوثتها جراء كلام الناس وأحكامهم. وتضيف ان زواجها من ابو عمار جاء عن اقتناع تام، دفعها الى الوقوف معه وتقدير ظروفه وتفهم الأسباب وراء غيابه الدائم، وحين تلتقي به بعد غياب "يكون للقاء طعما آخر". وتبرر سهى لزوجها غيابه عنها "لأن لهذا الرجل قضية" وهذا ما يخفف الاحساس بالظلم.
واعتاد أبو عمار على نمط الحياة السريع، فهو ينتقل من اليابان الى فيتنام الى الصين، لدرجة جعلت الأب بولس يطلق نكتة مع الزعيم الفلسطيني مفادها أنه وبسفره الدائم اقرب الى الله من الأب المتدين.

وتختم سهى بالقول "كل شيء مشروع ما دامت فلسطين تحت الاحتلال".