هناك من يريد استغلال الهجمات على أميركا للاصطياد في الماء العكر والتنفيس عن أحقاده
&
سراييفو- عبد الباقي خليفة: ليس من السهل اجراء حوار صحافي مع علي عزت بيغوفيتش الرئيس البوسني السابق ورئيس حزب العمل الديمقراطي الذي قاد البوشناق المسلمين عشر سنوات كاملة، نصفها تقريبا في الحرب ونصفها الاخر او اكثر بقليل في فترة ما بعد توقيع اتفاقية "دايتون" التي سيحتفل بالذكرى السادسة لتوقيعها قريبا، ولا تزال تأثيراته واضحة على الساحة البوسنية. وتتزامن ذكرى توقيع اتفاقية "دايتون" مع مؤتمر حزب العمل الديمقراطي الذي سيعقد في العاشر من هذا الشهر والذي يمكن ان يعلن فيه بيغوفيتش تخليه عن قيادة حزبه، كما تخلى في العام الماضي وفي نفس الشهر عن رئاسة البلاد بمحض ارادته. علي عزت بيغوفيتش يبلغ من العمر 76 عاما قضاها في النضال، وحالته الصحية ليست على ما يرام، لكنه اعطى "الشرق الأوسط" حيزا من وقته، فكان الحوار التالي:
* هل ستتركون قيادة الحزب؟
ـ بصدق لا اعرف حتى الان، انتظر اراء القواعد الحزبية والكوادر حول هذا الموضوع وفي العاشر من اكتوبر (تشرين الاول) الجاري سوف اعلن قراري النهائي.
* في العاشر من اكتوبر سيعقد مؤتمر حزبكم، حزب العمل الديمقراطي، ما هي المواضيع والقضايا المطروحة على لائحة مؤتمركم.
ـ هناك عدة قضايا، اهمها التأكيد على وطنية حزبنا ونفي الطائفية عنه، فحزبنا وطني يناقض الطائفية ويدعو الصرب والكروات الوطنيين الى الانضمام اليه، وجعل الانتماء للبوسنة فوق كل النعرات التي من شأنها تقسيم البلاد ولو على المستوى الطائفي، وبذلك نمهد لدخول البوسنة للاتحاد الاوروبي. ولا يمكن ذلك بدون تعزيز اجواء الثقة بين طوائف البوسنة وجعلهم شعبا واحدا له ثلاث ديانات وينتمي الى ثلاث عرقيات، اضافة الى رفع الشباب الى الصف الاول داخل الحزب، فالشباب هم قادة الغد وهم المستقبل.
* سلم ثلاثة جنرالات من جنرالات الجيش البوسني انفسهم الى محكمة جرائم الحرب في لاهاي، وهم متهمون بارتكاب جرائم، ويمكن ان تتطور تلك الاتهامات الى توريط القيادات السياسية ايضا، كيف تنظرون الى هذا الامر؟
ـ مسؤولية القيادة يمكن ان تؤخذ بعين الاعتبار في الجيوش الشرعية التي تقوم بالدفاع عن الوطن، وفي اثناء ذلك قد ترتكب اخطاء وحتى جرائم، تتجاوز خطوط الدفاع الضرورية. هذا ما حدث بمنطقة غرابوفيتسا بوسط الهرسك للاسف. المدنيون من المسلمين الذين قتلوا في الحادثة كانوا اكثر بكثير من القتلى الكروات، ولكن هذا لايعني ان الجنرال سفر خليلوفيتش قائد الجيش البوسني السابق مسؤول عن القتلى الكروات. ففي مذكرة الاتهام، سجلت المدعية العامة لمحكمة جرائم الحرب في لاهاي استنكار الجنرال خليلوفيتش للجرائم وتنديده بها. واعتقد اننا اخطأنا عندما لم نرفع في الوقت المناسب قضية ضد مجلس الحرب الكرواتي الذي تسبب في احداث غاربوفيتسا. ولو فعلنا ذلك لوفرنا الذهاب للاهاي، والذي يستغله اعداء البوسنة للمساواة بين المجرم والضحية وبين من كان معتديا ومن كان معتدى عليه.
* هل هناك مساع لتوريطكم شخصيا خاصة ان صحفا صربية وكرواتية (حتى بعض المسؤولين الصرب) طالبوا بان تكونوا في نفس الطائرة التي تنقل رادوفان كارادجيتش الى لاهاي؟
ـ اقول مرة اخرى ان اعداء البوسنة يفرحون بهذا، ومن مصلحتهم السياسية تزوير الحقائق ومغالطة التاريخ وتسوية ما لا يمكن تسويته، ومحاولة تمرير كذبة "الحرب الاهلية" للمرة المليون، بينما كانت الحرب عدوانا من دولتين جارتين للبوسنة والهرسك، استخدمتا امتداداتها الطائفية في البوسنة كرأس حربة لتقسيمها بينهما وابادة شعب اخر هو الشعب البوشناقي المسلم. هذا ما حدث بالفعل.
* قالت كارلا ديل بونتي ممثلة هيئة الادعاء بمحكمة جرائم الحرب في لاهاي "ان تسليم كرواتيا لجنرالات كروات لا يعني تغيير حقيقة طابع الحرب الدفاعية التي خاضتها"، وذلك اثناء لقائها بالرئيس ستيبان ميسيتش ورئيس الوزراء راتشان. هل قالت شيئا مماثلا عندما مثل الجنرالات البوشناق امام المحكمة في لاهاي عن طبيعة الصراع في البوسنة؟
ـ في قضية البوسنة والهرسك ليس من الضروري ان تدلي كارلا ديل بونتي بتصريح خاص، لان محكمة جرائم الحرب في لاهاي فعلت ذلك اثناء محاكمة المتهمين تاديتش وكورديتش. واكدت المحكمة على انه حدث عدوان خارجي على البوسنة والهرسك. اذن كانت حربنا حرب تحرير ودفاع عن النفس، وهذا جزء صغير من تاريخنا سجلته المحكمة الدولية.
هناك حملات ضد البوسنة تقول ان فيها اراهابا منظما، لا سيما بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن الاخيرة. وهذا قد يخدم الاهداف الصربية والكرواتية، فبعضهم صار يقول: "ألم نحذركم من قبل؟ هل علمتم من كنا نقاتل؟ ألم ندعكم للتحالف معنا ضد الارهاب الاسلامي". كأن الكروات والصرب نسوا انهم قاموا بعدوان ضد البوسنة والهرسك خاصة ان المجتمع الدولي ومحكمة جرائم الحرب في لاهاي اكدا ذلك. فمحكمة لاهاي اكدت في مادتين الطابع الدولي للحرب في البوسنة والهرسك. وهاتان المادتان تعتبران مصدرا ملهما للقانون وللاحكام الصادرة ضد المجرمين في لاهاي. انا لا ارى ما يراه البعض ممن يمثلون شهود العواصف والاعاصير التي تملأ الافاق الان، والتي يخيل اليهم وكأنها يوم القيامة. هذه بالنسبة اليَّ هباء سيذهب وتبقى الجبال. كل ما يقوله الصرب والكروات ضباب قد يمنع الرؤية، لكنه زائل لا محالة، وستبقى الحقائق مثل الجبال لا تتغير ولا تزول، منها انه وقع عدوان على البوسنة والهرسك من قبل الصرب والكروات، تشهد عليه عظام البوشناق المسلمين الراقدة في المقابر الجماعية. لقد حدث ذلك ولا يمكن اخفاؤه. وهذه الحملات التي تتحدث عنها ونحن نعلمها لا تغير من الحقيقة شيئا. اما المجاهدون فمعظهم غادر البوسنة والهرسك بعد توقيع اتفاقية "دايتون" مباشرة. ومن تبقى منهم خلع اللباس العسكري. والناطق باسم "كي فور" (القوات الدولية العاملة في البوسنة والهرسك) في الاونة الاخيرة قال "نحن نعلم ان حوالي 100 رجل تزوجوا من بوسنيات، والان هم مواطنون يحملون الهوية والجواز البوسني" لذلك اقول ان القوات الدولية تعلم عن الاوضاع في البوسنة والهرسك، اكثر مما يعلم كثير من الصحافيين.
* في هذه الايام تتحدث "الماكينة" الاعلامية الصربية ايضا عن ان كرادجيتش وملاديتش قاما بعمل رائع لانهما ذبحا الارهابيين، وانه بدل اعتقالهما ومحاكمتهما يجب اعطاؤهما جوائز! كيف تعلقون على ذلك؟
ـ الهجوم على المدن الاميركية، جعل البعض يستغل الفرصة للتنفيس عن احقاده، وللصيد في المياه العكرة التي يعيشها العالم هذه الايام، فيعيد الحديث عن الخطر الاسلامي ويحرف مسيرة الانسانية. لذلك نرى اليوم دولا وساسة وصحافيين يحاولون عبثا ان يبرهنوا على انهم اميركيون اكثر من الاميركان او كما يقول المسيحيون: "كاثوليكي اكثر من بابا روما".
* قال احد الصحافيين البوسنيين ان الخوف صار يتملكه كلما نظر الى جواز سفره البوسني لانه اصبح متهما مع سبق الاصرار والترصد من قبل الامن في المطارات الدولية. وتساءل البعض لماذا يملك الارهابيون جوازات سفر بوسنية؟
ـ قالت احدى الصحافيات الالمانيات انها رأت اسامة بن لادن في البوسنة والهرسك وكتبت ذلك في صحيفة رصينة مثل "دير شبيغل". ليس ذلك فقط، وانما ذكرت انها رأته في مقر الرئاسة بسراييفو اثناء الحرب. كيف تذكرت ذلك الان؟ ولماذا لم تخبر عنه من قبل؟! اننا نعيش ازمة مصداقية حتى على مستوى السلطة الرابعة، وتلك مأساة حقيقية، لان الصحافة يمكن ان تؤدي دورا تنويريا، لا ان تكون جزءاً من المؤامرة على الحقيقة. وقال البعض ان بن لادن يملك جواز سفر بوسني. ماذا يفعل بن لادن بجواز سفر بوسني، اذا كان يستطيع امتلاك جواز سفر الماني او سويدي؟ هل كان الجواز البوسني سيساعده كثيرا في تنقلاته افضل من اي جواز سفر اخر يمكنه الحصول عليه؟ هل ان المتهم الاول في تفجيرات نيويورك وواشنطن لم يستطع الحصول على جواز الماني مثلا؟!
* هناك مخاطر تحيط بالمجاهدين العرب الذين قاتلوا الى جانبكم اثناء الحرب، وهناك مخاوف من طردهم، وقد يترتب على ذلك مآس تحيق باطفالهم وزوجاتهم في البوسنة والهرسك من بعدهم.
ـ اظن انكم قرأتم بيان حزب العمل الديمقراطي بهذا الشأن. لقد رفعنا صوتنا ضد الضجة المفتعلة، وطالبنا باحترام القوانين وحقوق الانسان. نحن لا نعلم هل ان اولئك الناس مذنبون ام لا. فهذا راجع الى دور المحكمة التي يتعين عليها ان تثبت ذلك او تنفيه.
* استنكرتم الهجوم على نيويورك وواشنطن وقلتم انه من غير المقبول جعل العالم الاسلامي يبدو في صورة شيطان في الغرب، كما انه من غير المقبول اعتبار كل ملتح ومعمم او مرتد طاقية من اتباع بن لادن. هل يمكن ان توضحوا موقفكم اكثر؟
ـ يمكنني ان اكرر الجواب عن سؤال مماثل وهو انني استنكر كل عمل ارهابي بغض النظر عمن يصدر. لكنني اعارض الحملة ضد الاسلام التي تنتشر في العالم مثل الحريق.
* كنتم تقولون ان اسقاط حزب العمل الديمقراطي من الحكم هو بمثابة كسر العمود الفقري للشعب البوشناقي المسلم في البوسنة والهرسك. الان وبعد خروجكم من الحكم يقول البعض انكم لم تعودوا تمثلون قوة سياسية فاعلة. كيف تردون على ذلك؟
ـ يمكنني القول ان محاولات تدمير حزب العمل الديمقراطي لا تزال مستمرة حتى الان، ومحاولات كسره لم تتوقف. فقد حاولوا بكل الطرق كسره لكن ذلك استعصى عليهم. وكمتابعين للوضع في البوسنة، تعرفون الوسائل التي استخدمت ضد حزب العمل الديمقراطي، ومنها وسائل الاعلام التي امرت بعدم تغطية نشاطاتنا.
* من أمر بها؟
ـ جهات خارجية لا داعي لذكرها. ففي سراييفو، هناك فقط اكثر من الف ناشط في اجهزة الحزب المختلفة ولهم الموقف نفسه في زينتسا وتوزلا وغيرها. ولا زلنا نعتقد ان قوة البوشناق شرط لقوة البوسنة، وقوة حزب العمل شرط لقوة البوشناق والوطنيين من ابناء البوسنة والهرسك من مختلف الطوائف.
* بعد خروجكم من الحكم وتولي السلطةَ تحالفُ الاحزاب التسعة، قالت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة مادلين اولبرايت ان البوشناق بخلاف الصرب والكروات انتخبوا الديمقراطية. ما هوالتحول الذي تم في البوسنة بخروجكم من السلطة؟
ـ الخروج من السلطة كان في مصلحتنا، وقد كان علينا ترك السلطة مباشرة بعد انتهاء الحرب. ونحن لم نحافظ على السلطة باستفتاءات "مفبركة" وانما بانتخابات حقيقية. وخرجنا منها بانتخابات كذلك، وكان ذلك في مصلحتنا. ولقد تحملنا مسؤولية الحفاظ على البوسنة لمدة عشر سنوات، فخلال الحرب كنا ندافع عن وجود البوسنة وعن الذين استهدفهم العدوان، واستطعنا المحافظة على اهم المدن. وبعد الحرب واجهتنا مشاكل معقدة مثل معالجة تركة الحرب، واعادة بناء ما دمره العدوان، واعادة اللاجئين الى ديارهم، وصرف معاشات المعاقين وعوائل الشهداء ورواتب موظفي الدولة ومخصصات الجيش والشرطة. قالوا اننا ارتكبنا اخطاء. بالطبع ارتكبنا اخطاء، لاننا قمنا بتلك الانشطة في تلك الظروف الصعبة. فهل يمكنهم تجنب الاخطاء بعد ان وصلوا الى السلطة؟ الان امامهم الفرصة، فليحاولوا ذلك، ونتمنى لهم النجاح.
* لكن الوضع الان اكثر سوء مما كان عليه اثناء حكم حزب العمل الديمقراطي، لقد تهاوت كل الوعود وتبخرت، وانخفضت رواتب المتقاعدين بنسبة 25 في المائة، وسيقع تخفيض رواتب الاطباء، ولم تأت الاستثمارات الاجنبية التي كانوا يعدون بها، كما ازداد الكروات تمردا وطلبا للانفصال، وصار الصرب اكثر تقربا من يوغوسلافيا، ووزير الدفاع انيتش يؤيد فكرة جيوش ثلاث. بكلمة واحدة هناك فوضى.
ـ التحالف القائم يمثل مجموعة من الاحزاب غير المتجانسة فكريا بشأن مستقبل البوسنة والهرسك. وكما قلت: وزير الدفاع يؤيد فكرة ثلاثة جيوش لدولة واحدة. وبذلك لا يمكن للبوسنة الدخول في برنامج الشراكة من اجل السلام، ولا في المؤسسات الاوروبية. صحيح انه لما كنا في السلطة كان هناك ثلاثة جيوش، ولكن الوضع الان كما تعلم صار أسوأ. كل التقدم الذي حصل على مستوى توحيد الجيش الفيدرالي رجع الى الوراء. والجيش الفيدرالي ينحصر عمليا الان في العنصر البوشناقي فقط. هناك ازمة سياسية في البلاد، التحالف الحاكم لا توجد له سلطة حقيقية سوى في الكانتونات ذات الاغلبية المسلمة، اما في المناطق الكرواتية فليس هناك اي نفوذ للحكومة. كنا طرحنا بعيد الانتخابات فكرة حكومة موسعة من مختلف الاحزاب، لكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي كان يريد كل السلطة. هنيئا له، ولكن في ثلث البوسنة فقط. نحن لسنا سعداء بذلك لاننا في نفس السفينة، واذا كانت السفينة تغرق، فلا يهدئ من روعنا كون قائد السفينة من رجالهم.
* ما هو دور المجتع الدولي في ذلك؟ هل يريد تقسيم البوسنة؟ وزير خارجية اميركي سابق من وزن هنري كيسنجر، وكاتب من طراز توماس فريدمان، ومخضرم من امثال اللورد اوين، وبعض الصحف الفرنسية والانجليزية، اوحت او طالبت صراحة بتقسيم البوسنة، وبعضهم نادى بتقسيمها بين كرواتيا وصربيا.
ـ لا اقول ان المجتمع الدولي يريد تحقيق ذلك في البوسنة. عندما ننظر الى اهداف معلنة رسميا في البوسنة، يمكن القول انه لا توجد مصداقية لسياسة المجتمع الدولي في البوسنة والهرسك. نسمع كثيرا من التصريحات المتناقضة، هناك من يدلي بدلوه في قضية البوسنة ويجعل حقيقة الاوضاع فيها. وهؤلاء هم من الاجانب الذين يتلقون رواتب كبيرة، ويمثلون 20 دولة في العالم، لا يعبرون عن سياسة دولية بقدر ما يخدمون اهدافا دولية معينة. ومن الواضح ان بعضهم ينفذ سياسة بلده لا سياسة المجتمع الدولي. لذلك نقول ان موقفنا نحن هو الذي يحدد مستقبل البوسنة والهرسك سواء اراد (المجتع الدولي) بناء البوسنة الموحدة او تقسيمها. يجب علينا بناء الثقة، وايجاد مصالح مشتركة بيننا وبين الصرب والكروات. تجمعنا مع صرب وكروات البوسنة الحدود الدولية وعنصر مهم هو الفقر الذي نواجهه كلنا، ويجب ان نتعاون جميعا على ذلك. وبدون ذلك لن يأتي المستثمرون الجدد ولن تضخ الاموال، ولن تفتح مصانع جديدة واماكن عمل للعاطلين. عندنا بطالة وفقر واضطرابات اجتماعية. الحقائق الاخرى قد تكون مختلفة لكن حقيقة الفقر جلية سواء في سراييفو او بانيا لوكا او موستار او غيرها من المدن البوسنية. والحل يكمن في التعاون فيما بيننا على ارض البوسنة الموحدة وسوق البوسنة المتداخل. وسواء عاجلا ام اجلا سوف نصل الى ذلك الاستنتاج. وكلما كان الوصول اقرب كان الامر افضل. وتوحيد الاقتصاد من شأنه ان يعزز الوحدة السياسية للبوسنة والهرسك.
* قريبا تحل الذكرى السادسة لاتفاقية "دايتون"، هل اثرت الاتفاقية على نظرتكم الخاصة للبوسنة ومستقبلها؟
ـ الافكار والنظريات وحدها لا تغير مسار التاريخ. هناك عامل اخر اسمه القوة. هناك مفكرون ومؤلفون يعتبرون ان القوة وحدها فقط تغير مجرى التاريخ وان الافكار لا تأثير لها على الاحداث، وهذا رأي غير صحيح واعتقاد خاطئ تاريخيا على الاقل. موافقتنا على "دايتون" فرضتها موازين القوة. لقد شكلت القوة موقفنا. موقف العالم كان له تأثير في بلورة اتفاقية "دايتون". لكن مهما كان الامر، فانه لا يمكن النظر لدايتون بعيدا عن السياق التاريخي ومجرى الاوضاع انذاك. تم توقيع اتفاقية "دايتون" في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995 ونحن على ابواب شتاء رابع من القتال، وكانت جميع القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا قد اتخذت موقفا بشأن انهاء الحرب. كنا قد دخلنا في تحالف مع كرواتيا مجددا، وحررنا معها مناطق شاسعة كان يسيطر عليها الصرب داخل كرواتيا. لكن فرانيو تودجمان رئيس كرواتيا الراحل سحب قواته التي كانت تساعدنا في 20 سبتمبر (ايلول) 1995 واعلن انه لن يسمح بدخول اية رصاصة الى داخل البوسنة عبر الاراضي الكرواتية. كانت هذه خريطة الاوضاع اثناء المحادثات في قاعدة دايتون بولاية اوهايو الاميركية.
* اشرتم قبل قليل الى دخول البوسنة الى الاتحاد الاوروبي وهو ما تضمنته اتفاقية "دايتون"، ماذا ستكسب البوسنة او تخسر بدخولها الى الاتحاد الاوروبي؟
ـ ستحصل على ضمان البقاء البيولوجي، وقد تحيط بها الاخطار اذ سيكون بقاؤها الروحي مهددا. لا يغيب عن اذهانكم ان هناك ابادة جماعية تهدد المسلمين في البوسنة والهرسك ولا يوجد امان مطلق في التاريخ. الخيار الاوروبي له ميزة، وهو دمج البوسنة والهرسك او اعادة توحيدها في فضاء اوسع هو الاتحاد الاوروبي او اوروبا الكبرى، لذلك كما تلاحظون هناك مقاومة صربية لدخول البوسنة للاتحاد الاوروبي، وهذا واضح وجلي في الحقب التاريخية الماضية. تعرض البوشناق لحملات ابادة، لكن الاعداء لم يستطيعوا ابادتهم. كانوا كلما وقعوا ارضا يقومون من جديد. الان اصبح دور المدارس، وخاصة الاسلامية، ملحا. اذ يجب ان يكون لنا الأئمة والخطباء المثقفون الجامعيون (وان كانت هناك امكانية ان يكونوا دكاترة)، فالشعب المثقف لا يمكن تذويبه او ركوبه، وفي حال تم انضمام البوسنة للمؤسسات الاوروبية المختلفة، فان خطر انفصال الصرب سينزل الى مستوى الصفر.
* البند السابع من اتفاقية "دايتون" اكد حق المهجّرين في العودة الى ديارهم، لكن الملاحظ ان المجتمع الدولي لا يبدي الحزم الضروري تجاه تصرفات الصرب حيث قاموا بتوزيع ممتلكات المسلمين ومارسوا ارهابا ضد العائدين وصل في بعض الحالات الى القتل، وأحداث تريينيا وبانيا لوكا ليست علينا ببعيد.
ـ توجد ازدواجية المعايير في المواقف الدولية، ازاء قضية البوسنة والهرسك. الموظفون الدوليون في البوسنة والهرسك يريدون ابلاغ رؤسائهم بانهم قاموا بعمل ما لكن هل قاموا بذلك العمل بشكل عادل؟ فان هذا لا يهمهم كثيرا. المشكلة اننا لا نستطيع الاستمرار حاليا بدون المجتمع الدولي.
* هناك من يتشاءم بسبب كثرة المهاجرين الى الغرب بحثا عن حياة افضل.
ـ لماذا التشاؤم. لن تبقى البوسنة خالية وسنستمر في البقاء. الناس كانوا يغادرون دائما من البوسنة في زمن يوغوسلافيا السابقة. كان هناك 700 ألف بوشناقي في الخارج، وهو نفس العدد اليوم. سراييفو ومختلف المدن والارياف تزدحم بالمسلمين.
&