غسان عبد الخالق: ما الذي يدفع بمخرجين حازوا على السعفة الذهبية في مهرجان "كان" للتسابق من جديد مع افلامهم في كل مرة تقبل فيها افلامهم في المسابقة الرسمية؟ وما هو السبب الذي يدفع بادارة المهرجان الى قبول افلام المخرجين الذين سبق ان فازوا بالسعفة الذهبية؟
السؤالان في الحقيقة يحتملان اكثر من جواب: فالمخرج يستطيع القول انه اذا كان المهرجان يعطيه هذه الفرصة للفوز من جديد فلماذا يرفضها، والمهرجان يمكنه
السؤالان في الحقيقة يحتملان اكثر من جواب: فالمخرج يستطيع القول انه اذا كان المهرجان يعطيه هذه الفرصة للفوز من جديد فلماذا يرفضها، والمهرجان يمكنه
الدفاع عن هذا الخيار بان الابداع لا يتوقف عند فيلم واحد، وقد اثبتت الدورات العديدة للتظاهرة "الكانية" ان حظوظ بعض المخرجين كانت كبيرة.وحازوا اكثر من مرة على السعفة الذهبية، ومنهم من شارك مرات عديدة بعد فوزه، ولم يفز بأية جاهزة، لا بل ان واحدا من مخرجي العالم جان لوك غودار لم يحظ بالفوز في كان بالرغم من مشاركاته العديدة، مثلما لم يحظ بهذا التقدير الكبير السويدي انغمار برغمان الذي لا يقل اهمية عن غودار في تأثيره على اجيال من السينمائيين، فانتهز المهرجان مناسبة دورته الخمسين ليقدم له سعف السعف عن مجمل اعماله.
غير ان ديفيد لينش الذي حاز عام 1990 على هذه السعفة عن فيلمه " الوحشية في القلب" عاد في السنة الماضية ليقدم "حكاية سترايت" وهذه السنة ليقدم فيلمه الجديد "مولهولاند درايف"(طريق مولهولاند) الذي فاز عنه بجائزة افضل اخراجمناصفة مع الفيلم الاميركي "الرجل الذي لم يكن هناك" للمخرج جيل كوين.
طريق مولهولاند، وهي الطريق التي دفع بها حادث تصادم سيارة فخمة بسيارة اخرى مسرعة في الاتجاه المعاكس فيقتل جميع الركاب، ما عدا الفتاة الجميلة في السيارة الفخمة التي كانت على وشك ان تموت قتيلة برصاص السائق ومرافقه قبل الحادث الذي انقذها من الموت بلحظات. فتجد نفسها وحيدة تطل على المدينة الكبيرة لوس انجليس المشعة باضوائها فتتجه مترنحة من اثار الحادث الى اقرب مكان يأويها في ذلك الليل البهيم، حيث تستيقظ صباحا خائفة مذعورة فتلتجئ الى اقرب بيت في المجمع السكني الفخم الذي دخلته دون ان تدري ان اصحابه على سفر.
في اليوم نفسه تصل الى البيت فتاة شابة قريبة لساكنته الاصلية التي ذهبت الى كندا لتمثيل دور في احد الافلام، فتعثر& على فتاة اخرى موجودة في البيت، فتظن اول الامر ان الامر يتعلق بصديقة قريبتها، لكنها سرعان ما تكتشف ان الفتاة لا علاقة لها بقريبتها، وانها لا تعرف من هي بسبب الحادث الذي تعرضت له، ولا تذكر شيئا عنه غير اسم الطريق التي كانت متوجهة اليها وهي "مولهولاند درايف".
هذه البداية قد تكون بداية صالحة لأي فيلم للاثارة والتشويق في الافلام البوليسية ذات الحبكة المشغولة بعناية فائقة، لكنها مع المخرج ديفيد لينش تبقى كذلك لثلاثة ارباع الفيلم، من دون ان يغير كلاسيكية السرد بالرغم من انه سرد مطبوع باسلوب لينش وقوة تشابكه، لذلك تتوالد الاحداث بعد هذه المقدمة حاملة في تتابعها مفاجآت قد يتوقعها المشاهد المطلع، أو قد يتنبه لها في الاصح. وانما قد تكون كذلك تطورات غير متوقعة، لكنها تندرج في هذا النوع من الافلام، لذلك يظن المشاهد على مدى الساعتين الاولتين من الفيلم انه يتابع احداثا متماسكة ومعقدة وينتظر كما يجري عادة في مثل هذه الافلام ان يكتشف الحقيقة، وغالبا ما تضيف الى المفاجآت السابقة مفاجأة جديدة، غير ان ديفيد لينش عاد وقدم في النصف ساعة الاخيرة من فيلمه، الذي يقارب الساعتين ونصف مفاجأة من نوع جديد لم يتوقعها احد تحمل في مضمونها اكثر من دلالة، فقد اختلطت الشخصيات الرئيسية في الفيلم وباتت الفتاة التي جاءت الى لوس انجيليس لكي تعمل ممثلة هي الشخصية الضحية التي كانت الفتاتان تبحثان عنها، واصبحت الفتاة الناجية من الحادثة شخصية اخرى من الشخصيات& التي كانتا تبحثان عن الحقيقة من خلالها وهكذا بعملية مقصودة، أفلت ديفيد لينش الفيلم من عقال الكلاسيكية التي ميزته خلال الساعتين السابقتين فباتت شخصية "بيتي" شخصية "ديانا" واصبحت "ريتا" هي شخصية "كاميليا" ودخل الفيلم الى عوالم هي الاقرب الى العوالم التي يحلم بها كل سينمائي مبدع وكل ذلك من داخل الاحداث التي عاشها المشاهد منذ بداية الفيلم.
فكيف نجح المخرج الاميركي المدهش في تحقيق هذا الانجاز الصعب؟ ولماذا استخدم هذا الاسلوب وما هي لفائدة منه؟
احداث الفيلم تعطي الاجابة على هذه الاسئلة، لأن حكاية الفيلم هي في الحقيقة عي حكاية صناعة فيلم تترافق مع هذه الاحداث فالفتاة القادمة الى مدينة لوس انجيليس وهوليوودها للعمل في السينما كممثلة، جاءت تلبية لموعد "كاستنغ" مع احد المنتجين فيما يكون احد المخرجين الشباب يقوم بكاستنغ آخر في الستديو نفسه، والمخرج الشاب كان رفض الاصنياع لأوامر المافيا باختيار فتاة فرضها عليه رجال المال والسلام فأصبح هاربا مقطوعة عنه جميع الموارد وتركته صديقته لتصاحب البستاني الذي يعتني بحديقة البيت. جميع هذه العناصر تلتقي مع العناصر الاخرى المتمثلة بالفتاة الناجية من القتل على ايدي رجال المافيا وتحاول معرفة هويتها عبر حشرية الصديقة الجديدة التي تريد العمل في السينما وهكذا تلتقي في هذه العناصر في سياق تنشأ فيه حكاية حب بين الفتاتين قدمها ديفيد لينش بكثير من الاعتناء والرقة والشفافية وهو الذي كان اكتفى بوصف هذا الفيلم بانه "قصة حب في مدينة الاحلام" وعليه فان تلاقي الحكايات التي يرميها في الفيلم وتنوعها وتشابكها وكأنها حكايات من الحياة لها مرجعياتها المادية المرتكزة الى المكان والى الزمان والى ما يسمى بمصداقية الحدث او الاحداث التي كانت في اساس الكتابة المسرحية في لقرن السابع عشر او في الرواية الغربية فيما بعد.هذه المصداقية بلذات هي التي يمزجها ديفيد لينش بالسينما بشكل صدمة بين النوعين: السرد والتخيل/ وبمعنى اخر بين الحياة وبين السينما. ولذلك فان جملته في تعريف فيلمه بانه قصة في مدينة الاحلام، تختصر في الحقيقة هذه الرؤية الخاصة به التي يريدها ان تجمع، او بتعبير اصح، ان لا تفصل بين السينما والحياة وهو لا يقدم بذلك نظرية جديدة بقدر ما يعبر عن حالة تخصه وتخص كل فنان مبدع لا يجد نفسه ولا يجد معنى لوجوده على هذه الارض الا من خلال تحقيقه لفنه وابداعه وديفيد لينش واحد من هؤلاء المخرجين الفنانين المبدعين الذي يعشقون السينما فترد لهم هذا الحب في المقابل تقديرا واحتراما واسما لن يمحى من تاريخها.
ولم يكن لينش يستطيع وينجح في ما يسعى اليه لولا انه تمكن من كتابته للسيناريو الذي من الصعب على شخص اخر ان يكتبه بتلك المقدرة الفائقة ولو تسنى له ذلك، فمن الصعب ان يتمكن مخرج اخر غيره من نقله عن الورق الى لشاشة البيضاء عدا عن ان في هذا الفيلم بعض المشاهد التي تعد درسا في الاخراج ومنها ايضا مشاهد تعد درسا في ادارة الممثل، ذلكان الممثلة ناومي واتس قامت بدور رائع وأدت مشاهد بأكثر من اسلوب دفعت بالكثيرين الى ترشيحها لجائزة افضل ممثلة لولا ان اجماع لجنة التحكيم كان باتجاه الفرنسية ايزابيل هوبير.
ومهما يكن فان ديفيد لينش يعد واحدا من التجريبيين في السينما من خلال تناوله لمواضيع صعبة وقاسية كفيلم "الرجل الفيل" او كفيلم " كثبان" او"التوحش في القلب" واخيرا مولهولاند درايف" الذي وصل به الى هذه المستويات العالية من الرؤية السينمائية المتميزة والمبدعة التي تجمع عمق الموضوع وانسيابه بسهولة امام المشاهدين بالرغم من تشابكه المعقد، الى جمالية العمل وحسن اخراجه، فليس عبثا ان لجنة التحكيم الدولية في "كان" اعطته جائزة الاخراج لانه يستحقها ولأن هناك من دافع عن الفيلم من اجل الفوز بالسعفة الذهبية.
طريق مولهولاند، وهي الطريق التي دفع بها حادث تصادم سيارة فخمة بسيارة اخرى مسرعة في الاتجاه المعاكس فيقتل جميع الركاب، ما عدا الفتاة الجميلة في السيارة الفخمة التي كانت على وشك ان تموت قتيلة برصاص السائق ومرافقه قبل الحادث الذي انقذها من الموت بلحظات. فتجد نفسها وحيدة تطل على المدينة الكبيرة لوس انجليس المشعة باضوائها فتتجه مترنحة من اثار الحادث الى اقرب مكان يأويها في ذلك الليل البهيم، حيث تستيقظ صباحا خائفة مذعورة فتلتجئ الى اقرب بيت في المجمع السكني الفخم الذي دخلته دون ان تدري ان اصحابه على سفر.
في اليوم نفسه تصل الى البيت فتاة شابة قريبة لساكنته الاصلية التي ذهبت الى كندا لتمثيل دور في احد الافلام، فتعثر& على فتاة اخرى موجودة في البيت، فتظن اول الامر ان الامر يتعلق بصديقة قريبتها، لكنها سرعان ما تكتشف ان الفتاة لا علاقة لها بقريبتها، وانها لا تعرف من هي بسبب الحادث الذي تعرضت له، ولا تذكر شيئا عنه غير اسم الطريق التي كانت متوجهة اليها وهي "مولهولاند درايف".
هذه البداية قد تكون بداية صالحة لأي فيلم للاثارة والتشويق في الافلام البوليسية ذات الحبكة المشغولة بعناية فائقة، لكنها مع المخرج ديفيد لينش تبقى كذلك لثلاثة ارباع الفيلم، من دون ان يغير كلاسيكية السرد بالرغم من انه سرد مطبوع باسلوب لينش وقوة تشابكه، لذلك تتوالد الاحداث بعد هذه المقدمة حاملة في تتابعها مفاجآت قد يتوقعها المشاهد المطلع، أو قد يتنبه لها في الاصح. وانما قد تكون كذلك تطورات غير متوقعة، لكنها تندرج في هذا النوع من الافلام، لذلك يظن المشاهد على مدى الساعتين الاولتين من الفيلم انه يتابع احداثا متماسكة ومعقدة وينتظر كما يجري عادة في مثل هذه الافلام ان يكتشف الحقيقة، وغالبا ما تضيف الى المفاجآت السابقة مفاجأة جديدة، غير ان ديفيد لينش عاد وقدم في النصف ساعة الاخيرة من فيلمه، الذي يقارب الساعتين ونصف مفاجأة من نوع جديد لم يتوقعها احد تحمل في مضمونها اكثر من دلالة، فقد اختلطت الشخصيات الرئيسية في الفيلم وباتت الفتاة التي جاءت الى لوس انجيليس لكي تعمل ممثلة هي الشخصية الضحية التي كانت الفتاتان تبحثان عنها، واصبحت الفتاة الناجية من الحادثة شخصية اخرى من الشخصيات& التي كانتا تبحثان عن الحقيقة من خلالها وهكذا بعملية مقصودة، أفلت ديفيد لينش الفيلم من عقال الكلاسيكية التي ميزته خلال الساعتين السابقتين فباتت شخصية "بيتي" شخصية "ديانا" واصبحت "ريتا" هي شخصية "كاميليا" ودخل الفيلم الى عوالم هي الاقرب الى العوالم التي يحلم بها كل سينمائي مبدع وكل ذلك من داخل الاحداث التي عاشها المشاهد منذ بداية الفيلم.
فكيف نجح المخرج الاميركي المدهش في تحقيق هذا الانجاز الصعب؟ ولماذا استخدم هذا الاسلوب وما هي لفائدة منه؟
احداث الفيلم تعطي الاجابة على هذه الاسئلة، لأن حكاية الفيلم هي في الحقيقة عي حكاية صناعة فيلم تترافق مع هذه الاحداث فالفتاة القادمة الى مدينة لوس انجيليس وهوليوودها للعمل في السينما كممثلة، جاءت تلبية لموعد "كاستنغ" مع احد المنتجين فيما يكون احد المخرجين الشباب يقوم بكاستنغ آخر في الستديو نفسه، والمخرج الشاب كان رفض الاصنياع لأوامر المافيا باختيار فتاة فرضها عليه رجال المال والسلام فأصبح هاربا مقطوعة عنه جميع الموارد وتركته صديقته لتصاحب البستاني الذي يعتني بحديقة البيت. جميع هذه العناصر تلتقي مع العناصر الاخرى المتمثلة بالفتاة الناجية من القتل على ايدي رجال المافيا وتحاول معرفة هويتها عبر حشرية الصديقة الجديدة التي تريد العمل في السينما وهكذا تلتقي في هذه العناصر في سياق تنشأ فيه حكاية حب بين الفتاتين قدمها ديفيد لينش بكثير من الاعتناء والرقة والشفافية وهو الذي كان اكتفى بوصف هذا الفيلم بانه "قصة حب في مدينة الاحلام" وعليه فان تلاقي الحكايات التي يرميها في الفيلم وتنوعها وتشابكها وكأنها حكايات من الحياة لها مرجعياتها المادية المرتكزة الى المكان والى الزمان والى ما يسمى بمصداقية الحدث او الاحداث التي كانت في اساس الكتابة المسرحية في لقرن السابع عشر او في الرواية الغربية فيما بعد.هذه المصداقية بلذات هي التي يمزجها ديفيد لينش بالسينما بشكل صدمة بين النوعين: السرد والتخيل/ وبمعنى اخر بين الحياة وبين السينما. ولذلك فان جملته في تعريف فيلمه بانه قصة في مدينة الاحلام، تختصر في الحقيقة هذه الرؤية الخاصة به التي يريدها ان تجمع، او بتعبير اصح، ان لا تفصل بين السينما والحياة وهو لا يقدم بذلك نظرية جديدة بقدر ما يعبر عن حالة تخصه وتخص كل فنان مبدع لا يجد نفسه ولا يجد معنى لوجوده على هذه الارض الا من خلال تحقيقه لفنه وابداعه وديفيد لينش واحد من هؤلاء المخرجين الفنانين المبدعين الذي يعشقون السينما فترد لهم هذا الحب في المقابل تقديرا واحتراما واسما لن يمحى من تاريخها.
ولم يكن لينش يستطيع وينجح في ما يسعى اليه لولا انه تمكن من كتابته للسيناريو الذي من الصعب على شخص اخر ان يكتبه بتلك المقدرة الفائقة ولو تسنى له ذلك، فمن الصعب ان يتمكن مخرج اخر غيره من نقله عن الورق الى لشاشة البيضاء عدا عن ان في هذا الفيلم بعض المشاهد التي تعد درسا في الاخراج ومنها ايضا مشاهد تعد درسا في ادارة الممثل، ذلكان الممثلة ناومي واتس قامت بدور رائع وأدت مشاهد بأكثر من اسلوب دفعت بالكثيرين الى ترشيحها لجائزة افضل ممثلة لولا ان اجماع لجنة التحكيم كان باتجاه الفرنسية ايزابيل هوبير.
ومهما يكن فان ديفيد لينش يعد واحدا من التجريبيين في السينما من خلال تناوله لمواضيع صعبة وقاسية كفيلم "الرجل الفيل" او كفيلم " كثبان" او"التوحش في القلب" واخيرا مولهولاند درايف" الذي وصل به الى هذه المستويات العالية من الرؤية السينمائية المتميزة والمبدعة التي تجمع عمق الموضوع وانسيابه بسهولة امام المشاهدين بالرغم من تشابكه المعقد، الى جمالية العمل وحسن اخراجه، فليس عبثا ان لجنة التحكيم الدولية في "كان" اعطته جائزة الاخراج لانه يستحقها ولأن هناك من دافع عن الفيلم من اجل الفوز بالسعفة الذهبية.
* ينشر هذا المقال بالاتفاق مع مجلة "سينما "
للاشتراك او المراسلة على العنوان التالي:
Cinema
75 rue de Lourmel& 75015 Paris- France
Tel: 00 331 45 77 33 31&& --- Fax: 00 331 40 59 43 57
Email: [email protected]








التعليقات