&
في زحمة الأحداث الخطيرة، مرّ بكثير من الرشاقة والخفة وعدم الانتباه خبر صغير عن نقل إدارة القوات البرية في القيادة المركزية الأميركية من الولايات المتحدة إلى أعالي الخليج العربي، في محاذاة الحدود العراقية الجنوبية مباشرة.
وقد صيغ البلاغ العسكري الخاطف بذكاء إعلامي، ربما للتستر على المهمة الحقيقية، بالادعاء ان الجنرال بول نيكولاشيك قائد الجيش الثالث في القيادة المركزية، يتولى قيادة القوات البرية في الموقع الجديد المتقدم، ومهمته إدارة العمليات العسكرية البرية في أفغانستان!
وفي انتظار إيضاح أميركي رسمي أكثر تفصيلاً وصدقاً، فلا يمكن تفسير نقل هذه القيادة سوى بالإعداد لمسرح العمليات العسكرية المتوقعة أو المحتملة في جنوب العراق، وليس في أفغانستان.
وإذا لم أكن مخطئا أو متسرعا، فيمكن الاستناد إلى جملة حقائق وأدلة توحي بأن هذا الإجراء العسكري الخطير هو مقدمة لمحاولة تغيير ما في العراق قد يمهد على المدى البعيد لتغيير أوسع في الشرق الأوسط.
لقد أوشكت العمليات العسكرية الأميركية في أفغانستان على الانتهاء، وأعلنت واشنطن انها لا تعتزم إبقاء قوات لها هناك بعد سقوط نظام طالبان وتصفية قوات "القاعدة" في تورا بورا، بل لا تعتزم المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية.
من هنا، فليست هناك حاجة ملحة لنقل قيادة هذه القوات إلى الخليج، إلا إذا كانت مهمتها إدارة عمليات برية أخرى في المنطقة. وكان من الأفضل والمنطق نقلها إلى أفغانستان بالذات، بعدما أصبح للقوات الأميركية قواعد هناك على الأرض.
ويثير التداخل في المهام القيادية لغطاً وشكوكاً، فالمعروف ان الجنرال تومي فرانكس قائد القوات المركزية هو الذي يتولى إدارة العمليات في أفغانستان، الأمر الذي يدل على ان الجنرال نيكولاشيك الذي يعمل تحت إمرته، مكلف بمهمة أخرى ليس في أفغانستان، وإنما في الخليج.
لقد أنشئت القيادة المركزية أصلا في عام 1983 لدفع "الخطر السوفييتي" عن الشرق الأوسط. وأنيطت مهمتها بتغطية منطقة تمتد من باكستان وأفغانستان إلى مصر والسودان والصومال وكينيا. ثم تحول الهدف بعد نهاية الحرب الباردة إلى احتواء "خطر" إيران والعراق على الخليج واستقراره ونفطه.
وتطبيقا لذلك، فقد كانت قوات التدخل السريع في القيادة المركزية في طليعة القوات الأميركية التي شاركت في إخراج القوات العراقية من الكويت، ولعبت دوراً مهماً في جنوب العراق، وتولت دفع القوات العراقية من منطقة تمتد من الفرات الأوسط إلى مدخل البصرة.
وتضم قوات القيادة المركزية وقواعدها في ولاية فلوريدا مائة ألف جندي موزعين على ست فرق برية وفرقة مارينز برمائية، ويوجد عشرون ألف جندي حاليا في المنطقة، و500 طائرة، معظمها محمول على ظهر حاملات طائرات تتناوب على بحر العرب ومياه الخليج. وبنقل قيادة قواتها البرية إلى هناك، فهي تستطيع التدخل بسرعة للردع أو لاحتلال مناطق محددة، بانتظار وصول نجدات إضافية خلال أسابيع قليلة.
ومن خلال التنسيق العسكري والسياسي في أفغانستان بين أميركا وبريطانيا، يمكن التنويه أيضا بوجود 23 ألف جندي بريطاني في قواعد مطلة على بحر العرب ومدخل الخليج. وباستطاعة هذه القوات مشاركة القوات الأميركية هناك في العمليات المذكورة.
ولم يكن هذا الوجود العسكري وحركة قواته وقياداته ليثير الاهتمام والشكوك لو لم تسبقهما وترافقهما تحولات في الرؤى السياسية والاستراتيجية الأميركية، وكلها تؤكد وجود نية للتدخل العسكري، إذا لم تنجح السياسة والديبلوماسية في إحداث انعطاف جذري في المنطقة.
هذا الانعطاف المطلوب يتركز، بعد عملية أفغانستان، في مستويين اثنين: نقل أنظمة المنطقة من حالة الجمود المزمن إلى الانفتاح، ثم المشاركة مع الغرب في مواجهة حركات العنف "الجهادي" التي دل تنظيم القاعدة، في الرؤية الأميركية، على أنها توشك على خطف المنطقة وإرهاب أنظمتها، وصرف مجتمعاتها عن أحوالها المعيشية المتردية، لإلهائها بشعار محاربة "الكفر العالمي".
وكانت عودة آل بوش إلى حكم أميركا على رأس الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري مؤشراً أيضاً على بلورة رؤى التدخل العسكري في المنطقة العربية. نعم، بوش في محدودية رؤاه وثقافته، لا يملك مشروعاً عالمياً للتغيير، لكن فريقه الذي جاء معه ينظر إلى العالم وأزماته بمنظار عسكري، وهو الفريق ذاته الذي نفذ وقاد بنجاح عملية إخراج صدام من الكويت قبل عشر سنوات.
هناك إجماع في إدارة بوش، من تشيني ورامسفيلد إلى كولن باول، على ضرورة "التخلص" من صدام لصالح الاستقرار والسلام في المنطقة، سواء كانت له علاقة مع ابن لادن أو لا. والاعتقاد متوفر بأنه لا يمكن تحقيق ذلك باستمرار وجود نظام مطلق فقد منذ زمن بعيد أية إمكانية للتغيير والانفتاح.
ويبدو من خلال إرسال قيادة القوات البرية إلى الخليج أن بوش على وشك اتخاذ قرار بإزاحة صدام، أو أنه قد اتخذه فعلاً، لا سيما مع بدء المرحلة الثانية من حربه على الإرهاب. وكان عامل الإغراء بالتدخل النصر السهل والسريع في أفغانستان على طالبان والقاعدة.
لقد تم بالفعل وضع حيثيات التدخل في المنطقة العربية من خلال توصيات هيئة استشارية شبه حكومية وتضم غلاة المحافظين "الهجوميين"، وهم جميعاً خبراء في الإدارة والأمن والدفاع والاستراتيجية، ولهم نفوذ واسع في الحكومة والكونغرس، وصلات وثيقة بنجوم الصحافة والإعلام من أمثال وليم سفير وتوماس فريدمان وجيم هوغلاند.
وأذكر من أعضاء هذه الهيئة التي تحمل اسم (مجلس السياسة الدفاعية)، وليم بيرل (رئيسها) وهنري كيسنجر وجيمس وولسي ودان كويل ونيوت غينجريتش، وعددا من كبار الجنرالات المتقاعدين. غير أن نجمها هو بول وولفويتز نائب وزير الدفاع، وهو يهودي كاره للعرب، ومتحمس للتغيير في المنطقة وفي العراق بالقوة.
ويتلخص مشروع هذه الهيئة للتغيير بالبدء بنظام العراق، من خلال احتلال جنوبه أو أجزاء منه، بما في ذلك منابع النفط حول البصرة، وتمويل إقامة حكومة هناك تتولى تشكيل جيش للمعارضة بحماية الطيران الأميركي. وهناك اعتقاد بأن مجرد وجود هذا الكيان كفيل بتحريك الجنوب (الشيعي) والعشائر السنية وقطعات من الجيش العراقي المهمش أصلا، نحو وسط العراق وإسقاط النظام في بغداد.
وتصدر تلميحات عن اللجنة بأن إيران "تتفهم" هذا التحرك ولن تتدخل في جنوب العراق، تماماً كما لم تتدخل في أفغانستان، لكن مشروع التغيير في سائر المنطقة العربية ما زال محاطاً بالتكتم والتعتيم. والمعالم الوحيدة له تقتصر على "نصح" الإدارة بضرب معسكرات تنظيمات "العنف والإرهاب" في سورية ولبنان.
لست من هواة المبالغة والتهويل بالحشود والأساطيل الأميركية وبـ"سيناريوهات" التدخل. ومن الخطأ الظن والاعتقاد لدى إدارة بوش بأن العراق أو سورية كأفغانستان، وأن صدام هو ابن لادن أو ملا عمر آخر مستعد للاختباء أو الفرار عند أول طلقة، بل يستحيل على العالم العربي القبول بضرب عرفات والعراق في وقت واحد.
ولعل الديبلوماسية العربية قد توجهت بالنصح إلى نظام صدام بقبول التفتيش الدولي على أسلحة الدمار الجماعي لديه، وإنهاء هذه المواجهة الكاريكاتيرية مع أميركا، التي استنزفت العراق وهددت وحدة ترابه وعروبته، بعدما فقد سيادته على شماله وجنوبه ومياهه.
ولعل الإدارة الأميركية تقتنع بأن التغيير في العالم العربي يجب أن يتم من الداخل، على أن يكون دورها مقتصراً على الضغط والنصح للأنظمة بالانفتاح، وتوسيع قواعدها الشعبية والاجتماعية وعدم مسايرة قوى التزمت وتنظيمات العنف والإرهاب.
وإذا كان نظام صدام قد استنفد كل مبررات وجوده بانعدام كل أمل في التغيير أو الانفتاح، فـ"المؤتمر الوطني العراقي" ليس وحده المعارضة الصالحة للحلول محله، لمجرد أن لجنة كيسنجر وولفويتز تروّح عن نفسها باستقبال أحمد الجلبي وأعضاء مؤتمره وحفنة من ضباط المخابرات الصغار الذين كانوا يوماً أدوات قمع في أجهزة النظام.(الشرق الأوسط اللندنية)