&
ما أجمل أن تُنتج الانتخابات، أي انتخابات، مفاجأة. ما أبشع المفاجأة التي أسفرت عنها الدورة الرئاسية الأولى في فرنسا. حلّ جان ماري لوبان ثانياً وسينافس جاك شيراك في معركة محسومة النتيجة. خرج ليونيل جوسبان من السباق لتنحصر المواجهة بين اليمين واليمين الأقصى.
كان التصديق صعباً. غير أن ما حصل حصل. امتنع أقل من ثلاثين في المئة عن <<حق>> التصويت، واقترع عشرون في المئة لصالح اليمين العنصري، وتساوى هذا التيار، وريث الجنرال بيتان، مع الأصوات التي حصل عليها شيراك الوريث العاق للجنرال ديغول.
تهرب فرنسا من رؤية صورتها في المرآة. إن ثلاثة أخماس الناخبين المسجلين <<يقترعون>> ضد <<النظام>>، ويعلنون، في السياق نفسه، أن الجمهورية الخامسة تحتضر.
النتيجة المدوية تثأر من الحملة الرتيبة. ويتجاوز مصدر الرتابة شخصيتي المتنافسين البارزين على ما فيهما من تباين بين الحيوان السياسي الواقف على حافة الفساد، جاك شيراك، والنزيه الصارم الفاقد لأي كاريزمية، ليونيل جوسبان. لقد عجز كل من الاثنين عن إقناع معسكره بالسير وراءه. تشظّت الحملة وتكاثر المرشحون. ومع غلبة التعدد استمر الناخبون، بأكثرية ساحقة، يرفضون التمييز بين حامل لواء اليمين وقائد حكومة اليسار. لا يعود ذلك إلى أن فرنسا اعتادت، في العقدين الأخيرين، على <<التعايش>>. يعود إلى أن أحداً لم يعد يكلّف نفسه عناء التمايز البرنامجي عن الآخر. فالاقتراحات متقاربة إلى حد أن المواطن لا يعود يخشى فقدان حقه في الاختيار. وهو، إذ يمارسه، لا يجد حرجاً في التصويت الاعتراضي لمرشحي الحد الأقصى لأن هذه هي الوسيلة المتبقية لديه من أجل أن يتحسس طعم صوته، أي من أجل أن يُسمعه للآخرين.
يمكن القول، تقنياً، إن حملة جوسبان عانت من مشاكل. غير أن المشكلة سياسية بالدرجة الأولى. فلقد أعلن، منذ البداية، عن وسطيته مجازفاً بخسارة قاعدته الشعبية التقليدية. ولمّا تطورت المعركة حاول التمايز بنفسه عن <<العجوز>> شيراك. وانتهى به الأمر أن اعترف ب<<السذاجة>> لأنه لم يدرك التطلب الأمني للفرنسيين.
لقد أحكم إغلاق الفخ على نفسه. فإذا كان الأمن هو الموضوع الرئيسي، أي هو المشكلة والعلاج، فإن اليمين أكثر إقناعاً. لا بل يمكن القول إن اليمين المتطرف هو الأقدر على توفير الجواب الأمني لمشاكل تضرب جذورها في الأزمة الاجتماعية، وفي المخاطر التي يحسب الفرنسيون أنها تهدد هويتهم الوطنية.
عوقب جوسبان بسبب <<شيراكيته>>. وعوقب شيراك بسبب <<لوبانيته>>. لذا لم يكن غريباً أن يحصد الأصيل أصوات جمهور يفضل، في لحظة ما، أن يرتاب بالنسخ الباهتة.
غير أن العقاب تجاوز جوسبان. طال الحزب الاشتراكي وحليفه في الحكومة الحزب الشيوعي. فالمعروف أن الحكومة الحالية اتّبعت سياسة وسطية تجنح نحو اليمين. ومن المعروف، أيضاً، أنها برّرت ذلك بضرورات البناء الأوروبي ومجاراة العولمة. لذا لم يكن غريباً أن يرد الناخبون بالامتناع أو بالاعتراض يميناً ويساراً.
فعلى جبهة اليمين استقطب لوبان ذعر العولمة وأوروبا من موقع عنصري شوفيني يحذر من اجتياح خارجي للبلاد ومن طابور خامس عربي إسلامي. وعلى جبهة اليسار حققت التيارات التروتسكية نتائج (ثلاثة أضعاف الحزب الشيوعي) تؤذن، ربما، بنهاية حقبة تعود إلى 1920 وأمميتها الثالثة.
وتكشّف المشهد السياسي عن حطام. حزب اشتراكي بلا قيادة، وبلا برنامج، وبلا هوية. وحزب شيوعي باشر انحداره بسياسة العزلة لجورج مارشيه، ووالى تهاويه بسياسة الانفتاح لروبير هو. وبات المطلوب ليس أقل من البحث عن وظيفة جديدة تجيب عن معنى أن يكون المرء يسارياً، اليوم، في فرنسا من دون أن يستعيد تجربة الحكومة الأخيرة، ومن دون أن يستعيد <<الطريق الثالث>> البريطاني، أو <<الوسط الجديد>> الألماني، ومن دون أن يطرح جانباً واجب التحديث الأيديولوجي الذي يفترضه عالم اليوم.
ليس اليمين التقليدي، الجمهوري، بأحسن حالاً. والخوف هو أن يستر الفوز السهل المتوقع لشيراك الأسئلة الواجب طرحها. لقد اندفعت أحزاب هذا اليمين وراء اللامركزية الواسعة، والبناء الأوروبي الليبرالي، وتقليص دور الدولة، والتشديد على الدور الأمني للحكومة. اندفعت إلى حد بات في الإمكان معه التساؤل عن جدوى الاقتراع العام أصلاً إذا كانت المصائر الرئيسية للبلاد في أيد غير منتخَبة: المصرف المركزي الأوروبي، بروكسل، المؤسسات الدولية، الشركات الكبرى، والمقاطعات المتحللة من السلطة المركزية لصالح تجمعات ناجمة عن انفتاح المدى القاري على بعضه.
أكملت انتخابات 21 نيسان الإجهاز على محورية الاقتراع الرئاسي في الجمهورية الفرنسية الخامسة. ولذا فإن الأنظار ليست مشدودة إلى 5 أيار، موعد الدورة الثانية، بل إلى الانتخابات التشريعية بعد شهر (حزيران). وهذا انقلاب كبير يتعارض مع روح الدستور ويهدد، في ضوء النتائج الأخيرة، بإحداث حالة تصادم بين المؤسسات وبين ضرورات التمثيل الشعبي، وبين الحاجة إلى إيجاد أكثريات تؤمّن قدراً من الاستقرار. إذا حصل هذا التصادم، وهو واقع على الأرجح، فإن فرنسا ستستمر في طريق انحداري يعزز هامشيتها الدولية ويُضعف من وزنها الأوروبي لصالح محور ألماني بريطاني آخذ بالنشوء في ظل رعاية أميركية مؤكدة.
يمكن، لمن يريد، أن يتلمّس في النتائج الفرنسية بعضاً من روح العصر. فمنذ عقدين ومركز الثقل السياسي في العالم ينزاح نحو الوسط واليمين. وجاء انهيار الاتحاد السوفياتي، والاندفاعة الهوجاء للعولمة بمضمونها الليبرالي، من أجل تزخيم هذا المنحى. لذلك قال البعض إن ما انهار عند منعطف التسعينيات لم يكن <<الشيوعية>>. فهذه كانت ميتة أصلاً في موسكو وغيرها. إن ما انهار هو <<الرأسمالية ذات الوجه الإنساني>> المعبَّر عنها بالأحزاب الاشتراكية الديموقراطية. منذ ذلك اليوم، وكل يوم، أصبح اليسار أكثر وسطية واليمين أكثر يمينية. إن هذا هو حقيقة ما جرى في أميركا بيل كلينتون، وفرنسا فرنسوا ميتران، وألمانيا غيرهارد شرودر، وبريطانيا طوني بلير، واسبانيا فيليبي غونزاليس، وفي كندا وأستراليا وبلدان شمال أوروبا... وإذا كان يقال، عن حق، إن إيطاليا هي المختبر الأوروبي حيث تُجرَّب الأفكار قبل تصديرها، فإن هذا حرفياً ما شهدته إيطاليا: انهيار مريع لتوازنات سياسية موروثة، مرور عابر لسيلفيو بيرلوسكوني، يسار يصل إلى السلطة ليمارس سياسة يمينية، عودة مظفّرة لبيرلوسكوني بالتحالف مع حفيد موسوليني، جيانفراكوفيني، وعنصريي الشمال بقيادة أمبرتو بوسي.
الصراع هو بين اليمين (ولو المتحدر من أصول اشتراكية ديموقراطية) وبين أقصى اليمين. هذه هي حالة الولايات المتحدة اليوم، وحالة بريطانيا، وحالة النمسا والحالة التي تتجه إليها بلدان أوروبية عريقة في تقاليدها الاجتماعية الراسخة. إن صعود بشر مثل جورج بوش، ويورغ هايدر، وأرييل شارون، يفتح الطريق واسعاً، في فرنسا، لبروز نجم جان ماري لوبان ولانحصار المنافسة بينه وبين شيراك.
يجب أن نضيف إلى هذا المناخ الدولي العام، أسباباً فرنسية خاصة كانت موجودة منذ فترة وبرزت في الأشهر الأخيرة بحدة أكبر.
إن التماهي المستحدَث بين العربي والمسلم وبين الإرهابي يحضّر التربة لنمو اليمين العنصري. ومتى أضيف إلى ذلك الانطواء الأقوامي في فرنسا، وانتكاسة قدرة الجمهورية على الدمج، والآثار التدميرية لمدارس التعدد الثقافي، والمواجهات في الضواحي بين الأقليات على أنواعها، متى أضيف ذلك بات لوبان رمزاً للانطواء الفرنسي الذي يعيش رهاباً يضخّم كل حادث فردي، ويحوّل وقائع متناثرة إلى خطر داهم.
وبما أن التبسيط يجد في الأمن علاجاً لمعضلات الكون المعقدة، لا يعود غريباً أن يتبنى فرنسيون أطروحات أقصى اليمين، خاصة أن اعتمادها من قبل اليمين التقليدي وبعض اليسار أضفى مشروعية عليها. وتقضي الحقيقة القول إن لوبان نجح في تدوير بعض الزوايا، وأقدم على غزل مكشوف مع إسرائيل وعمليتها لمكافحة <<الإرهاب>>، فبدا وكأنه المندوب المحلي لحملة تتسع في أرجاء المعمورة وتعرف كيف تحدد عدوها ولا تسأل كثيراً عن طبيعة أصدقائها.
إن العودة واجبة إلى المختبر الإيطالي. فهناك كانت صيحة المخرج السينمائي ناني موريتي كافية لإيقاظ قوى الاعتراض في المجتمع التي احتلت الشوارع قبل أيام. وبالأمس كان آلاف الفرنسيين يتظاهرون تحت شعار الباسيونارا الإسبانية: لن يمروا. هذه خطوة أولى في مشروع ترميمي قد تمضي سنوات قبل أن يقف على رجليه.(السفير اللبنانية)
كان التصديق صعباً. غير أن ما حصل حصل. امتنع أقل من ثلاثين في المئة عن <<حق>> التصويت، واقترع عشرون في المئة لصالح اليمين العنصري، وتساوى هذا التيار، وريث الجنرال بيتان، مع الأصوات التي حصل عليها شيراك الوريث العاق للجنرال ديغول.
تهرب فرنسا من رؤية صورتها في المرآة. إن ثلاثة أخماس الناخبين المسجلين <<يقترعون>> ضد <<النظام>>، ويعلنون، في السياق نفسه، أن الجمهورية الخامسة تحتضر.
النتيجة المدوية تثأر من الحملة الرتيبة. ويتجاوز مصدر الرتابة شخصيتي المتنافسين البارزين على ما فيهما من تباين بين الحيوان السياسي الواقف على حافة الفساد، جاك شيراك، والنزيه الصارم الفاقد لأي كاريزمية، ليونيل جوسبان. لقد عجز كل من الاثنين عن إقناع معسكره بالسير وراءه. تشظّت الحملة وتكاثر المرشحون. ومع غلبة التعدد استمر الناخبون، بأكثرية ساحقة، يرفضون التمييز بين حامل لواء اليمين وقائد حكومة اليسار. لا يعود ذلك إلى أن فرنسا اعتادت، في العقدين الأخيرين، على <<التعايش>>. يعود إلى أن أحداً لم يعد يكلّف نفسه عناء التمايز البرنامجي عن الآخر. فالاقتراحات متقاربة إلى حد أن المواطن لا يعود يخشى فقدان حقه في الاختيار. وهو، إذ يمارسه، لا يجد حرجاً في التصويت الاعتراضي لمرشحي الحد الأقصى لأن هذه هي الوسيلة المتبقية لديه من أجل أن يتحسس طعم صوته، أي من أجل أن يُسمعه للآخرين.
يمكن القول، تقنياً، إن حملة جوسبان عانت من مشاكل. غير أن المشكلة سياسية بالدرجة الأولى. فلقد أعلن، منذ البداية، عن وسطيته مجازفاً بخسارة قاعدته الشعبية التقليدية. ولمّا تطورت المعركة حاول التمايز بنفسه عن <<العجوز>> شيراك. وانتهى به الأمر أن اعترف ب<<السذاجة>> لأنه لم يدرك التطلب الأمني للفرنسيين.
لقد أحكم إغلاق الفخ على نفسه. فإذا كان الأمن هو الموضوع الرئيسي، أي هو المشكلة والعلاج، فإن اليمين أكثر إقناعاً. لا بل يمكن القول إن اليمين المتطرف هو الأقدر على توفير الجواب الأمني لمشاكل تضرب جذورها في الأزمة الاجتماعية، وفي المخاطر التي يحسب الفرنسيون أنها تهدد هويتهم الوطنية.
عوقب جوسبان بسبب <<شيراكيته>>. وعوقب شيراك بسبب <<لوبانيته>>. لذا لم يكن غريباً أن يحصد الأصيل أصوات جمهور يفضل، في لحظة ما، أن يرتاب بالنسخ الباهتة.
غير أن العقاب تجاوز جوسبان. طال الحزب الاشتراكي وحليفه في الحكومة الحزب الشيوعي. فالمعروف أن الحكومة الحالية اتّبعت سياسة وسطية تجنح نحو اليمين. ومن المعروف، أيضاً، أنها برّرت ذلك بضرورات البناء الأوروبي ومجاراة العولمة. لذا لم يكن غريباً أن يرد الناخبون بالامتناع أو بالاعتراض يميناً ويساراً.
فعلى جبهة اليمين استقطب لوبان ذعر العولمة وأوروبا من موقع عنصري شوفيني يحذر من اجتياح خارجي للبلاد ومن طابور خامس عربي إسلامي. وعلى جبهة اليسار حققت التيارات التروتسكية نتائج (ثلاثة أضعاف الحزب الشيوعي) تؤذن، ربما، بنهاية حقبة تعود إلى 1920 وأمميتها الثالثة.
وتكشّف المشهد السياسي عن حطام. حزب اشتراكي بلا قيادة، وبلا برنامج، وبلا هوية. وحزب شيوعي باشر انحداره بسياسة العزلة لجورج مارشيه، ووالى تهاويه بسياسة الانفتاح لروبير هو. وبات المطلوب ليس أقل من البحث عن وظيفة جديدة تجيب عن معنى أن يكون المرء يسارياً، اليوم، في فرنسا من دون أن يستعيد تجربة الحكومة الأخيرة، ومن دون أن يستعيد <<الطريق الثالث>> البريطاني، أو <<الوسط الجديد>> الألماني، ومن دون أن يطرح جانباً واجب التحديث الأيديولوجي الذي يفترضه عالم اليوم.
ليس اليمين التقليدي، الجمهوري، بأحسن حالاً. والخوف هو أن يستر الفوز السهل المتوقع لشيراك الأسئلة الواجب طرحها. لقد اندفعت أحزاب هذا اليمين وراء اللامركزية الواسعة، والبناء الأوروبي الليبرالي، وتقليص دور الدولة، والتشديد على الدور الأمني للحكومة. اندفعت إلى حد بات في الإمكان معه التساؤل عن جدوى الاقتراع العام أصلاً إذا كانت المصائر الرئيسية للبلاد في أيد غير منتخَبة: المصرف المركزي الأوروبي، بروكسل، المؤسسات الدولية، الشركات الكبرى، والمقاطعات المتحللة من السلطة المركزية لصالح تجمعات ناجمة عن انفتاح المدى القاري على بعضه.
أكملت انتخابات 21 نيسان الإجهاز على محورية الاقتراع الرئاسي في الجمهورية الفرنسية الخامسة. ولذا فإن الأنظار ليست مشدودة إلى 5 أيار، موعد الدورة الثانية، بل إلى الانتخابات التشريعية بعد شهر (حزيران). وهذا انقلاب كبير يتعارض مع روح الدستور ويهدد، في ضوء النتائج الأخيرة، بإحداث حالة تصادم بين المؤسسات وبين ضرورات التمثيل الشعبي، وبين الحاجة إلى إيجاد أكثريات تؤمّن قدراً من الاستقرار. إذا حصل هذا التصادم، وهو واقع على الأرجح، فإن فرنسا ستستمر في طريق انحداري يعزز هامشيتها الدولية ويُضعف من وزنها الأوروبي لصالح محور ألماني بريطاني آخذ بالنشوء في ظل رعاية أميركية مؤكدة.
يمكن، لمن يريد، أن يتلمّس في النتائج الفرنسية بعضاً من روح العصر. فمنذ عقدين ومركز الثقل السياسي في العالم ينزاح نحو الوسط واليمين. وجاء انهيار الاتحاد السوفياتي، والاندفاعة الهوجاء للعولمة بمضمونها الليبرالي، من أجل تزخيم هذا المنحى. لذلك قال البعض إن ما انهار عند منعطف التسعينيات لم يكن <<الشيوعية>>. فهذه كانت ميتة أصلاً في موسكو وغيرها. إن ما انهار هو <<الرأسمالية ذات الوجه الإنساني>> المعبَّر عنها بالأحزاب الاشتراكية الديموقراطية. منذ ذلك اليوم، وكل يوم، أصبح اليسار أكثر وسطية واليمين أكثر يمينية. إن هذا هو حقيقة ما جرى في أميركا بيل كلينتون، وفرنسا فرنسوا ميتران، وألمانيا غيرهارد شرودر، وبريطانيا طوني بلير، واسبانيا فيليبي غونزاليس، وفي كندا وأستراليا وبلدان شمال أوروبا... وإذا كان يقال، عن حق، إن إيطاليا هي المختبر الأوروبي حيث تُجرَّب الأفكار قبل تصديرها، فإن هذا حرفياً ما شهدته إيطاليا: انهيار مريع لتوازنات سياسية موروثة، مرور عابر لسيلفيو بيرلوسكوني، يسار يصل إلى السلطة ليمارس سياسة يمينية، عودة مظفّرة لبيرلوسكوني بالتحالف مع حفيد موسوليني، جيانفراكوفيني، وعنصريي الشمال بقيادة أمبرتو بوسي.
الصراع هو بين اليمين (ولو المتحدر من أصول اشتراكية ديموقراطية) وبين أقصى اليمين. هذه هي حالة الولايات المتحدة اليوم، وحالة بريطانيا، وحالة النمسا والحالة التي تتجه إليها بلدان أوروبية عريقة في تقاليدها الاجتماعية الراسخة. إن صعود بشر مثل جورج بوش، ويورغ هايدر، وأرييل شارون، يفتح الطريق واسعاً، في فرنسا، لبروز نجم جان ماري لوبان ولانحصار المنافسة بينه وبين شيراك.
يجب أن نضيف إلى هذا المناخ الدولي العام، أسباباً فرنسية خاصة كانت موجودة منذ فترة وبرزت في الأشهر الأخيرة بحدة أكبر.
إن التماهي المستحدَث بين العربي والمسلم وبين الإرهابي يحضّر التربة لنمو اليمين العنصري. ومتى أضيف إلى ذلك الانطواء الأقوامي في فرنسا، وانتكاسة قدرة الجمهورية على الدمج، والآثار التدميرية لمدارس التعدد الثقافي، والمواجهات في الضواحي بين الأقليات على أنواعها، متى أضيف ذلك بات لوبان رمزاً للانطواء الفرنسي الذي يعيش رهاباً يضخّم كل حادث فردي، ويحوّل وقائع متناثرة إلى خطر داهم.
وبما أن التبسيط يجد في الأمن علاجاً لمعضلات الكون المعقدة، لا يعود غريباً أن يتبنى فرنسيون أطروحات أقصى اليمين، خاصة أن اعتمادها من قبل اليمين التقليدي وبعض اليسار أضفى مشروعية عليها. وتقضي الحقيقة القول إن لوبان نجح في تدوير بعض الزوايا، وأقدم على غزل مكشوف مع إسرائيل وعمليتها لمكافحة <<الإرهاب>>، فبدا وكأنه المندوب المحلي لحملة تتسع في أرجاء المعمورة وتعرف كيف تحدد عدوها ولا تسأل كثيراً عن طبيعة أصدقائها.
إن العودة واجبة إلى المختبر الإيطالي. فهناك كانت صيحة المخرج السينمائي ناني موريتي كافية لإيقاظ قوى الاعتراض في المجتمع التي احتلت الشوارع قبل أيام. وبالأمس كان آلاف الفرنسيين يتظاهرون تحت شعار الباسيونارا الإسبانية: لن يمروا. هذه خطوة أولى في مشروع ترميمي قد تمضي سنوات قبل أن يقف على رجليه.(السفير اللبنانية)
















التعليقات