صدرت للشاعر المغربي محمد بنيس، "الأعمال الشعرية" عن المؤسسة العربية للداسات والنشر في بيروت وعمان، بالتعاون مع "دار توبقال" في الدار البيضاء. ويغطي هذا "الديوان" الذي صدر في جزئين اعمال محمد بنيس الشعرية من ديوانه الاول "ما قبل الكلام" (1969) وحتى ديوانه الاخير "نهر بين جنازتين" الذي صدر في العام 2000. (وسوف يصدر هذا الديوان الاخير بالفرنسية في الخريف المقبل).
هنا شهادات من شعراء ونقاد عرب قيلت في شعر محمد بنيس:
"الى جانب أدونيس ومحمود درويش، أنشأ محمد بنيس عملاً لا يدين فيه الا للبحث الصبور عن أصالته الخاصة ليصبح نموذجا داخل اللغة العربية، وقد اصبح الان يحمل مستقبلا هو ما يجعل منه عملا تأسيسيا" ( الشاعر الفرنسي برنار نويل، من مقدمته للترجمة الفرنسية لديوان "هبة الفراغ").
"نص محمد بنيس ينبني على تسمية الواقع في تعدديته، ذلك ان الكتابة الشعرية عدلت عن الابانة والتبيين وصارت تفتح مجراها في عتبة أخرى ما ان يطَلْها الكلام حتى تنهض لهمة في غاية الخطورة: اعادة بناء اذلات في الكلمات". (الناقد التونسي محمد لطفي اليوسفي).
"هذا الشاعر ليس لديه لاي تصور حسي او تجريدي للألفاظ خارج التعلق الابداعي الذي يخضعها له، ولذلك فاننا لا نستطيع، باعتبارنا قراه، ان نتصور لغة بنيس أي ضرب من التصور المعجمي او التركيبي، الا اذا اعتبرناها قائمة على مجاز التخييل". (الناقد المغربي ادريس بلمليح).
"لا شك ان محمد بنيس شاعر يتمنع على التصنيف، فهو رافض للتقليدي القديم فيما هو شاعر حر بأفكاره المستقلة وتجديده الجريء". (الناقدة والمستشرقة الايطالية فرانشيسكا كوراو).
"الهاء أول صفات هذا الشعر، والبهاء آخر كل قصيدة، وبخاصة اذا انتهت باسطر مرموقة بشكل مثلث يدل برأسه الى أسفل الصفحة، شأن كتب التراث، وتنتهي الصلاة الشعرية بكلمة "آمين". وكلام القداسة الشعرية ينسج محبة الشاعر في التصاقه بأرضه. يتغنى بمولد فاس بنثر شعري منتزع من "سفرالتكوين" - أول أسفار العهد القديم- لكنه نثر بهي يوحي بالعرافة ويخلو من وعثاء اللغة العنيفة، وها هو يعود يتغزل بمدينته فاس (فاء لنسل النخل، سين لأقواس المياه) بلغة تذكرنا بالنثر المتوهج فيلا "نشيد الانشاد الذي لسليمان" فاذا بنا نقرأ تيسبيح التسابيح الذي لبنيس". (الناقد والباحث العراقي عبد الواحد لؤلؤة، دراسات نقدية".
"يكتب بنيس بحرية تامة تجيز له مزج الأنواع، وتكسير البنى التقليدية، ودمج النثر بالنظام الايقاعي الحر، فالقصيدة، كما تتبدى لديه، حقل اختبار مفعم بالعناصر الشعرية وغير الشعرية، والتعابير والمفردات المختلفة النابعة من غير ذاكرة وغير مرجع؛ وهي لا تخضع لسياق ضيّق ونظام محدد، لأنها تجد غاية الشعر نفسه في فوضاه الجميلة وهدفه واحتمالاته الكثيرة" (الناقد عبد وازن، جريدة "الحياة").

وقدم محمد بنيس للاعمال الشعرية& بكلمة تحت عنوان "حياةٌ في القصيدة" نقتطف منها هذه المقاطع:
"يمكن للكلمات ان تعطي الليل لما يبحث عن لًيله، في زمن وفي قصيدة. تلك هي حياةٌ (حياتي) في القصيدة، وأنا مقبل على اصدار اعمالي الشعرية في ديوان. ولي هنا حالة الوقوف امام شعر كتبته، أعدتى كتابته، في مراحل من حياة. كأنما هي ليلةٌ واحدةٌ. كانما هي الأزمنة كلها. غموض هذه الحياة يسفر عن شقوق وعن ندوب. حياة متعددة الميلاد، وأنا اليوم أمامها أرجع الصمت الى مكانه. ما كتبته (وما لم أكتب)، في الدهشة والرهبة والريبة. دواوين تحتضن القصائد مثلما هي الدواوين في القصيدة تُهاجر.
وأنا الذي رافقتها في السراديب، ليلة لا تنتهي، أزمنة، ربما، أقول لنفسي ,أنا أنظر الان الى حياة تنفصل عني قليلا: ألم أعش حقا الا هذه الحياة، حياة في القصيدة؟ أو بتعبير متردد: هل جعلت من الحيوات الاخرى عبورا، مجرد عبور، نحو القصيدة؟ ثم أصوغ القول على نحو مباشر: أليست الحياة في الكتابة نفيا لكل انعكاس حياة شخصية (أو غير شخصية) في القصيدة؟ أسئلة تفضي الى حياة ضاعفت فيها من افعال اختراق مسالك خلفية، ما زلت اسمع في سفوح ذكرياتها أصداء السير على قدمين داميتين، صاعدا نحو المكان الذي يدنو مني او يبتعد. القصيدة. حتى اصبحت اكثر من مكان. انها وطن. وحدها القصيدة. الكتابة. وطني".
&
هنا ثلاث قصائد من ديوانه "هبة الفراغ" (1992).

مستحيل

الى محمد الخمار الكنوني وعبد الله راجع

لم يختف الغنبازُ عن أجرام سهرتنا له
كنا نعد تدفق الأمداح من شطح الى ماء
&&&&&& وهذه النار تحجبُ يشبْبها بفصولِ
دالية مهددة على أعتابها
كنّا
نقيمُ
شعيرة
لتماسك الأضواء
نسلم يتمنا لعواصف تعلو بكل عروقها كنا
نحرر شمسنا من غفلة الأشياء ننشء ريح أقواس
هي العتمات نسكنها لنبلغ رجفة أشهى مفازتها
مدارٌ
من عنيف الهتك تختبر اللغات سموقه
وجع لصمت الصاعدين الى البداية ها
هنا كتفٌ توسد بترها جهةٌ على اهوالها
ومضات عابرة تذكر بالهبوب غبارنا
ماذا
تريد شساعة
وهبتْ لنا أجراسها

لا شيء غيرُ الصمتِ
في ولع
ليثبت مستحيلُ
من
شُقُو
ق المَوت.

&


ظنون


لهذي الظنون التي
نستضيء بها
لهذي المنافي التي التأمت
بينها
نحدد لون الأثر
وننثره
بجعا
وننثره
موجةً
أو حجر.


مكان


لطخة تأتي الكتابه
من جناح الموت
من غور
متاهْ
من فراغ سيدٍ
يشطح بالضوء مداه
من سلالاتي النقيضه

بيننا اليوم نداءاتُ وشوم
وسماواتٌ خفيضه.

&

وهنا قصيدة من ديوانه "نهر بين جنازتين" (2000).

سماء الموت

نتف السحاب إذنْ توسع من مدارك أنتَ بين مسافتين وعند سطح النهر كنتَ تركتَ وجه اللوح يغمره الرنين اهبط اليكَ كوابٌ فاضت بها الأنهارُ والكلمات تغمض ايها الأحياء في حلقي افتش عن مساقط نقطةٍ هي ما يسرُّ اليّ كيف النهرُ يجذبني الى طرق موزعة على حد الشكوك وقد عثرتُ عليّ أشلاء مسلمة لفتكِ الخوفِ
لي
لغةٌ
تورثني
سماءَ الموت
نهر له أنشأتُ فاتحتي
طيور
من صنوف الازرق
الفضي،
تقصدني
وأنتَ هناكَ تبحث عن تكوّن
قطرةٍ
في النهر
تهبطُ
كُن جذاذا ايها الزمن
المبشر بالقتام
وليس لي حلم ادافع فيه عن سربٍ من الكلمات

لي
لغةٌ
تردد لي
سماء الموت

مطرٌ
تساقط فوق
ذاكرة
مشوشة
ولا
سطح تنام عليهِ

لي
لغةٌ
تطلُّ على
سماء الموت.


&
&
ثقافة ايلاف [email protected]
&
&