قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

نضال حمد
&
&
الحلقة الأولى
&
كعادتي يوم أجد نفسي مرتاح البال وغير متعب الفكر والحال, أتنقل بين صفحات حاسوبي من المواقع العربية إلى المواقع الأخرى المكتوبة باللغة البولندية, إما لمعرفة آخر المستجدات في تلك الدنيا الغريبة والعجيبة التي عشت فيها سنوات جميلة من عمري, كانت كافية لكي أعيش زمنين بولنديين مختلفين, الأول زمن الحكم الاشتراكي أو الشيوعي أو الشمولي أو التوتالياري أو القبضة الحديدية أو ما شئتم من تسميات ومسميات, لأن هذا لا يهمني. والثاني في زمن الانفتاح على الغرب وانتصار حركة التضامن والشعب على الحزب السابق للرئيس البولندي الحالي والحكومة الحالية. في الحقيقة لم تكن بولندا دولة اشتراكية ولم يكن فيها حزب عمالي أو شيوعي أو اشتراكي حقيقي, بالرغم من أن اسم الحزب الحاكم كان كالتالي" حزب العمال البولندي الموحد", كانت هناك جماعة تحكم البلد باسم الاشتراكية وتصادر الحريات باسم الحفاظ على الشعب والبلاد والعباد. كنت أشفق على بعض البشر من ظلم إخوانهم البشر, وكانت تلك المرحلة من عمري بداية تغيري من الناحية الفكرية, فكنت قبل السفر إلى بولندا من المنتميين إلى تنظيم يساري فلسطيني, أول جملة في نظامه الداخلي تقول بأنه تنظيم ثوري ديمقراطي يتطور باتجاه امتلاك نظرية الطبقة العاملة. رحم الله صاحب هذا التعريف الجميل صديقنا الشهيد القائد الميداني العنيد نادر قدري فزع,أبو كفاح فهد. وبالرغم مما رأيته وعشته هناك بقيت وفيا لمبادئ تنظيمي ومارست نضالي بشكل يريح ضميري ولا يطمح لارضاء أي& أحدا قبله. كنت أحافظ على علاقات جيدة مع الذين كنت اعرف انهم شيوعيون حقيقيون وأصيلين, وهؤلاء كانوا أيضا محاربين من التيار الانتهازي في الحزب وقد عانوا مشاكل جمة بسبب انتقاداتهم لسياسة الحزب وأدارته لشؤون البلاد والعباد وتبعيته الذيلية لموسكو, فقد كان الحزب ذنبا للسياسة السوفيتية و ها هو الآن بلباسه الاشتراكي الجديد تحول إلى ذنبا للسياسة الأمريكية. فلا عقيدة ولا سياسة مستقلة بل تبعية واسترضاء وأدوار مملوكية تخدم حب البقاء ومكاسب السلطة والحكم في بلاد تنخر فيها ديدان الرفض والتغيير وحب التبديل والمجيء بكل ما هو جديد. نعم هذه هي بولندا وهذه هي طباع البولنديين, انهم يحبون الجديد ويعشقون التغيير والتبديل, لذا لم تستر أية قوة بولندية في قوتها وتفوقها بفعل هذه العادة والميزة التي تتحكم بطباع البشر في تلك البلاد. والتجربة خير دليل على ما حل بالقادة الكبار من حركة التضامن وكيف تمت نهاياتهم الدرامية مع أنهم من أصحاب الإنجازات الكبيرة في المجتمع البولندي والتاريخ السياسي البولندي. ليخ فاليسا قائد حركة التضامن التي ناضلت ضد الشيوعية وكانت الحليف الأساسي للغرب ولأمريكا وللفاتيكان المعادي للأنظمة الاشتراكية, سقط فيما بعد سقوطا مدويا وكذلك كان حال حركة التضامن التي انقسمت وانشقت على بعضها وتشر ذمت وتحولت إلى مجموعة كبيرة من الأحزاب المتنوعة الحجم. كذلك كان سقوط حزب الوحدة الديمقراطية الذي كان يعد حزب النخبة والمثقفين في بولندا. مقابل ذاك السقوط المدوي للتضامن وجماعاتها المتعددة كان الحزب الاشتراكي وحلفائه من اليساريين الذي بدلوا ثيابهم وأعلامهم ووجهتم يصعدون بسرعة كبيرة حتى عادوا وسيطروا على البرلمان والحكومة والرئاسة.
أذكر أنني عندما حضرت إلى بولندا الاشتراكية لأول مرة في حياتي, كنت قد تشرفت قبل ذلك بالإقامة لمدة عام كامل في واحدة من أجمل المدن الإيطالية في مدينة بولونيا والتي كانت تسمى " بولونيا روسا " أي بولونيا الحمراء وذلك نسبة لتفوق الحزب الشيوعي الإيطالي وسيطرته الكبيرة على المدينة. عشت هناك تجربة أخرى قد أكتب عنها مستقبلا لأنها تجربة فريدة جمعتني مع جرحى من لبنان وفلسطين جئنا للعلاج في إيطاليا بعد حصار بيروت الشهير عام 1982. كانت إيطاليا وهي من دون شك, من أجمل واعرق بلدان أوروبا بمثابة قطعة من الجنة على الأرض, التاريخ والعراقة والمجد من روما إلى البندقية وباري وتوسكانا, ببرج بيزا المائل وبرجي الحمارين وسط مدينة بولونيا وجسور البندقية وجبال كورتينا.. كانت رحلة مميزة في وقت مميز وفي زمن صعب ومميز وكانت رحلتي الأولى إلى بلد أوروبي بعد عودتي من إيطاليا على ساقين واحدة نصف باقية والثانية بلاستيكية وبمساعدة عكازه واحدة أحيانا وعكاز تين في أحيان أخرى. كدت أموت من الألم والالتهابات التي عصفت بساقي الثانية المصابة بعد عودتي من إيطاليا إلى سوريا, حيث عشت في مخيم اليرموك قرب دمشق. وكنت بحاجة لعملية جراحية في الشام أم الدنيا. بعد جهد جهيد وعناء شديد حصلت على برقية خروج من الضابطة الفدائية تسمح لي بالسفر وبمغادرة مطار الشام وكانت رحلتي يومها إلى بولندا حيث عولجت ومن ثم قررت الدراسة& فدرست وأنهيت دراستي الجامعية بعد عشرة فصول دراسية.
يتبع..