&
يوم الجمعة 11 يوليو وصل وفد إعلامي كويتي يمثل طرفي الإعلام الرسمي والأهلي برئاسة الزميل عدنان الراشد نائب رئيس تحرير صحيفة الأنباء أمين الصندوق وعضو مجلس إدارة جمعية الصحافيين الكويتية إلى العاصمة السورية دمشق، وقد استقبل الوفد من قبل وزارة الإعلام السورية بحفاوة بالغة وكانت تلك الحفاوة مؤشرا على اهتمام الجانب السوري بزيارة الوفد الإعلامي الكويتي. كنا علمنا قبل وصولنا دمشق ان إمكانية اللقاء مع رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور بشار الأسد شبه مؤكدة وفي المساء أكد الزملاء السوريون هذه الامكانية ما لم يحدث ما ليس في الحسبان. من حيث المبدأ فإن اللقاء مع الرئيس سيكون في بحر الحادية عشرة صباحا وفهمنا ان اللقاء سيكون بروتوكوليا أي اننا سنقابل الرئيس لبضع دقائق للسلام عليه ومن ثم نغادر، وبعد لقاءات مع وكالة الأنباء السورية سانا وصحيفة تشرين وبعد عشاء دسم على مائدة الأستاذ سليمان المرجان سفير دولة الكويت في سوريا واهتمامه الأكثر ـ دسومة ـ اتجهنا إلى فندق الشام مقر اقامتنا وفي صبيحة اليوم التالي وقبل دقائق من العاشرة صباحا فوجئنا بالزملاء السوريين يدعوننا للتوجه فورا إلى السيارات المعدة لنا للتوجه إلى قصر الروضة لمقابلة الرئيس بشار الأسد وبالفعل اتجهنا الى هناك، ولأنني سبق أن قابلت الرئيس الدكتور بشار في أواخر عام 2001 فإنني لم أستغرب خلو منطقة القصر الرئاسي من المظاهر العسكرية أو الأمنية ولم أستغرب ان نصعد سلالم الدرج فورا لمقابلة الرئيس دون أن نمر على مكتب أو أكثر من المكاتب الأمنية أو الحواجز الإلكترونية لضمان عدم وقوع مفاجأة لكن المفاجأة من نوع آخر وقعت، فلقد وجدنا الرئيس بشار الأسد على مدخل صالون الاستقبال يعانق هذا ويصافح تلك ثم يغلق الباب خلفه ويدعونا للجلوس مهليا مرحبا وفي أثناء تناولنا لأقداح القهوة والشاي والمرطبات قال الرئيس السوري هاتوا ما في أذهانكم وتحدثوا بما ترغبون بالحديث عنه وبالطريقة التي تعجبكم وبالفعل انهالت الأسئلة والمداخلات من أعضاء الوفد الاعلامي الكويتي على الرئيس بشار الأسد الذي لم يتردد أو يتحرج عن الإجابة عن أي سؤال طرح عليه ولأن اللقاء غير مسجل فان استدعاء ما ورد في ذلك الحوار من الذاكرة ربما ينتقص من قيمة وأهمية ما تحدث به الرئيس السوري لكن ما يمكن التجرؤ بالحديث عنه هو الانطباعات التي خرجنا بها من اللقاء وهي انطباعات تستند إلى ما دار في ذلك اللقاء من حوار صريح ومن أهم هذه الانطباعات:
أن الرئيس بشار الأسد قد بدأ ومازال يعمل لاحداث تغييرات جذرية في البنية السياسية والاقتصادية وبينهما الادارية ولأن الرجل حريص جدا على موروث والده الرئيس السابق حافظ الأسد ولأنه يعتبر عهده امتدادا لعهد الوالد الراحل فإن الرئيس بشار يستخدم مصطلح التطوير بدلا من مصطلح التغيير إذ ان الأول يعني تحديث ما هو قائم بينما الثاني يعني نسف البنى القائمة واستبدالها ببنى عقول وقيم مختلفة عنها. وأيا كان المصطلح فان الذي لا شك فيه ان سوريا تتجه بخطى بطيئة وخطوات متدرجة نحو احداث تغييرات اقتصادية وهذا يتجلى بتشجيع القطاع الخاص والاستثمار القادم من الخارج والحد من توسع دور الدولة في الاقتصاد وتشجيع السياحة وتسهيل امتلاك العرب للعقار والأراضي والانفتاح على تكنولوجيا ومنتجات الدول المتقدمة. ولكي يتحقق التحول الاقتصادي من نظام ملكية الدولة إلى ملكية الأفراد والمؤسسات الخاصة فلا بد من تحقيق خطوات تسبق ذلك وأهم هذه الخطوات كما فهمنا من حديث الرئيس بشار الأسد هي احداث تطوير للقوانين ذات الصلة وهذه خطوة بدأت ولا تزال مستمرة والخطوة الثانية هي تحديث الجهاز الإداري للدولة وهذا بدأ ومازال مستمرا ويتضمن هذا التحديث ضمن أمور أخرى تبسيط الاجراءات البيروقراطية وتزويد الأجهزة الحكومية بدماء شابة متعلمة وأجهزة الكترونية مناسبة كالكمبيوتر مثلا وهذا ما يتناسب مع عقلية الرئيس السوري فهو شاب وطبيب ومغرم بالتكنولوجيا ويدرك ان الجهاز الإداري للدولة يعاني أمراضا تحتاج إلى مبضعه السياسي لكي يشفى ومن أهم هذه الأمراض التراكم الكمي للموظفين وسوء التوزيع بينما هناك حاجة لاختصاصات فنية وعلمية لا يتوفر الاعداد المناسبة منها ولأن الدولة ملزمة بمواطنيها فاننا فهمنا ان هناك توجها لاعادة تدريب من لم يقتربوا من سن التقاعد وإحالة من اقتربوا من هذه السن إلى المعاش واحلال أعداد أقل وأكثر تأهيلا لتولي الوظائف العامة، ومن خلال إدارة حديثة وفاعلة وقوانين عصرية وذات فلسفة مختلفة عن قوانين مرحلة ما قبل عهد بشار الأسد فان الرئيس السوري يأمل بوضع اقتصادي يحقق لأغلبية السوريين وضعا معيشيا وتجاريا أفضل.
لكن هل ما يحلم به الرئيس وما بدأ باتخاذ إجراءات بشأنه يمكن ان يتحقق أم ان ليس كل ما يتمنى المرء يدركه؟ لا شك بأن الحرس القديم السياسي منه والبيروقراطي سيقاوم ولكن حتما دون عنف وإنما بالعمل على عرقلة التنفيذ أو إشاعة حالة من الخوف من خطوات تغييرية قد يترتب عليها تغييرات سياسية وباعتقادنا ان الرئيس بشار الأسد قد حسب لذلك حسابه فهو يمارس البيروقراطية في طبخ القرارات والقوانين ليضمن من ناحية عدم تضاربها وعدم امكانية تنفيذها وليتيح من ناحية أخرى مساحة واسعة للنقاش والحوار بين أهل الاختصاص وأهل المصالح وفي نهاية المطاف فإن الكلمة الحاسمة هي لرئيس الجمهورية وليست لأحد سواه.
وإذا ما نجح الرئيس بشار في تحقيق طموحاته في خلق جهاز إداري حديث ووضع اقتصادي حر يتحمل فيه القطاع الخاص وليس الدولة الدور الأكبر في توظيف المواطنين وتحقيق عوائد مالية يصب جزء منها كضرائب ورسوم في ميزانية الدولة اذا ما تحقق ذلك فإن الحديث عن انفتاح سياسي يصبح ليس أكثر من مسألة وقت خاصة وان وسائل الإعلام وبالذات الصحافة أصبحت تتمتع بهامش كبير من حرية النشر والتعبير بل ان ما يكتب فيها من انتقادات للأجهزة الحكومية ينم عن تغيير في عقلية إدارة الدولة وحسب ما علمنا من حواراتنا مع بعض المثقفين السوريين فإن الوزراء والمسؤولين الآخرين أصبحوا حريصين على متابعة ما يكتب من انتقادات لأنهم يعلمون ان الرئيس يتابع هو الآخر هذه الانتقادات وربما يشجع الصحافة على اعطاء مساحة أكبر لآراء الناس، يبدو لي ان سوريا في عهد بشار الأسد ستكون شبيهة بالصين بعد رحيل ماو وإذا كانت الصين تطورت اقتصاديا ولم تتغير سياسيا فإن سوريا تتجه لتطور يشمل كل المناحي لكن بهدوء وبطء.