&
كاتب وروائي مصري
يكمل الأستاذ هيكل الثمانين من عمره في سبتمبر القادم. وهو موجود الآن في الساحل الشمالي، بالتحديد في قرية الرواد. الكيلو 75 بعد الاسكندرية وقبل مطروح. وهي قرية بناها أبناء خالد الذكر جمال عبد الناصر، ورغم انه يمتلك شقة في الاسكندرية وفيلا في الغردقة، فقد اشتري فيلا في الرواد. تشجيعا لعبد الحميد وعبد الحكيم. أقول انه رغم بعده عن القاهرة. الا أن الصحفي في أعماقه جعله يعرف خبر فوز جلال عارف قبلي ولأن الأستاذ ما زال يعيش الحياة باعتباره صحفياً بالدرجة الأولي. فما زال لا يسعده قدر معرفة خبر. وبعد معرفة الخبر يحاول توثيقه من أكثر من جهة، قال لي الأستاذ الخبر جلال اكتسح ، قلت له ولكن النتيجة ستعلن في الثامنة. قال لي هي تعلن الآن. ثم أضاف انه يبلغني بالنتيجة لكن تبقي التفاصيل الصغيرة، التي تشكل المشهد كله. وعلي أن أحكيها له. الليلة وليس غدا. كرر حكاية الليلة وليس غدا أكثر من مرة.
كانت الساعة هي السادسة والنصف من بعد ظهر الأربعاء الثلاثين من يوليو الماضي. كنت في طريقي الي نقابة الصحفيين وكان معي نجلي أحمد الذي يقوم بعمل دراسات عليا في كندا الآن. وهو موجود في مصر في اجازة صيفية هي الأولي له منذ سفره قبل ثلاث سنوات، وقد رغب في الذهاب معي من مدينة نصر الي نقابة الصحفيين التي كنت قد غادرتها في الثالثة بعد الظهر.
لم تعد الصحة ولا تقدم العمر يمكنا الانسان من قضاء النهار كله. في النقابة. كنت قد نزلت صباحاً الي النقابة مع أحمد أيضا الذي كان في طريقة الي الزمالك. وعدت بتاكسي. الانتخابات في النقابة تخلق حالة من فوضي المرور في منطقة وسط القاهرة: التي تسمي وسط البلد ، وتجعل من ركن السيارة، أمراً يعد من رابع المستحيلات. كان المشهد لحظة وصولي لنقابة الصحفيين في السادسة من بعد ظهر يوم الأربعاء الثلاثين من يوليو الماضي هكذا. منضدة كبيرة يجلس عليها القاضي الذي أشرف علي اجراء الانتخابات، وابراهيم نافع وصلاح منتصر. أما جلال عارف الذي نادي عليه ابراهيم نافع أكثر من مرة. وطلب البحث عنه في كل مكان. ولكن اتضح أن جلال ذهب الي منزله لتغيير ملابسه بعد يوم طويل ومرهق من العمل وسط زحام يبدو كأنه يوم الحشر. جرت الاتصالات به ولم يحضر من مدينة العبور بصلاح سلام قبالة مدينة نصر، الا بعد انفضاض مؤتمر اعلان النتيجة. تحدث ابراهيم نافع عن النقابة التي تسلمها والنقابة التي يسلمها الآن وهي أحسن مما كانت عليه وقت أن تسلمها. وتحدث عن وحدة الصحفيين في مواجهة كل ما يمكن أن يراد بمهنة الصحافة.
وأعلن القاضي النتيجة. وكما هو متعارف عليه يلقي الفائز كلمة، ويلقي الذي لم يوفق كلمة. كان من الصعب الاستماع الي كلمة صلاح منتصر، التي ألقيت وسط هتفات ضد اسرائيل والتطبيع وعودة النقابة للصحفيين بعد 21 عاما. كان النقيب خلالها رئيس مجلس ادارة احدي المؤسسات الصحفية. لم يكن جلال عارف هو المعارض الأول الذي أصبح نقيباً لنقابة مهنية، كان قد سبقه سامح عاشور الذي فاز نقيباً للمحامين ضد رجائي عطية، وهي النقابة الملاصقة لنقابة الصحفيين من ناحية شارع رمسيس، وكان القضاة قد اختاروا زكريا عبد العزيز في مواجهة مقبل شاكر رئيسا لنادي القضاة، وهو النادي الملاصق لنقابة الصحفيين من ناحية شارع معروف، يجمع بين الثلاثة الذين فازوا انهم من المعارضة، والثلاثة الذين فشلوا انهم من الحكومة. اذن الانقلاب الذي جري في نقابة الصحفيين، سبقه انقلاب في نقابة المحامين، القضاء الواقف علي قدميه، وانقلاب آخر في نادي القضاة، القضاء الجالس علي منصة العدالة، وان كان القضاء سلطة من سلطات الدولة، فان الصحافة هي السلطة الرابعة في الدولة المصرية الآن. أو هكذا من المفترض أن تكون.
كان المناخ واضحاً منذ الصباح. اكتساح جلال عارف علي مقعد النقيب، واكتساح مرشحي التيار الناصري وجماعة الأخوان المسلمين والصحفيين المستقلين بالنسبة للمجلس. كان الصحفيون يحكون لبعضهم نكتة أقرب الي الحكاية، يقولون ان صلاح منتصر عندما أتي الي النقابة لأول مرة في حياته ليقدم أوراق ترشيحه وصل الي المبني، وسأل أين المكان الذي يمكنني أن أقدم فيه أوراق ترشيحي نقيباً للصحفيين، قال له الشاب الجالس أمام المبني : أنت أخطأت المبني. لقد وصلت الي مستشفي هيئة النقل العام. أما النقابة فهي المبني المواجه لنا. وأشار له الي مكان نقابة الصحفيين، وكان عليه عبور شارع عبد الخالق ثروت، حتي يصل الي النقابة. الواقعة طبعا لم تحدث في أرض الواقع. وهي ابداع الخيال الشعبي الذي يحاول الكلام عن هبوط صلاح منتصر علي النقابة بالبراشوت، أو ان صلاح منتصر غريب علي أجواء النقابة، وان كنت اعتقد أن فكرة سفر صلاح منتصر الي اسرائيل مرتين، كانت هي مربط الفرس في الموقف منه. هناك مواقف أخري وظلال كثيرة. ولكن تبقي اسرائيل هي الجوهر. خاصة ان صلاح منتصر اعترف بالسفرتين، وعندما حاول تبريرهما. يمكن أن يطلق عليه المثل الذي يقول جه يكحلها عماها قال عن السفرية الأولي، انه كان مسافراً مع حماه. سعيد الطويل. وانه كانت هناك أجواء أوسلو. وعن السفرية الثانية. قال انه كان مع لطفي الخولي من أجل التظاهر في جبل أبوغنيم. يضاف الي هذا. ان له العديد من المشاكل الشخصية مع الصحفيين. ولن احكي حكاية شخصية معه حتي لا يقال انني احكيها من باب الشماتة منه. ولكن يكفي انه طوال وجوده في مؤسسة أكتوبر ودار المعارف، لم يعين صحفية واحدة في العمل الصحفي. لأن رأيه أن البيت هو المكان الطبيعي للمرأة. هذا في حين أن أكثر من نصف الأصوات في النقابة لنساء، وابراهيم نافع في مرات ترشيحه السابقة كان حريصا علي أن يجتمع مع عضوات النقابة من النساء، في مطعم هاديء بحي المهندسين . وان كان لابد من القول - في نفس الوقت - انه لم تنجح مرشحة واحدة من المرشحات لمجلس النقابة. رغم وجود البعض من أصحاب الأسماء التي يمكن القول انهن قدمن أدواراً هامة في مجلس النقابة. لقد فعلت النساء بالسلب. ساهمن في اسقاط صلاح منتصر. وان كن لم يفعلن بالايجاب عندما فشلن في انجاح واحدة منهن لدخول المجلس.
نعود الي النقابة والنقيب فيها منذ ان كان كامل زهيري نقيباً للصحفيين سنة 1981، والنقيب من بعدها لابد وأن يكون رئيس مجلس ادارة مؤسسة صحفية، ورئيس تحرير جريدة أو مجلة كبري، وصول جلال عارف الي النقيب خلق حالة من الاحساس بالتحرر، أو استعادة النقابة، وقد يكون في هذا الكلام قدر من المبالغة، التي لا بد وأن يلجأ اليها شباب الصحفيين اليوم لأنهم شباب. أيضا ان فوز جلال أكد أن هناك موقفاً حقيقياً من العدو الاسرائيلي والتطبيع معه. وهذا معناه أن الفكرة ما زالت قادرة علي اجتذاب حتي الشباب الذين كنا نتصور انهم ودعوا الأفكار والمباديء، وأن المصلحة هي الطاغية عليهم، وهو تصور ثبت خطؤه في هذه الانتخابات. أما العراق واحتلاله وما جري فيه فلم يكن لهذه القضية صوت. أيضا ربما تراجع الموقف من أمريكا لأنه لم يكن هناك مرشحون ناطقون باسمها.
ينتظر جلال عارف والنقابة معه مستقبلاً صعباً. من المؤكد أن لعبة الطعون القضائية ستبدأ. أيضا فان موقف الدولة المصرية لم يعرف بعد. هناك موقفان لا ثالث لهما. اما أن تتعامل مع ما جري باعتباره من أعراض الديمقراطية. وهذا يعطيها مزايا كثيرة لدي الغرب وأمريكا. يمكنها أن تقول أنها لم تتدخل في هذه الانتخابات وتركت جموع الصحفيين يقولون كلمتهم. وهناك الموقف الآخر الذي اتمني عدم الوصول اليه، الا وهو تصور ان النقابة أصبحت جهة معارضة. مع انها في الأصل والأساس تنظيم مهني فقط. وجلال عارف لن يكون في حالة حرب مع الدولة. الا ان تحركت الدولة ضده. وضد النقابة في عهده.
والمحك الأول الذي سيحدد هذه العلاقة هو القرار المالي الذي اتخذه الدكتور عاطف عبيد خلال مقابلة مع صلاح منتصر قبل المعركة. وهو تخصيص أربعة ملايين جنيه لدعم صندوق المعاشات. واعتماد علاوة أربعين جنيهاً لكل صحفي. هناك قولان بشأن حكاية الفلوس، الأول انها ستضاف الي المرتب مباشرة ابتداء من مرتب شهر يوليو الذي يصرف أول أغسطس. والثاني انها ستصبح بدل مراجع أي لا تضاف الي المرتب الأساسي. أقول أن هذه المبالغ هي مربط الفرس. هل ستصرف أم لا؟ بمعني آخر هل جاءت هذه الأموال من أجل صلاح منتصر؟ وفي حالة عدم نجاحه؟ هل سترفع الدولة يدها. وترفض صرف هذه المبالغ؟ جلال عارف في كلمته بعد الفوز ركز علي حكاية اعتماد النقابة علي نفسها في تدبير الموارد المالية. وتكلم عن البند المستحيل في موارد النقابة، الا وهو النسبة علي الاعلانات التي يجب أن تحول للنقابة، وهو البند الذي لم ينفذ أبدا من قبل. وكان عليه أن يلزم الدولة بالوفاء بوعودها التي أعلنتها وتحويلها الي قرارات. وكان عليه أن يعلن أن عدم تنفيذ هذه القرارات، بعد فوزه، يعتبر بمثابة عقوبات ضد النقابة وضد الصحفيين المصريين جميعا. مما يزيد من صعوبة الموقف أمام الصحفيين ونقابتهم، أن المجلس تكون من ثلاثة تيارات فقط. أربعة من التيار الناصري، وأربعة من الأخوان المسلمين، وأربعة من المستقلين، كانت نسبة التغيير في هذه الانتخابات 50% وهي نسبة معقولة جداً، ولو انتقلت عدواها الي مصر كلها، لوجدنا أنفسنا أمام مصر أخري، كان هناك 22 مرشحاً لفوق 15 سنة، 46 مرشحاً لتحت 15 سنة، أي أن الشباب كانوا ضعف الكبار. وهي دلالة هامة علي حيوية الشباب، ورغم انه كانت هناك 6 نساء مرشحات للمجلس، اثنتان فوق 15 سنة، وأربع تحت 15 سنة، وكانت هناك صحفية مرشحة للنقيب، ولكن الجميع فشلن في الانتخابات. وقد لاحظت أن برامجهن الانتخابية تخلو من الكلام عن مشاكل الصحفيات، وأن الكلام كان عن مشاكل الصحفيين عموماً، هذا المجلس يخلو من أي عضو مسيحي، وكان هناك صحفي مسيحي واحد مرشح وحصل علي قدر ضئيل من الأصوات. من حيث المؤسسات الصحفية التي نجح مرشحون لها ودخلوا المجلس نكتشف أن المؤسسات الكبري الثلاث: الأهرام ، الأخبار، الجمهورية. لها أعضاء، لكن مؤسسات الجنوب لم يدخل منها المجلس سوي ابراهيم منصور من روزاليوسف، أما صحف المعارضة فقد فشل جميع مرشحيها في دخول المجلس، باستثناء جمال فهمي الذي يكتب مقالاً ثابتاً في الصفحة الأخيرة من جريدة العربي الناصري، الصحف المستقلة لم يدخل منها أحد المجلس، وصحف الأقاليم لم يدخل منها أحد المجلس.
كان هناك أربعة آخرون مرشحون لمنصب النقيب وهم: ابراهيم الدسوقي من وكالة أنباء الشرق الأوسط، وحصل علي 32 صوتاً، وفايز زايد وهو صاحب جريدة خاصة كانت تصدر من طنطا ونقلت الي القاهرة مؤخراً، وهو صاحب الدعاوي الكثيرة المرفوعة ضد ابراهيم نافع. بسبب مشكلة قيده في النقابة، وبذلك قيد زوجته الأولي، وزوجته الثانية في النقابة، وقد حصل علي 10 أصوات، ويسرية حسن وحصلت علي 7 أصوات، وأسامة عبد الصبور وحصل علي 6 أصوات.
هذه النتيجة ستؤدي الي محاسبات كبري، في المؤسسات القومية الكبري، لأن التصويت في النقابة الآن يتم حسب المؤسسات، ومن المفروض أن يتم حسب الحروف الأبجدية، وهو يجري حسب المؤسسات حتي يكون معروفاً موقف كل مؤسسة في التصويت. ولأن الأهرام تشكل تقالة الميزان في الصحافة المصرية، اقرأ معي مانشيت الصفحة الأولي من الأهرام صباح يوم الجمعة : عارف نقيباً للصحفيين بأصوات 1785 منها 280 من الأهرام. منتصر يحصل علي 1415 صوتاً منها 663 من الأهرام. بعد ظهور النتيجة، كتب سمير رجب في كبسولاته، في العدد الأسبوعي من جريدة الجمهورية: للأسف هناك بني آدميين لا تنطبق عليهم صفات البني آدميين. فلماذا يغضبون عندما يواجهون بالحقيقة الدامغة. انتهت كبسولة سمير رجب، والحدق يفهم. أما مجلة رزواليوسف فقد كان عنوانها: الصفقات المشبوهة في انتخابات الصحفيين، وكتبت تحت صورة لصلاح منتصر: خسر بشرف.
ومع سعادتي الشخصية بهذه النتيجة، التي ربما تنبأت بها في مقال الأسبوع الماضي في الراية، وكان عنوانه : الا النقابة يا مولاي، وضن عليّ الزملاء في الراية، واستكثروا علي أنفسهم هذا السبق، ولم يشيروا اليه، أقول انني سعيد بلا حدود بهذه النتيجة، ولكن للفرح محاذيره التي لا بد من التوقف أمامها من الآن، أتوقع أن تكون هناك حالة من العقوبات التي تفرض علي كل من تسبب في هذه النتيجة، حتي لو كان أحد القيادات الصحفية، مع انه كانت هناك حالة من التراخي في تأييد صلاح منتصر، ومحاولة انجاحه. مثلا هذه أول انتخابات، لا تقدم الدولة فيها تذاكر طيران للزملاء الصحفيين الذين يعملون خارج مصر، لكي يعودوا من اجل المشاركة في الانتخابات، وقد قابلت عاصم القرش مدير مكتب الأهرام في لندن، والدكتور سامي عمارة مراسل التلفزيون المصري في موسكو، خلال الانتخابات، وقد عرفت منهما أنهما جاءا كلاً بوسائله الخاصة من أجل المشاركة في الانتخابات.
أخشي ما أخشاه أن يقوم الجميع بمعاقبة الجميع علي هذه النتيجة، وفي ظل هذا المناخ يمكن للانسان أن يتوقع أي شيء وكل شيء.