أحمد عيد مراد
&


&
مدينة أوتاوا، العاصمة الهادئة التي تغفو على أنوار مصابيح أعمدة الكهرباء غالبًا، وعلى ضوء القمر في أشهر صيفها الرائع القصير، نامت مساء الخميس على ظلام دامس شأنها في ذلك شأن مدن ولايات أمريكا الشماليَّة الشرقيَّة ومحافظة أونتاريو الكنديَّة التي تحتضن مدينتنا أوتاوا التي تستلقي على ضفِّة نهرها وتخترقها قنالها كوتر كمان تعزف عليه أروع ألحانها. فجأة، أدركنا كم هي هشَّة حضارتنا، وكيف يتسبَّب انقطاع التيار الكهربائي في إرباكنا، وإرجاعنا إلى عصور أجدادنا ولا سيَّما في الليل.
لمَّا تيقَّنَّا أنَّ العطل لا يمكن إصلاحه قبل يوم الجمعة، أخذت ككلِّ سكَّان مدينتنا، أفكِّر في كيفيَّة قضاء الأمسية، فالذهاب إلى الفراش مبكَّرًا غير واردٍ. بعد نزهة قصيرة على ضفَّة النهر، وقبل أن يسدل الليل ستاره، عدت للمنزل أتلمَّس طريقي فيه، وأبحث عن شمعة لأضئ غرفة مكتبي على الأقل. بعد حيرة وبحث طويل، قطعت الأمل، وقرَّرت مرغمًا الذهاب إلى السرير. لم أدر لماذا خطر لي وأنا مستلقٍ على الفراش، ما كتب الدكتور عبد الوهاب عزَّام عن المتنبِّي في كتابه: "ذكرى أبي الطيِّب بعد ألف عام" نقلاً عن كتاب: "الصبح المُنبي عن حيثيَّة المتنبِّي" لمؤلِّفه الشيخ يوسف البديعي: "أنَّه كان يُطالع الكتب كلِّ ليلة قبل أن يهجع." مددت يدي إلى كتابٍ على طاولة بجانب السرير، وبدأت أقلِّب صفحاته، بينما يدي الأخرى تمتدَّ لإنارة مصباح الكهرباء ناسيًا أنَّ انقطاع التيَّار أحوجني لشمعة كتلك التي كان أبو الطيِّب على ضوئها يطالع الكتب، أو يكتب قصائده. هنا بدأت أشعر بقيمة الشمعة، وكيف أنَّ على نورها ترك لنا الأجداد تراثًا أدبيَّا رائعًا ما نزال نفخر به ونعتز، فأبو عثمان الجاحظ ترك لنا "البخلاء" و "الحيوان" وغيرها من أمَّهات الكتب، وأحمد بن عبد ربِّه الأندلسي "العقد الفريد"، و "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، وخالدات المتنبِّي، وأشعار الطائيين وأبي العلاء المعرِّي وغيرها الغرر من التراث.
نهضت من السرير مصمِّمًا أن أقلِّد الأجداد في الكتابة على ضوء الشمعة، أو ربَّما مطالعة الكتب. وقبل أن استسلم للظلام، تذكَّرت أنَّني وضعت شمعة في مكان ما، فقصدته، وصحت كـ "يوقليدس": "وجدتها، وجدتها." جلست على ضوئها أقلِّب صفحات عدد مجلَّة "صوت داهش" الرائعة التي تصدر من نيويورك. ما أروع أن تقرأ في مجلَّة عربيَّة مقالاً يحترم لغتنا العربيَّة، وهذا ما يحبِّبني بـ "صوت داهش"، فهي مع سعة اطِّلاعي على المطبوعات العربيَّة كتبًا وصحفًا ومجلاِّتٍ عربيَّة، الوحيدة التي تحترم حرمة لغتنا، فلا أخطاء لغويَّة أو إملائيَّة. قرأت فيها وضوء الشمعة يتلألأ على صفحاتها، فترتعش الأسطر وترقص الكلمات مقال "الشعر في العصرين المملوكي والعثماني" للدكتور يوسف فرج عاد. ما أن فرغت من المجلَّة حتَّى تناولت ورقتين كنت قد طبعت عليهما صباح اليوم من "إيلاف" مقال "في ذكرى ناجي العلي" للزميل أحد الخميسي بقصد قراءته في الحديقة، وربَّما التعليق عليه.
حسنًا، قلتُ، لِمَ لا أكتب مقالاً عن الشهيد ناجي العلي، وأشفعه بقصيدة كنت قد كتبتها في الذكرى العاشرة لاستشهاده تخلِّدها لي "إيلاف" وتبقيها للأجيال القادمة الذين سنصبح نحن جدودهم، ولا سيَّما وأنا أكتب المقال على ضوء الشمعة كما فعل أجدادنا! استحسنت الفكرة، وبدأت أقرأ ما كتب. أكبرت فيه الوفاء، وشممت رائحة العطر الذي سكبه الزميل أحمد الخميسي: تناولت القلم وتركت للفكر العنان:
بينما أنا أتفكَّر في مطلع المقال: "... فنَّان فلسطيني عبقري عربي هو ناجي العلي، الذي اغتالته إسرائيل عام 1987" أحقًّا اغتالته إسرائيل! ولماذا! استعدت ما كتب الزميل نجدة فتحي صفوت في صحيفة "الشرق الأوسط": في الذكرى العاشرة لرحيل الفنَّان الفلسطيني المجاهد: "في 22 تموُّز يوليو، قبل عشر سنوات، أطلق "مجهول" النار في أحد شوارع لندن على الفنَّان الفلسطيني ناجي العلي، فأصابه في رأسه إصابة (خطرة) قضت عليه بعد 38 يومًا.
سقط ناجي العلي مضرًّجًا بدمائه، وانسحب الجاني بهدوء إلى سيَّارة مسروقة كانت تنتظره فيها فتاة، فانطلقت السيَّارة واختفت وسط زحام المدينة.
وبعد صراع مع الموت دام 38 يومًا، لم يغادر ناجي العلي خلالها غرفة العناية المشدَّدة، توفِّي فجر يوم السبت في 29 آب/ أغسطس 1987 مخلِّفًا زوجته وأولاده الأربعة لا يعرفون مَن الذي قتل أباهم، إلاّ على وجه التخمين، ولماذا قتله! وهل لأنَّه كما كتبت إحدى الصِّحافيَّات في رثائه: "كان يقول، والله اشتقنا لمحاربة شامير... وأن ننتهي من محاربة بعضنا بعضًا لنحدِّق جيَّدًا في عدوِّنا."
لم ينقص إعجابي بمقال الزميل أحمد الخميسي قوله بأنَّ إسرائيل هي التي اغتالت الشهيد في لندن، وسيجد في قصيدتي أنَّني أختلف معه في هويَّة القاتل، أو بالأحرى مَن حرَّض القاتل ودفعه للقيام بجريمته الآثمة. فلولا الزميل و "إيلاف" والشمعة التي ذكَّرتني بتراث الأجداد لما كنت على الأرجح كتبت في ذكرى الشهيد السادسة عشر، ووجدت في إيلاف الوسيلة لحفظ "تراث" أحفادنا الذي هو الآن نتاج أفكارنا شعرًا ونثرًا.
&
قصَّة قصيدة "حَنظلة باقٍ لم يمت"
&
بعد أن أعددت كلمتي التي طُلب مني إلقاؤها في الذكرى العاشرة التي أحيتها الجمعيَّة العربيَّة الفلسطينيَّة في مدينة لندن في محافظة أونتاريو الكنديَّة غير (لندن العاصمة البريطانيَّة)، عرضتها على صديق أستطلع رأيه فيها، ولا سيَّما أنَّه كان صديقًا للفنَّان الراحل أثناء عمله في الكويت. بعد أن قرأها تركني لهنيهة وعاد يحمل رسمًا كبيرًا رائعًا للفنَّان الراحل موقَّعًا باسمة هديَّة منه له. ما أن تفرَّست في الصورة وجه عربيٍّ ترتسم في عينيه الحَيرة والذهول، وعلى فمه ورقة توت تخفيه كأنَّه عورة، حتَّى بدأت أردِّدُ أبياتًا من قصيدة خليل مطران يقول مطلعها:
شَرِّدُوا أَخْيارَهَا بَـرَّا وَبَحْرَا&&وَاقْتُلُوا أَحْرَارَهَا حُرًّا فَحًرَّا
وينهيها:
أخْمِدُوا الأَنْفُسَ، هَذَا جُهْدُكُمْ&&وَبِهْ مَنجَاتُنا مِنْكُمْ فَشُكْرَا
فما كان من صديقي إلاَّ أن قال: "لِمَ لا تضيف هذه الأبيات إلى كلمتك!"، وقبل أن أجيب، هتف شيطان الشعر في أذني هامسًا: "يا قومُ لا تتكلِّموا"، وكانت مطلع قصيدة "حنظلة باقٍ لم يمت".

"حَنْظَلَةٌ بَاقٍ لَمِ يَمُتْ"

يَـا قَــوْمُ لا تَتَكَلَّمُوا&&إنَّ الكَــلامَ مُحَــرَّمُ
أَفْــواهُكُمْ عَوْرَاتُـكُمْ&&بِالتُّـوتِ فَلْتَتَلَثَّمُـــوا
أَفْــواهُكُمْ لَيْسَتْ لَكُمْ&&هِـيَ مُلْكُ مَـنْ يَتَحَكَّمُ
فَـإذَا يَشَــاءُ تَكَلَّمَتْ&&أَوْ أَنْ بِشَـــمْعٍ تُخْتَمُ
وَلِكُلِّ مَـنْ لا يَرْتَضِـي&&تُـرِكَ القَضَـاءُ المُبْرَمُ
قَدْ مَـاتَ قَـوْمٌ قَبْلَكُـمْ&&لَمَّا حَكَــوا مَا يُكْتَـمُ
بِرَصَاصَـةٍ مِـنْ مُجْرِمٍ&&أَوْ مِـنْ رَئِيـسٍ يَعْلَـمُ
لَمَّـا تَمَـرَّدَ حَنْظَــلٌ&&اغْتِيْـلَ فِيمَا يَرْسُــمُ
وَيَقُـولُ حَنْظَلُ حِكْمَةً:&&"إنَّ القَضَـاءَ مُحَتَّــمُ"
لا تَسْـكُتُوا عَـنْ حَقِّكُمْ&&فَالصَّمْتُ طَعْمُـهُ عَلْقَـمُ
لا تَقْفِلـُـوا أَفْواهَـكُمْ&&إيَّاكُمُـــو إيَّاكُمُــو
مَنْ لَم يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَا&&تَ بِغَيْرِهِ هَـلْ تَفْهَمُوا!
مَا عَاشَ طَــاغٍ خَالِدًا&&فَتَكَلَّمُــوا فَتَكَلَّمُــوا


أوتاوا ـ آب / أغسطس 1996
بمناسبة الذكرى العاشرة لاستشهاد ناجي العلي، وألقيت في مهرجان تخليد ذكراه في مدينة لندن / أونتاريو-

&
&
رئيس تحرير مجلَّة "الروّاد" الشهريَّة الكنديَّة، ورئيس المركز العربي الكندي للثقافة والإعلام: البريد الإلكتروني: alrowad@rogers.com