إيلاف مكتب باريس: احد انتصارات قصيدة النثر العربية: جعل الكتابة الشعرية في متناول الجميع كأفضل تعبير عن تجربة الفرد. خلال العشرين سنة الأخيرة، شعراء من كل شاكلة طفقوا يعتلون المشهد الشعري بتجارب حرة لا رقيب عليها... خصوصا تجارب المخيلة الأنثوية: أصوات أنثوية لكل مقاربة فردية من العالم الأشياء المحيط اليومي. لكل طريقة& في اختراق بنية اللغة العربية وتعميق التركيبة النحوية وفتحها على فضاءات تركيبية جديدة. بكلمة، لكل مساهمة في الكشف عن المخبوء الشعري في الكلام اليومي، عن منطقة مجهولة.
لكن فيفيان صليوا (المولودة في بغداد 1976) تسلك طريقة تعبير جديدة. إذ في مجمل قصائدهن، يستعين جل الشاعرات العربيات المعاصرات بكماليات الشعر الضرورية: الصورة، البلاغة، الاستعارة الخ.... فيفيان صليوا السارحة في نينوى ذكرياتها، في عاصمة الألم العراقي حيث لا وقت للزينة، تكمن قدرتها الشعرية في تجنبها كل هذه المواد الشعرية: الشعر، عندها، في مكان آخر:& القبض على الأثر الشعري للجملة البسيطة المستقلة من جمل الجوار، الجملة الملقاة في فضاء الصفحة وكأنها "السلّم / الواقف/ بلا سلّم".... بدفقتها الأولى لا يسترها حجاب بديعي من العين، ولا يحمي قوتها الفكرية تزويق حِكَمي. وها هي كل قصيدة أشبه بسطر مستل من لوح الذاكرة الطيني، كتيك الأسطر المدونة على الألواح السومرية أو الآشورية... ومن هنا يجب أن يفهم عنوان ديوانها الجديد "أطيان"& بمعنى ألواح طينية يسرد كل لوح طين (والديوان مقسم الى عشرة أطيان) حقبة من التجربة في حقل الألم الشعري، ألم المجيء إلى هذا العالم:

"لا في الضوء
نوجد
ولا في الصمت" (ص 24)
&
شعرها لا يستجدي الألم وإنما يستله من الذات الجماعية المغرمة بالبحث عن جنة عدن لها، عبارةً يتسع فيها الموت:
"السماء والأرض
شريكان
وبينهما نحن
نلتقط الضجر" (ص 30)

لا تفصح قصائدها عن قضية؛ ايديولوجية ما... لأن بيت القصيد: الافصاح هو عين القضية:
"ملحمة
تتشبث بالماء
ليمحوها" (ص 50)
رغم كل العزلة المتلبسة بها، لا تترك فيفيان صليوا مجالا لوقائعها اليومية ان تتعرى في غرفة اللغة من ثيابها الذاتية:
"في المرايا
كاملون
بلا ثقوب
نحن" (ص 19)

بلغة إبراقية، توحد العادي والسامي في جملها المختزلة:
"نتشابه
لأننا تراب" (ص 23)

في شعرها ليس للكلام؛ القول العام، حضور ... الهمس يتلمس طريقه بنفس حدة الخوف الذي يعيشه الكائن:
"يجمعنا شيءٌ
أهو الموت" (ص 16)
هكذا تتجنب بضاعة الصور الشعرية الصادمة، التي باتت سهلة ومبتذلة، بل تتجنب "شطحات البله الصوفي" الذي تتبجح به صغيرات الشعر العوانس مبكرا.... تجنبا يحافظ على كل الاشراقات الدنيوية بكل ما تحمل من صورة مرتبكة مخمورة بإكسير الغياب وتبعثرات تركيبية تدل على غياب العالم الواعي:
"رسوم متحركة
نحن" (ص 41)
"كاللامبالاة
أقدامنا
تمارس التشرد" (ص 30)
وهل ثمة شيء لدى الكائن أفضل من هذه الإقامة الشعرية على الأرض حيث النظر سهم يخرم شبكة الكون:
"عيوننا
تلخّص العمى" (ص 41)
&
في "أطيان" الإطناب ينحسر أمام صياح المعنى المختزل. إذ كلما كانت القصيدة جملة مختزلة، كلما اشتد نجاحها في النزول الى الاعماق المطلوبة من كل شاعر.
أشعار فيفيان صليوا تمتد امتداد ليل المرأة؛ الليل المرمي بكل مصابيحه وهواجسه، في العراء مشدود بتباشير فجر الرؤيا والصحو الشعري بأن العالم مجرد "حيطان بلا عمود فقري"!
في شعرها تختلط مراكب الحلم بضباب الواقعية، يرتطم التفاؤل بموجة الوعي الشعري الجديد. هكذا يشع التاريخ، تاريخ الذات، فوق تواريخ الحاضر وكأننا في ليلة شتاء قرب النار نصغي الى حكاية الشعر السحرية، حكاية الكتابة ضد التيار، حكاية العنف الذي يبتغي شراء الوضوح.
&
&
فيفيان صليوا:
أطيان ( 64 صفحة)
عن: سندباد للطباعة والفنون، دمشق 2003
رسمة الغلاف واللوحات الداخلية بريشة الفنان العراقي اسماعيل زاير
مقدمة بقلم الشاعر العراقي عبدالكريم كاصد