د. سيّار الجميل
&
&
&(الحلقة الاولى)
&
مقدمة:
&عندما أهديت كتابي الاول "العثمانيون وتكوين العرب الحديث" الذي اصدرته في نهاية الثمانينيات الى استاذنا الكبير البرت حوراني، أجابني الرجل بعد اسبوعين برسالة قال فيها: يا سيار، ان اردت ان تحافظ على مستواك، فلابد ان لا تصدر شيئا بعد اليوم اقل كفاءة من هذا الكتاب.. وتكرر الامر نفسه مع استاذنا الكبير عبد العزيز الدوري، عندما التقيت به بعد ان اطلّع على كتابي " المجايلة التاريخية " الذي اصدرته في نهاية التسعينيات، قال: ينبغي عليك ان لا تصدر أي كتاب بعد اليوم اقل اهمية مما اصدرت الى حد الان! وكلما اتقدم في العمر، اشعر بأن المسؤولية الادبية والعلمية والاخلاقية تتضاعف فوق كاهلي امام الناس. لقد أتيت بهذه المقدمة، لأعلم القارىء بأن اسم الكاتب والروائي المعروف عبد الرحمن منيف، قد اهتز عندي هزّا شديدا وأنا اقرأ كتابه الاخير الذي اصدره قبل ايام بعنوان: "العراق: هوامش من التاريخ والمقاومة".. وتمنيت عليه بصدق لو انه بقي بعيدا جدا عن مثل هذه الموضوعات التي طرقها وكتب فيها مضمون هذا الكتاب الذي خسر فيه مؤلفه الكثير من رصيده لدى القراء والمختصين والمثقفين العراقيين الذين يعلمون ما لم يعلمه الاخ منيف، ويدركون ما لم يدركه الرجل للاسف الشديد.
&وكم نادينا بأعلى اصواتنا، بأن اية مغامرة جديدة لأي من الكتاب والادباء العرب لابد ان يحسب حسابها جيدا قبل ان يندفع صاحبها من اجل الاثارة بالاقتراب من موضوعات عراقية حسّاسة جدا وخصوصا في تاريخه الحديث والمعاصر، لأنها ستعكس فشله حتما وتؤثر بالضد على سمعة صاحبها سيما وان تاريخ العراق المعاصر معقّد جدا وله مخاطر لا تحصى ولا تستقصى وان اغلب الذين تعاملوا معه من المؤرخين العراقيين والغربيين كانوا على درجة من التخصص والسيطرة على معرفة بالعراق ومكوناته واطيافه ومشكلاته وتعقيدات كل الوانه.. فضلا عن توفر قدر كبير من الحيادية والامانة والشمولية من خلال اتباع منهج ذكي وبارع في التعليل وتحليل المضامين والمواقف والاحداث التاريخية والابطال والشخوص وصولا الى النتائج والاستنتاجات التاريخية ومن ثمّ توظيفها جميعا في خدمة البحث العلمي. ان تاريخا رصينا للعراق الحديث لا يمكن كتابته من خلال هوامش عادية وقصاصات ورقية من قبل اديب روائي هام في دوامة سياسة خرقاء قادت بعد عقود من السنين الى كل هذا الوباء الذي تشهده المنطقة في بدايات القرن الواحد والعشرين!
&
من هو عبد الرحمن منيف؟
&
&ولد عبد الرحمن منيف في عام 1933 في عمّان بالاردن لأبٍ من نجد وأم عراقية كما يقولون -. أنهى دراسته الثانوية في العاصمة الأردنية, ثم التحق بكلية الحقوق في بغداد العام 1952. وبعد عامين من انتقاله إلى العراق، طرد منيف منها في عام 1955 مع عدد كبير من الطلاب العرب بعد توقيع حلف بغداد; فواصلَ دراسته في جامعة القاهرة. تابع عبد الرحمن منيف دراسته العليا منذ عام 1958 في جامعة بلغراد, وحصل منها في عام 1961 على درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية, وفي اختصاص اقتصاديات النفط, وعمل بعدها في مجال النفط بسورية. في عام 1973, انتقل منيف ليقيم في بيروت حيث عمل في الصحافة اللبنانية, وبدأ الكتابة الروائية بعمله الشهير (الأشجار واغتيال مرزوق ). في عام 1975 أقام في العراق, وتولى تحرير مجلة (النفط والتنمية )حتى العام 1981 الذي غادر فيه العراق إلى فرنسا حيث تفرغ للكتابة الروائي. وفي العام 1986 عاد منيف مرة أخرى إلى دمشق..حيث يقيم الآن. كان صديقا حميما للاديب الروائي جبرا ابراهيم جبرا.
&صدر لعبد الرحمن منيف عدد من الروايات: (الأشجار واغتيال مرزوق) (1973), (قصة حب مجوسية) (1974), (شرق المتوسط) (1975), (حين تركنا الجسر) (1979), (النهايات) (1977), (سباق المسافات الطويلة) (1979), (عالم بلا خرائط) (كتبت بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا, 1982), خماسية (مدن الملح): (التيه) (1984), (الأخدود) (1985), (تقاسيم الليل والنهار) (1989), (المنبت) (1989), (بادية الظلمات) (1989), و(الآن هنا) أو (شرق المتوسط مرة أخرى) (1991), (لوعة الغياب) (1989), (أرض السواد) (1999). كما صدرت لمنيف مؤلفات في فن الرواية, ومؤلفات أخرى في الاقتصاد والسياسة. حاز على جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للرواية عام 1989 وعلى جائزة القاهرة للإبداع الروائي التي منحت للمرّة الأولى عام 1998.
&
العنوان وتوهم التاريخ:
&ولما كان مضمون كتاب عبد الرحمن منيف هو مجرد هوامش في التاريخ والمقاومة كما اسماها -، فان الكتاب يقع في باب المصنفات التاريخية وبذلك ابتعد الرجل عن حقل كتاباته في الرواية الادبية والتاريخية. لقد اطلق المؤلف عنوانه على كتابه: "العراق: هوامش في التاريخ والمقاومة" وبرر استخدامه لمصطلح (الهوامش) عندما وصف كتابه بأنه: "كتاب مجرد مجاز، اذ كتب معظمها بظروف خاصة، ومن الذاكرة بالدرجة الاولى.. وانها ليست دراسات تاريخية.. وهذه الصفحات عبارة عن رؤوس اقلام اكثر مما هي دراسة تاريخية" (ص 27). وانا اعلق هنا بقولي على ازدواجية في الفهم: لا ابدا، لا يمكننا قبول هذا الايهام والتفسير من قبل كاتب محترف اسمه عبد الرحمن منيف، فما دمت تعترف بأن "التاريخ.. يستدعي قراءة متأنية موضوعية للوقائع، ومعرفة نقاط قوتها وضعفها، والا انقلب السحر على الساحر، كما يقال، اذ يصبح التاريخ عبئا بدل ان يكون رافعة وطاقة اضافية" (ص 9).
&اعتقد بأن هذا خلل كبير، فما دمت لم تستطع ان تجعل من كتابك الا مجرد مجاز وليس تاريخا، فلماذا غامرت هكذا بسرعة بالكتابة في شؤون العراق المعاصر؟ واذا كنت تدعو الى الموضوعية، فلماذا غابت الحيادية عنك في كتابك غيابا متعمدا؟ ناهيك عن حجم الاخطاء التي وقعت فيها والتي لم تستطع التخلص منها كونك ادخلت نفسك في دوامة لم تستطع الخروج منها ابدا، خصوصا وان العراق يمر اليوم بأخطر مرحلة تاريخية ستحدد مستقبله ومصير اجياله، فليس من السهولة ابدا ان تنزل الى حلبة مليئة بالالغام والمتفجرات، وانت عديم القوة والتخصص والاحتراف والمهارة وفي وسط امواج عاتية ولم تملك اية ذاكرة تاريخية قوية عن العراق تسعفك في تمييز الالوان والانواع والاجناس وكل الاطياف المتنوعة للمجتمع العراقي بكل تعددياته القديمة.
العنوان وتوهم التاريخ:
&ولما كان مضمون كتاب عبد الرحمن منيف هو مجرد هوامش في التاريخ والمقاومة كما اسماها -، فان الكتاب يقع في باب المصنفات التاريخية وبذلك ابتعد الرجل عن حقل كتاباته في الرواية الادبية والتاريخية. لقد اطلق المؤلف عنوانه على كتابه: "العراق: هوامش في التاريخ والمقاومة" وبرر استخدامه لمصطلح (الهوامش) عندما وصف كتابه بأنه: "كتاب مجرد مجاز، اذ كتب معظمها بظروف خاصة، ومن الذاكرة بالدرجة الاولى.. وانها ليست دراسات تاريخية.. وهذه الصفحات عبارة عن رؤوس اقلام اكثر مما هي دراسة تاريخية" (ص 27). وانا اعلق هنا بقولي على ازدواجية في الفهم: لا ابدا، لا يمكننا قبول هذا الايهام والتفسير من قبل كاتب محترف اسمه عبد الرحمن منيف، فما دمت تعترف بأن "التاريخ.. يستدعي قراءة متأنية موضوعية للوقائع، ومعرفة نقاط قوتها وضعفها، والا انقلب السحر على الساحر، كما يقال، اذ يصبح التاريخ عبئا بدل ان يكون رافعة وطاقة اضافية" (ص 9).
&اعتقد بأن هذا خلل كبير، فما دمت لم تستطع ان تجعل من كتابك الا مجرد مجاز وليس تاريخا، فلماذا غامرت هكذا بسرعة بالكتابة في شؤون العراق المعاصر؟ واذا كنت تدعو الى الموضوعية، فلماذا غابت الحيادية عنك في كتابك غيابا متعمدا؟ ناهيك عن حجم الاخطاء التي وقعت فيها والتي لم تستطع التخلص منها كونك ادخلت نفسك في دوامة لم تستطع الخروج منها ابدا، خصوصا وان العراق يمر اليوم بأخطر مرحلة تاريخية ستحدد مستقبله ومصير اجياله، فليس من السهولة ابدا ان تنزل الى حلبة مليئة بالالغام والمتفجرات، وانت عديم القوة والتخصص والاحتراف والمهارة وفي وسط امواج عاتية ولم تملك اية ذاكرة تاريخية قوية عن العراق تسعفك في تمييز الالوان والانواع والاجناس وكل الاطياف المتنوعة للمجتمع العراقي بكل تعددياته القديمة.
نحن والغرب
&ان مشكلة عبد الرحمن منيف هي مشكلة اغلب ابناء العروبة في النصف الثاني من القرن العشرين.. انهم يغلبون كراهيتهم للغرب على كل تفكيرهم من حيث يفتقدون حياديتهم وموضوعيتهم بسبب هذا العداء الذي يعتبرونه متبادلا ومن دون اية قياسات ولا تمفصل في الحيثيات والموضوعات والخلط بين المعرفة والايديولوجيات والايهام السياسي بصبغ كل الحياة العربية وكأنها عدوة لكل هذا العالم.. وبالاحرى كأن مشاكلنا كلها من صنع هذا العالم.. صحيح ان علاقاتنا بالغرب متموجة بين القوة والضعف وبين الانشداد والانفلات وبين الاستعمار والتحرر وبين اسرائيل وفلسطين.. الخ الا ان العرب لا خيار لهم اسوة ببقية الشعوب الاخرى في العالم الا التعامل مع الغرب بحكم قوته وهيمنة تحدياته المتنوعة ليست السياسية حسب، بل الاعلامية والمعرفية والثقافية والتكنولوجية.. واستطيع القول بأن اغلب ابناء النخب العربية المثقفية الناضجة قد تعلمت في الغرب وعرفت امتلاك تخصصاتها ومناهجها ومعارفها الحديثة عن الغربيين.. وهناك من استوعب كيفيات التعامل وهناك من لم يستطع الاستجابة للتحديات وهناك من اغلق جوارحه كاملة عن كل الغرب باعتباره عدوا لدودا.. يقول المؤلف مثلا: "ان المخطوطات الهامة والنادرة والتي تتمتع بقيمة تاريخية وفنية رحلت عن المنطقة العربية الى عواصم الغرب وحواضره وهناك قفل على القسم الاكبر منها، بحيث لا تتاح الفرصة للتصوير او العرض او لمجرد الرؤية" (ص 193).
&واقول متسائلا: اذا لم تكن عندك اية تجربة ومعاملات مع مكتبات العالم الكبرى في الغرب، فلماذا يفترى هكذا على العرب زورا وبهتانا ؟ وبصراحة متناهية اقول: لقد نجح الغرب كثيرا في حفظ آثارنا ومخطوطاتنا من التلف والسرقة والنهب والاحتراق والعبث.. وعلى مدى خمس وعشرين سنة وانا ومعي مجموعات واسعة من المختصين والباحثين العرب والمسلمين الشرقيين ونحن نستخدم المكتبات الامريكية والروسية والبريطانية والفرنسية والالمانية والنمساوية والهنغارية والايرلندية والاسكتلندية والاسبانية.. الخ من دون ان اجد دائرة او مكتبة واحدة في الغرب تقفل علي ما اريد الاطلاع عليه ابدا! انني امتلك هويات واذونات رسمية خاصة بي لاستخدام مكتبات معينة من دون اي معاناة كالتي يعاني منها العرب انفسهم في مكتبات بلدانهم انفسهم ؟ فلماذا نضحك على بعضنا البعض الاخر؟
اسئلة لابد ان تجيب عليها: اخطاء تاريخية
&هل من المعقول ان يقول المؤلف مثلا -: " فثورة العشرين مثلا التي انفجرت مع بداية الحكم البريطاني للعراق.. " ( ص 11 ) ونحن نعلم بأن الاحتلال البريطاني للعراق استغرق اربع سنوات للفترة 1914 1918 م، ولم تندلع الثورة الا بعد ثلاث سنوات على احتلال بغداد من قبل الجنرال مود عام 1917. والمؤلف يبدو انه لا يعترف بجريمة غزو الكويت ويسميها بـ " دخول الكويت " بقوله: " فأمريكا شجعت العراق على دخول الكويت.. " ( ص 17 ) وثمة خطأ آخر عندما يقول: ".. ما لبثت ان اعتبرت هذا الدخول ( = غزو الكويت ) سببا لاعلان الحرب وحشد القوى من جميع انحاء العالم لتحرير الكويت، وكانت بالتالي حرب الخليج الاولى " ( ص 18 ). والصواب كما هو معروف انه ( حرب الخليج الثانية )! ويتابع الخطأ بخطأ آخر عندما يستطر قائلا: " أما العدوان الاخير، والذي سمي بحرب الخليج الثانية، فقد بدأ الاعداد له منذ ان انتهت الحرب الاولى.. " ( ص 18 )! وهل من المعقول ان تقول بأن " اغلب مناطق العراق اصبحت تحت سيطرة الثوار عام 1920 اذ ما عدا بغداد والبصرة، والتي كانت تتمركز فيها القوات البريطانية وكان يحاصرها الثوار ايضا، فان باقي المناطق كانت محررة وتخضع لسيطرة الثوار.. " ( ص 42). وهذا غير صحيح ابدا، فالمراجع التاريخية جميعها لا تقر بمثل هذا الكلام ابدا، بما فيها المصادر من كتابات بعض الذين شاركوا في الاحداث!
&وتقول بأن المستر ( عبد الله ) فيلبي " كان احد صانعي السياسة البريطانية في المنطقة العربية، خاصة في العراق.. " ( ص 70 ). نعم، كان فيلبي من منفذي السياسة البريطانية وليس من صنّاعها، ولكن في نجد من الجزيرة العربية وليس في العراق بعد ان اقترح ان يكون الاخير جمهورية وليس مملكة.. وقد عاش في الرياض ردحا طويلا من الزمن وكتب كل مؤلفاته عن السعودية ونجد والملك عبد العزيز آل السعود.. ولابد ان نرجع للكم الوفير من كتبه ومنشوراته ونتدارسها لنرى حجم ما كتبه عن موضوعات الجزيرة العربية مقارنة بالذي كتبه عن العراق!&وتقول بأن بريطانيا (كانت) مستغلة بقاء لواء الموصل موضوعا للمساومة، لأن هذا اللواء بقي موضع تجاذب بين تركيا.. وبين بريطانيا وبين فرنسا " ( ص 71). واقول: لا ابدا، فمشكلة الموصل لم تظهر للعلن الا بعد 1921 اي بعد تأسيس كيان الدولة في العراق وبعد معاهدتي سيفر ولوزان.
الطعن في شرف فيصل الاول وسلوكه العام
&وتقول: "وكان فيصل الاول يلجأ اليها ( = المس بيل ) في الصغيرة والكبيرة الى ان وصل الامر الى حد الالتباس في العلاقة، وتشير المس بيل ذاتها الى عدد من الحالات حين كان فيصل الاول يستدعيها الى مزرعته الخاصة في خانقين ليناقش معها بعض الامور، او لكي يفضي اليها بمكنونات عقله وقلبه!" (ص 76). وهنا، اتساءل: ألم يكن بمقدور مؤلفنا عبد الرحمن منيف ان يوثق هذا الخبر الذي يتعلق اساسا بشرف الملك فيصل الاول واخلاقياته ؟ اذا كنت قد اعتمدت على كتاب عبد الرحمن البزاز في توثيق المرشحين للملكية في العراق، فلماذا لم توّثق هكذا رواية خطيرة تتعلق باثمن ما يمتلكه الانسان ؟ هل غدا التاريخ العوبة او دمية بأيدي البعض من الروائيين الراديكاليين الذين لا يحترمون كلمتهم ؟ واذا كان المؤلف يطلق بهكذا احكام جزافا على الاخرين، فلسوف يتهم بعدم الامانة في اعماله كلها! وسواء التقى فيصل خلسة بالعجوز الانكليزية المس بيل في مزرعته ام قصره ام لم يلتق، فالمس بيل لم تكن عربية ولا مسلمة ولا فتاة عراقية باكر يأبى اهلها على شرفها.. فلماذا لم يكتب منيف في هوامشه عما اقترفه عدي صدام حسين بحق الفتيات العراقيات ؟ ولماذا لم يتعرض عبد الرحمن منيف بكلمة حق واحدة تقال في الذي جناه صدام حسين بحق العراقيين والعراقيات.. يكفي في فيصل انه اسس كيانا جديدا وحقق علو كلمته في عصبة الامم قبل ان يموت.. ويكفي صدام انه هجم ذلك الكيان وسحق شعبه واخل بالنظام العربي قاطبة بحروبه التي لم يذكرها صاحب تاريخ الهوامش!
&في مكان آخر يطعن عبد الرحمن منيف ايضا في فيصل الاول واخلاقه وسيرته ايام مرضه ووفاته، فيقول: " وضمن ملابسات تلفت النظر لتشابكها وغرابتها، وبعد ان التقى فيصل بسيدة هندية قيل انه كان يحبها، وبعد ان شرب الشاي معها تعّرض لازمة قلبية اودت بحياته... " ( ص 91 ). ومرة اخرى، هل استطاع المؤلف ان يوثّق الخبر بدل جعله سائبا هكذا قيل عن قال ؟ لماذا ملابسات تلفت النظر ؟ واين التشابك والغرابة ؟ كيف التقى فيصل بسيدة هندية وكان يحبها وهو على سرير المرض في سويسرا ؟ ومن الذي قال للمؤلف بأن فيصل كان يحبها ؟ لماذا هكذا تلفيقات بحق رجل اعتقد انه لم يسرق العراق ولم يضطهد العراقيين.. اعتقد انه كان مؤسسا بارعا لدولة جديدة! واعتقد انه الزعيم الوحيد الذي حكم العراق في القرن العشرين وقد فهم العراقيين فهما عميقا.. واذا كانت المعلومات المؤكدة والموثقة تقول بأن ممرضة هندية كانت تقوم في احدى مستشفيات سويسرا على راحته.. وتتهم بزرقه ابرة فيها سم وليس هناك ادلة دامغة تكشف هذا الخبر.. فلماذا قمت بتحريفه اخرجته عن حقيقته ؟ واسألك: اذا كان هناك محبة قد جمعت فيصل الاول بسيدة هندية فلماذا قتلته ؟ هذا كلام هامشي فعلا ولا يصلح ان يعتمد عليه ابدا القراء العرب من العقلاء والمثقين الناضجين.
&يقول المؤلف: "في عام 1921 كانت المباحثات من اجل اقامة الدولة، تجري بين فيصل بن الحسين ومعه كوكبة من الذين شاركوا في ثورة العشرين، وكان غبار المعارك لا يزال عالقا بعباءاتهم وجفونهم.. والطرف الثاني في المفاوضات مجموعة من القادة العسكريين والسياسيين البريطانيين الذين عرفوا المنطقة وناسها.." (ص 83). وانا اتساءل: ما هي اسماء تلك الكوكبة الذين شاركوا في ثورة العشرين ؟ فالتاريخ لم يقل بمثل هكذا رواية تاريخية، فمن اين اتى المؤلف بها؟ ونحن نعرف قادة ثورة العشرين واحدا واحدا.. فمن هو ذاك الذي جلس يفاوض الانكليز؟ هل يمكن للمؤلف ان يخبرنا بما سجله بكل سرعة ؟
&ان كتابة التاريخ امانة في اعناق اولئك الذين يجازفون في معالجة موضوعات خطيرة وخصوصا عندما تتعلق بقضايا لا يدركها الا المختصون الذين لهم القدرة في استنباط التوجهات استنادا الى معلومات موثّقة واكيدة، وليكن معلوما بأن كاتبنا لا يفّرق ويا للاسف الشديد بين "المعلومة" الدقيقة و"وجهة النظر" العامة، فخلط بين الاثنتين، فجاء كلامه غير دقيق ابدا خصوصا وانه لم يعتمد على مصادر تاريخية ووثائق معلومات، بل اعتمد على ذاكرته وعواطفه فقط في كتابة موضوعات خطيرة من اجل الاثارة لا من اجل المعرفة، ومن اجل تشويه تاريخ العراق لا من اجل اغنائه بما يفيده والعراق يمر بادق مراحله اليوم!
&
مؤرخ واكاديمي عراقي مقيم بين كندا والامارات






التعليقات