&كاتبة أردنية
التقيته في خريف عام 1971ولم أكن أعرف أنّ هذا اللقاء سيشكّل حدثاً مفصليّاً في حياتي. استقبلني تيسير بدماثة وبشيء من التحفّظ ما لبث أن زال خلال تلك الجلسة إلي حد أنّّه حدّثني عن شعره وأعارني نسخته الشخصيّة من ديوانه أحزان صحراويّة كون نسخه نافذة من السوق. ولكن أهم ما في ذلك الحديث والذي يؤشّر علي طبيعة تيسير أنّه اعتذر مسبقاً عن سويّة الديوان وقال لي أنّه لو طبعه متأخّراً لحذف أغلب قصائده. وصدّقته فوراً وأخذت شهادته علي نفسه علي أنّها ليست فقط الحقيقة فيما يتعلّق بسويّة شعره بل زدت من مخيّلتي نقائص أخري علي شعره لاعتيادي ادّعاء الشاعريّة في عالمنا العربي من كل من هبّ ودب.
وكانت المفاجأة حين شرَعت بقراءة الديوان قبل موعد إعادته بيوم كون شهادة صاحبه,التي اعتبرتها اعترافاً أزهدتني به. فسويعات قراءته كانت بالنسبة لي واحدة من تجارب اكتشاف كاتب عظيم ممّا يهبنا واحدة من المتع النادرة في الحياة ,و يولّد لدينا دهشة معرفية حتّي بعد زوال عمر الدهشة.. فكيف وأنا بعد في بواكير الشباب !! وقضيت اليوم أنسخ غالبيّة الديوان في دفتر ما زلت احتفظ به كي أعيد الكتاب المستعار في وقته خاصّة ان معرفتي بصاحب الكتاب كانت حديثة جدّاً ورسميّة بالتالي. وعندما أعدت لتيسير ديوانه قلت له انّني فوجئت بعكس ما أوحي لي به وفوجئت بأنّه تفاجأ صادقاً برأيي هذا وسعد به.
ولاحقاً وفي نهايات السنتين اللتين كانتا عمر صداقتنا أخبرني تيسير عن نيّته إتلاف بعض قصائده باعتبارها في تقييمه القاسي لنفسه غير جديرة بالنشر. فخشيت ان يفعلها وعرضت عليه اتّفاقاً فحواه أن يعطيني نسخة من أيّة قصيدة ينوي إتلافها أطّلع عليها إن شاء أو أستلمها في ظرف مغلق. وبعد عام نعود إليها معاً أو يعود إليها وحده لنبحث أمر إتلافها او إبقاءها أويقرّر ذلك هو وحده.. وحتّي هذا اعتبره تيسير لتواضعه الجم في أمر واحد هو شعره (فلم يكن متواضعاً في أمور أخري بل كان شديد الإعتزاز بمواقفه باعتبارها مباديء) اعتبره ثقة ومديحاً منّي فوق ما يستحقّه. وشكرني بابتسامته الخجولة الطفوليّة التي يعرفها المقرّبون منه والتي لا يزورني طيف تيسير إلاً وأراها مرتسمة علي وجهه.. ولكن القدر لم يمهلنا أم هل أقول انّ تيسير لم يمهلنا ولم يمهل نفسه لتنفيذ إتّفاقنا ذاك. ولكن نسخته الخاصّة من ديوانه المفقود من السوق بقيت لدي. فقد أصرّ علي بقائها معي حتّي بعد ان أعلمته انّني نسخت معظمه قائلاً:ما لديك يكون لدي وان احتجته سأطلبه..
ولم يطلب تيسير كتابه وأنا احتفظت بالنسخة المصحّحة أخطاؤها المطبعيّة بيد تيسير باعتزاز كبير كلفتةِ تقدير وثقة من شاعر كبير لصبيّة مبتدئة في عالم الشعر والثقافة.. وللأسف ولغياب أخلاقيات احترام الكتاب وفهم معزّة نسخ بعينها عند صاحبها بما يفوق أيّة قيمة ماديّة مهما علت فقدت تلك النسخة العزيزة النادرة لواحد أو واحدة ممّن أعرتهم الديوان في الأيّام التالية لرحيل تيسير علّهم يفهمون حزني ولأنّني شعرت أنّ علي العالم كلّه ان يحزن لرحيله. فلسفة تيسير في الحياة تتأكّد في عودته لها في ختام القصيدة قائلا:
وعزائي
رفقة لم يصلبوا جسّاس من أجل خيانة يُسألون الحب يُعطون محبّة
يغفرون
كلّنا كان يخون..
وفي قصيدته الوداعيّة يخاطب تيسير أصدقاءه بذات المحبّة الحانية حتّي في عتبها والمغرقة في التسامح حد الاعتذار عن رحيله وحتّي عن ذكراه إن أرّقت أيّاً منّا ففي قرارته كان يعرف أنّنا لابد سنأرق فيقول:
وأنت صديقي وأعلم
لكن قد اختلفت بي طريقي
ويختتم القصيدة الملخّصة لما يراه مسار حياته بوداع الأصدقاء وختام القصائد قد يكون أهم مفصل فيها فيقول:
عذريك بعد إذا ما التقينا بذات منام
تفيق الغداة وتنسي
لكم انت تنسي
عليك السلام!!
احترت أأقول أنّ القدر أم تيسير نفسه الذي قرّر رحيله. وحيرتي لا تأتي فقط من إيماني (كما كان يؤمن الإغريق) بأنّ أقدارنا تكمن في طبائعنا بل لأنّ تيسير ايضاً كان ميّالاً لذات الاعتقاد. وأعرف هذا لأنّنا تحدّثنا فيه حين نشرتُ قصيدتي أبوللو" او بالأحري حين أجزت لتيسير نشرها. واعتقاده هذا متضمّن في اختياره للشاعر مايا كوفسكي في أحد برامجه الإذاعيّة وبالذات لقصيدة غيمة في بنطال" والتي نري فيها ملامح من تيسير وتعليقه كناقد علي القصيدة وعلي نهاية الشاعر. يقول تيسير في ختام برنامجه ذاك:
لقد حمل ماياكوفسكي مشاعر الناس جميعاً في قلبه وعصرها في صوته الشعري العظيم.. ولكنّنا سنلتقي بعد خمسة عشر عاماً من هذه القصيدة يطلق النار علي نفسه مخلّفاً وصيّة قصيرة بضع كلمات حزينة تتحدّث عن زورق الحب الذي تحطّم علي صخور الحياة اليوميّة" ورجاء لأمّه ألاً تبكي وللناس ألاً يتقوّلوا عليه"..
ويتساءل تيسير عن نهاية مايا كوفسكي قائلاً: ماهي الخيوط التي نسجت فاجعة نهايته؟؟ هل تعاظم لديه الشعور بأنّ الكون أصمّ كما أعلن في ختام قصيدته غيمة في بنطال"؟؟ أم فاجعة حب كما قيل؟؟؟ويختتم الحلقة بقوله: يظل الجواب معلّقاً في سحب المجهول"...
فما معني اختيار تيسير لمايا كوفسكي مع كثرة الشعراء التي لا تكاد تُحصي ؟؟ ولماذا البحث في أسباب انتحاره بإطلاق النار علي نفسه مع أنّ قصيدة ماياكوفسكي تلك لا تتحدّث عن الموت؟؟ وما مدلول الشبه بين وصيّة ماياكوفسكي لأمّه بألاً تبكي عليه وتخفيف تيسير من أمر رحيله علي أصدقائه في قصيدته الوداعيّة؟؟ وما مدلول توجّس الشاعرين من سواء الفهم وتقوّل الناس عليهما؟؟ ألم يقل تيسير في قصيدة سابقة لكل هذا:
وجدّفوا علي
ولوّثت شفاههم آخر ما لدي
براءتي
واخيبة المسار
أللذباب - للذباب منتهي المطاف
يقتات ذوب مهجتي؟؟
إذا صحّ أنّ طبائعنا تحدّد نهاياتنا فللأمر وجهان يختلفان لاختلاف جذري في الطبائع يمكن ان نصنّفه في مجموعتين رئيسيّتين:الإيجابيّون أي الفاعلون في هذه الدنيا والمفعول بهم. والفئة الثانية هي التي حياتها تتقاذفها الأقدار العمياء وهم مستسلمون مستكينون. أمّا الفئة الأولي فأقدارها تتحدّد بخياراتها. هؤلاء بحكم وعيهم المتقدّم علي الآخرين يختارون إلي حد بعيد ما يكونون عليه. ووعيهم لوجودهم كأمر يتجاوز التواجد البيولوجي المحض كما الكائنات الأدني هو الذي يدفعهم للبحث عن معني لذلك الوجود وتجسيد ذلك المعني في كل ممارساتهم. والعديد منهم كونهم أصحاب إرادة لديهم الإستعداد والشجاعة للتمرّد علي حقيقة استلاب إرادتهم لحظة ميلادهم أو حتّي تكوّنهم وفي الكثير من تفاصيل حياتهم باختيار نهاياتهم إختياراً فرديّاً حرّاً. ولأنّ الانتحار يثير لغطاً وتساؤلات ساذجة (التجديف الذي تخوّف منه تيسير وماياكوفسكي) فلزام علي أن أعرج علي قضايا فلسفيّة ممّا له علاقة بحياة تيسير واختياره لنهايته منها قضيّة الإيمان عنده. وهي قضايا بحثناها معاً أكثر من مرّة.
وبداية أقول انّ تيسير يصنّف كمؤمن ولكن ليس إيمان العجائز" وإنّما بمفهوم ورؤية خاصّة للكون والخلق والوجود تختلط فيها المكوّنات المعرفيّة للفيلسوف بالأحاسيس الأكثر عمقاً وتعقيداً للشاعر. ولهذا يجري الحديث عن صوفيّة" تيسير وليس دون وجه حق فللصوفيين بل لكل صوفي تديّنه الخاص به وحده. وأثناء حديث لنا في شأن الإيمان أشار تيسير إلي أنّ المرأة هي إحدي تجلّيات الخالق". وفي هذا تتجلّي صوفية تيسير كما يتضح موقفه من الحب الذي يتجاوز هو أيضاً المفهوم التقليدي الضيق الساذج ليصبح حالة عشق كونيّة. وهي حالة لخّصها تيسير بجملة واحدة حين قال في برنامج إذاعي انّ الحب هو الجوهر الفريد لامتلاك العالم". ومن يفهم هذه العبارة هو وحده المؤهّل لفهم علاقة تيسير بالكون والخالق والأديان بالبداية والنهاية وما بينهما من امتداد للحياة وسيلته الحب بل بالأحري العشق ما دام حديثنا عن شاعر ذي سويّة عالية من الإحساس والفكر. وهو يقدّم لهذا الموقف وإن استحال أن يفصّله أوأن ننجح نحن في تفصيله عبر دراسة آثاره وآرائه بأبيات شعريّة تقول:
أنا لم أدفن جبيني بعمامة
لا ولم أنحر يقيني تحت كرسي اعتراف
غير أنّي لي طقوسي وصلاتي
عندما تنزف روحي
في حنايا رعشاتي.
وبما أنّ الفلسفة والأديان تختلط اختلاطاً عضويّاً أستطيع ان أقول في هذا السياق وحسب معرفتي بتيسير انّه كان أيضاً ذا نزعة وجوديّة. وتتجلّي هذه النزعة في مجمل التساؤلات التي طرحها في شعره كما تتجلّي في اختياره لنهاية حياته. ولعلّ أبرز تجسيد للنزعة الوجوديّة عند تيسير قصيدته حلوليّة. حيث يقف متأمّلاً ضجعة الخليج في لحظة منسيّة بغير ما يقين.. ويقول:
ظننت انّني اعود والزمان للوراء
من قبل ألف دورة وقفتُ والمساء
نهنهة طريّة تنسلّ في مجاهل السماء
عيناي أين كانتا"؟؟
غيّبني السؤال
أنا أكون
لم أكن
وحين لا أكون
من الذي يري الخليج والصخور والفضاء
لعلّها..
لعلّها الأشياء
تري إلي الأشياء..
منذ ثلاثين عاماً وأنا أفكّر بالكتابة عن تيسير ولم أفعل وإن لم أتوقّف عن الحديث عنه. والسبب هو أنّ الجرح الذي خلّفه تيسير ظلّ طريّاً نازفاً عند كل لمسة. وكان تيسير يقدّس الكلمة ويتردّد وهو المبدع في فنونها قبل ترسيمها في نص مكتوب. ولعلّ ذلك مصدر بعض الوجل الذي ينتابنا عند الكتابة عن تيسير للملأ بينما يسهل الحديث عنه باستفاضة في حضور الخاصّة من أصدقاء الفكر والروح.
واليوم احترت بماذا أبدأ حديثي عمّن أعتبره شاعر الأردن الأوّل وأحد أعظم شعراء العرب. فتيسير لا يُبحث في عجالة وإنّما يستحق مجلّدات من البحث والتحليل تتناول كل منها جزئيّة من شعره وفكرة ومواقفه. وتحاشيت الدخول في موضوعه الأوّل ,والأبرز في شخصيّة تيسير وهو انتماؤه العربي الذي اختاره عنواناً لثلاث قصائد ولديوانه(أحزان صحراويّة). فذاك بحث لا أحب أن أُحصره في وقت أو مساحة لا تفيه حقّه.
وتيسير هو القائل:
وأبعد - أبعد من كل ما قيل -
ما لا يُقال
فلصق ضميري تظل حروف
حروف ثقال
أُشلّ عليها وليس تبوح
وتفعم صدري بطعم المحال
.............................
من أجل هذا الذي لا يقال
تساقط- تهمي
دموع الرجال.
ولا أزيد في هذا علي أن اؤكّد ما ذهبت إليه السيّدة الفاضلة الدكتورة مي اليتيم في فهمها الإنساني والأدبي ممزوجاً بالحب الذي يفتح أبواب فهم كل ما ينغلّق علي العقل ذاته لتيسير السبول الشاعر والإنسان حين قالت بأنّها تتعامل معه علي أنّه أحد ظواهر الطبيعة".. وهكذا كان تيسر في حياته وفي إبداعاته. يكتب الشعر لأنّه لا يملك إلاّ أن يفعل ذلك تماماً كما يموج البحر إذا ما عصفت به الرياح وكما يترقرق الجدول إن مالت له الأرض. فمن منّا يدّعي انّه قادر علي حصر البحر أو وقف الجداول التي تلدها الأرض في كل لحظة لنقدّمها في قبضة يد؟؟












التعليقات