&
"إيلاف" من الرياض: لوهلة يظن المرء أن مايجري هو عملية غسيل أموال! الوضع لايخلو من غرابة، فما يجري هو نشاط محموم وإن كان غير ظاهر&&الملامح، سمته الثابتة تبادلات قصيرة تنتهي بسرعة فلا يبق سوى الشك في طبيعة النشاط، والتعجب من ثقة المتعاملين، وشعورهم المطلق بالطمأنينة.& |
&
صالة استقبال متوسطة الحجم لشقق مفروشة ذات موقع متميز يكاد أن يلامس شارع العليا في مدينة الرياض، تشهد حركة صاخبة وكثافة زوار لاتتفقان مع حجم المبنى وسعته الافتراضية. يبدأ نشاطها اللافت بعيد صلاة العصر ويستمر أحياناً إلى منتصف الليل. يدخل شخص يحمل رزماً نقدية من الريالات السعودية يضعها على الطاولة أمام شخص آخر يتناولها و يعدها بسرعة وثقة، ثم يخرج من حقيبته رزماً أخرى ذات لون أحمر يسلمها للضيف الذي لايبدي حرصاً على التأكد من صحة عددها، بل ينهض معتذراً، في الغالب، عن شرب الشاهي. العملية ذاتها تتكرر على طاولات أخرى. النساء يبقين في سياراتهن يجيء إليهن رجل يتهامس معهن، دون أن يخشى حضور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يتم تبادل العملات.
الزبائن يتغيرون لكن البائعين ثابتون وأن تباين عددهم من فترة إلى أخرى، يتحركون حول طاولة مركزية تمثل الممول الأساسي فهو الذي يستقبل النقد السعودي، وهو الذي يصرف النقد العراقي، وفي حالات محدودة ينعكس الوضع. في كثير من الحالات يتعرف المشترون على البائعين عبر الوقوف في منتصف الصالة والاتصال على الرقم المقصود فإذا شاهد أحد الجالسين يسحب جواله عرف أنه "أبو عبدالرحمن" مثلاً فاتجه إليه سريعاً وتبادلا بعض كلمات سريعة تختم بشراء العملة.
&
"أبو عبدالرحمن" سمسار نشط يتحرك من طاولة إلى أخر ى يجري الصفقات بسرعة مستفيداً من ملامحه البشوشة. ومن السهل معرفة ايجابية نشاطه إذ تزداد |
ابتسامته سعة وحبوراً لتكون بوصلة لاتخيب في معرفة ماحققه من نجاح. وبين حين وآخر يقصد شاباً، يكتفي بمراقبة مايحدث عن بعد، ليودع لديه السعودي ويتزود بالعراقي. شعل الرقاص شاب برز سريعاً في المتاجرة بالدينار العراقي، بدأ قبل بضعة أشهر وأصبح من "هوامير" السوق خلال فترة قصيرة، ينشر إعلاناً يومياً صغيراً في صحيفة "الرياض" السعودية، يقول عنه: مردوده نحو 40 اتصالاً يومياً، معظمها تأتي من أشخاص متحمسين للشراء، والقليل منها للتعرف على حال السوق.
&
&
يسميه بعض زملائه&"البنك المركزي" يبتسم بتواضع يتكىء إلى الرضى ويقول: بدأت بخسارة لكنني تعلمت منها سريعا. الآن البنوك تشتري مني، وألعب دوراً مهماً في تحديد سعر الصرف.
الدينار العراقي هذه يباع في السوق السعودية، عبر تسعيرة مشعل وزملائه بــ2500 ريال سعودي لكل مليون دينار، أي أرخص من البنوك بـمائتي ريال، وأرخص من السماسرة الفرديين بمبلغ يتراوح من 20 إلى 50 ريالاً.يقول مشعل: ربحي في حدود 10 ريالات عن كل مليون، الآخرون قد يكسبون 100. الربح ليس مهماً بل المهم حفظ توازن السوق. وهو مايتحقق عبر سحب الكميات العشوائية من السوق، والاتصالات مع خبراء السوق في الكويت وحفر الباطن.
خاصية حفر الباطن أنها أصبحت نقطة التوزيع للدينار العراقي منذ أن صدر قرار البنك المركزي العراقي بتحديد المبالغ التي يمكن للفرد حملها عند مغادرته العراق، وهي "خمسون دينار" فقط حسب مشعل الرقاص. ويمكن القول أنها تأتي إلى حفر الباطن إما عبر التهريب، أو عن طريق الكويت، أو من خلال المسارين معاً. ومعظم المبالغ تنتهي رحلتها في الرياض التي تمثل الثقل الحقيقي في الاتجار بالعملة العراقية.
مليارات الدنانير تهاجر إلى السعودية
مشعل الرقاص وحده يبيع يومياً نحو مائتي مليون دينار عراقي. وتشير احتمالات إلى حجم التبادلات اليومية في الرياض وحدها يصل إلى 600 مليون دينار أو أكثر، أي مليون ونصف المليون ريال سعودي(400 ألف دولار). بقية المناطق السعودية تحتشد لمايقارب حصة الرياض.
مشعل الرقاص وحده يبيع يومياً نحو مائتي مليون دينار عراقي. وتشير احتمالات إلى حجم التبادلات اليومية في الرياض وحدها يصل إلى 600 مليون دينار أو أكثر، أي مليون ونصف المليون ريال سعودي(400 ألف دولار). بقية المناطق السعودية تحتشد لمايقارب حصة الرياض.
المبالغ المكدسة في السعودية غير معروفة، وإن كان الظن أنها تبلغ عشرات المليارات أو حتى المئات، البعض يرى أن حصة الرياض لاتقل عن ستين مليار. والواقع أن هذه الافتراضات خجولة إلى حد ما لأنه إذا كان متوسط المبيعات في المملكة لا يقل عن 600 مليون يومياً فإن المتجمع شهرياً 18 مليار، ما يعني نحو 130 ملياراً (867 مليون دولار)خلال بضعة أشهر يتكدس جلها في صناديق الحالمين بالثروة بينما يتسرب القليل منها إما عن حاجة أو عن قناعة بالربح اليسير.
شرائح الزبائن تشمل جميع الطبقات الاجتماعية والفئات العمرية من الجنسين. في الرياض شخصان يتوافرن على مليار دينار، بينما اشترى لاعب رياضي شهير 400 مليون دينار، كما اشترى مطرب أماراتي كمية مقاربة. معظم الزبائن تدور حصصهم حول العشرة ملايين، أي أن الفرد يستثمر 12500 ريال. يقول مشعل، ويوافقه أبو عبدالرحمن، أن شريحة مهمة من المستثمرين لا تتجاوز سقف المليون، بل إن البعض يكتفي بشراء 100 ألف دينار.وهو ما يشير إلى أن نزعة الاستثمار في الدينار تغلغلت حتى في أوساط ذوي الدخل المحدود، الذين يحرص بعضهم على الشراء شهرياً لزيادة حصتهم تدريجياً.
الطريف أن أعداداً من صغار المستثمرين، خصوصاً موظفي الشركات والمؤسسات يشترون في أول الشهر بما يعادل معظم رواتبهم، وقبيل نهاية الشهر يبيعونها، وإن بخسارة، نتيجة الحاجة إلى النقد، مشعل يصف هؤلاء بأنهم من المؤثرين سلباً على السوق، وإن كان يحاول أن يحثهم على الصبر وعدم التسرع.
الطريف أن أعداداً من صغار المستثمرين، خصوصاً موظفي الشركات والمؤسسات يشترون في أول الشهر بما يعادل معظم رواتبهم، وقبيل نهاية الشهر يبيعونها، وإن بخسارة، نتيجة الحاجة إلى النقد، مشعل يصف هؤلاء بأنهم من المؤثرين سلباً على السوق، وإن كان يحاول أن يحثهم على الصبر وعدم التسرع.
أحلام الثروة تنتشر بسرعة الرياح
الإعلانات تتكاثر يومياً، وتتعدد مصادرها، وحمى الاستثمار لا تكاد تترك ريالاً في جيب أحد إلا وتدغدغه بالتحول إلى دنانير عراقية. الدنانير ما أن تدخل بيتاً حتى تبدأ غزو البيوت المجاورة ليتوسع نطاقها حتى يوشك أن يغطي الحي. بعض المشترين يحقق حلماً وهمياً بامتلاك المليون، فيغدو مليونيراً بما لا يتجاوز 2500 ريال. يقول بعضهم الشعور بالثراء واحد وان تباينت القيمة الشرائية. آخرون مارسوا هذه الهواية مع العملات التركية واللبنانية من قبل.
الإعلانات تتكاثر يومياً، وتتعدد مصادرها، وحمى الاستثمار لا تكاد تترك ريالاً في جيب أحد إلا وتدغدغه بالتحول إلى دنانير عراقية. الدنانير ما أن تدخل بيتاً حتى تبدأ غزو البيوت المجاورة ليتوسع نطاقها حتى يوشك أن يغطي الحي. بعض المشترين يحقق حلماً وهمياً بامتلاك المليون، فيغدو مليونيراً بما لا يتجاوز 2500 ريال. يقول بعضهم الشعور بالثراء واحد وان تباينت القيمة الشرائية. آخرون مارسوا هذه الهواية مع العملات التركية واللبنانية من قبل.
رغم أن كثيرين عانوا مرارات موجعة من خسائر الاستثمار في الدينار العراقي منذ خمس عشرة سنة، وكذلك الليرة اللبنانية، إلا أنهم هذه المرة يندفعون لإعادة الكرة تحت هاجس الثراء المريح وشبه المضمون، استناداً إلى أن الدينار الجديد وليد الرعاية الأمريكية، وأنه سيكون مربوطاً إلى الدولار مما يحتم ارتفاع سعره بقوة وسرعة وأنه قد يعادل الريال قريباً، بينما تقف طموحات المتشائمين عند سعر 25 هللة سعودية للدينار الواحد، فيما تحلق أحلام مهووسة إلى عشرة ريالات للدينار الواحد.
الجميع يطمئنون بعضهم، وكل شخص ينتظر أن يبادر زميله ليكون له مرشدا. والحسابات لاتتوقف عن جرد كل الاحتمالات الممكنة، لكن الثابت أن كل من اشترى ديناراً تلبسته السياسة، واستولى عليه هوس الأخبار العراقية، ومتابعة كل ما يتصل بها بما في ذلك المحطات الكردية ليتابعوا مستقبل أموالهم المتدثرة بأحلام الثراء العريض. ليلة أمس (الأحد) قضى كثيرون ليلتهم يدعون أن تثبت صحة خبر القبض على عزة الدوري ليرتفع الدينار، كما حدث يوم القبض على صدام حسين إذ ارتفع إلى ضعفي سعره في أقل من ساعتين.
السعودية تجيز تداول الدينار دون أن تجيز إيداعه عملة نقدية، ومؤسسات الصرافة نشطة في ذلك بسبب لجوء فئة من العملاء إليها بحثاً عن تطمينات ورقية، في الوقت الذي يظل فيه الأفراد هم الأنشط لسهولة التعامل معهم، ولعدم خضوعهم لساعات عمل محددة، إضافة إلى أن المبالغ الضخمة تصل العميل في منزلة أينما كان. هذا السماح الجزئي يزيد من طمأنينة المستثمرين أنه لن يواجهوا كارثة إلغاء العملة بعد أن أصبح الخليج مركز تخزينها وليس بلد المنشأ، لكن تزايد تدفق هذه العملة إلى السعودية يزيد القلق. وما تزال مخاوف التزوير التي قصمت ظهور جامعي الدينار القديم قائمة لذا يحاولون التغلب عليها عبر اشتراط الحصول على فئات خمسة الآف دينار غير متسلسلة الأرقام باعتبار أن الفئات الأكبر أكثر قابلية للتزوير، وكذلك الفئات المتسلسلة، في الوقت الذي يساعدهم البائعون بتزويدهم أجهزة كشف التزوير.
&
هناك من يتعامل بالدينار العراقي القديم مع أنه ملغى قانونيا منذ الخامس عشر من كانون الثاني (يناير) الماضي، ومعظم الراغبين من المتجهين إلى العراق. أما الدينار الجديد فهو الأكثر موثوقية بأوراقه النقدية الست التي تبدأ بفئة الخمسين دينار، إضافة إلى أنه محمي، بشكل معقول، من التزييف إذ يحتوي |
&تصميمه على علامة مائية، ورمز متغير اللون، وشارة تأمين.
من الصعب تحديد مستقبل الدينار بسبب ارتهان وضعه إلى متغيرات سياسية إقليمية ودولية، وحركة المقاومة الداخلية، والانتعاش الاقتصادي العراقي، وكذلك الاعتراف بمجلس الحكم. ومن الصعوبات الحالية إجمالي الديون والتعويضات البالغ 320 مليار طلب لم يدفع منها سوى 18 مليار طلب، أما الدين نفسه فهو 113 مليار منها 80 مليار ديون أصلية والباقي لخدمته.
الظروف صعبة لكن السياسة إذا التحفت القوة تستطيع أن تصنع العجائب. ويبقى أن الدينار أضحى مسألة رهان على معطيات غامضة ومشوشة أكثر منه استثماراً مدروساً جيدا، والحظ هو الفيصل، وربما انبت الدينار جيلاً جديداً من الأثرياء، أما الخسارة فهي مشهد مألوف ومتكرر.
[email protected]












التعليقات