باسم عبود
&
&
&
تعود معظم قصص بشرى ناصر في هذا المقال - الى أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، فالقاصة التي شغلها عمودها السياسي في الصحافة لم تصدر بعد مجموعتها الأولى "المجنونة" مجموعة أخرى، وإن كانت قد نشرت هنا وهناك بعضاً من قصصها اللاحقة، ويبدو أنها وجدت في عمودها الصحفي ما يعوضها عن القصص، وفي مخاطبة الناس بشكل مباشر وسيلة أقرب الى قلوبهم أكثر مما تفعله القصة.
&&& تتناول بشرى ناصر في قصصها كما تفعل غيرها من القاصات الجو النسائي أكثر وهو أمر طبيعي فهي أعرف بدواخل بنات جنسها فبطلاتها من النساء في الغالب، غير أن هذا لايمنع من وجود بعض القصص أبطالها رجال كما في قصة "إعدام أحلام بكر"،فالرجل والمرأة متممان لبعضهما ولا حياة لأحدهما دون الآخر وإن كان هذا الآخر نداً له لكنه موجود ويمنح حياته طعماً ومعنى، وبطلات بشرى ناصر بشكل عام نساء متعلمات محبات القراءة وصاحبات رؤية خاصة للواقع، كما في قصة "تجربة أم لأول مرة"و"المجنونة" و"امرأة من نوع خاص" و "الموت برغبة" فالبطلات يقرأن رغم صعوبة القيام هذا الفعل في زمن يرى الناس فيه القراءة نوعاً من الجنون أوالترف على أقل تقدير بالنسبة للرجل أما بالنسبة للمرأة فهو أقرب الى الخطيئة ومضيعة للوقت.
&&& في قصص بشرى ناصر تكون الشخصية هي محور العمل على حساب باقي أركان القصة وهي بذلك تعد نفسها لتكون روائية، فالرواية هي التي تهتم ببناء الشخصية لا القصة القصيرة التي تهتم بالحدث أكثر من الشخصية.
&&& تتعدد أساليب القص عند القاصة فهي تستخدم أسلوب المونولوج الداخلي أو الحديث بلسان البطل كما في " تجربة أم لأول مرة " و"مغامرة شاب يدعى خلف" "حكاية امرأة من نوع خاص"والحديث بصفة الغائب كما في "المجنونة".
&&& تعمد القاصة بشرى ناصر الى لغة مقتصدة وتلجأ أحيانا الى الإيحاء فلغتها كما يقول الناقد علي ابراهيم علي هي أقرب الى الشعر " تستمر لغة الشعر في التقديم والتأخير وطريقة سبك العبارة وبناء الصورة الاستعارية "، هذا التداخل بين الشعر والقصة تفرضه طبيعة الثقافة المعاصرة، فلم يعد القاص ذلك الحكواتي الذي يجلس على كرسيه يقص علينا حكايات الزير سالم وعنترة العبسي، القاص اليوم مفكر ينشغل بهموم الناس.
&&& لا أدري لماذا لا تهتم القاصة كثيراً بعنوان القصة، فرغم جهدها في كتابة القصة، يأتي العنوان إما فاضحاً لمضمون النص، كما هو الحال في "تجربة أم لأول مرة " أو فيه من العجالة مثل "إعدام أحلام بكر" فعناوين القصص للأسف جاءت أضعف من القصة نفسها.
&&&&&& تلجأ القاصة في قصصها الى أسلوب يقترب من الحكي اليومي، فهي تقص وكأنها تحدث شخصاً تعرفه من خلال اسلوب البوح الذي تكتب به، وتتعامل مع عبارات مثل "سأقول لكم فيما بعد" وكأنها أمامك، هذا الأسلوب يجعل القارئ قريباً من القاص، حيث يشعر القارئ كأنه هو المعني وحده بهذه الحكاية.
&&& أصدرت القاصة مجموعتها الأولى " المجنونة" فاتخذت من الجنون مادتها كما يشي عنوانها بذلك، فالجنون في الأدب يعني من جملة ما يعنيه التمرد والرفض والبحث عما هو إيجابي في سماء الابداع لإنزاله الى الواقع، أو لقول ما لا يمكن قوله حين تكون الشخصية عاقلة، إنه هروب من الرقابة الاجتماعية التي يعاني منها المبدعون،والقاصة بشرى ناصر وسمت مجموعتها بـ"المجنونة" وهذا يعني أننا أمام حالة من حالات الرفض إذا لم نكن أمام حالة مرضية، في قصة المجنونة التي حملت المجموعة اسمها، نجد أنفسنا أمام إنسانة محطمة حطمها الحب الذي ينبغي به أن يمدنا بالسعادة، " صبية جميلة كانت، يعرف الجميع أن الشباب يحلمون بها، ولكنها الآن مجنونة، منكفئة على ذاتها، صموت يلاحقها الصبية في الحارات، وتثير فضول الناس الذين يتحدثون عن سرها، وندرك أن السبب كان فجيعتها بحبها واغتيال حلمها، إذ رحل الحبيب عنها وغاب، وحين عاد وجد أنها تركت المكان وغابت " بهذا الأسلوب المختزل تلخص الكاتب معاناة البطلة التي أودى بها حبها الى حالة من حالات الجنون،فعبرت عنه بتمردها على المكان الذي هجرته والوسط الذي ابتعدت عنه، فالناس الذين يشعرون بفشلهم في وسط ما،ينبغي بهم تغيير هذا الوسط ليبدأوا حياة جديدة بعيداً عن ماضيهم الذي يحملون ذكرياته التي تنغص عليهم حياتهم.
&&& غياب الحبيب ليس هناك ما يفسره بل لاضرورة لذلك، والكاتبة منشغلة برسم صورة "المجنونة" من خلال رصد الآخرين لها، فهذه أم بدر ترى أنها مجنون في وقت مبكر من حياتها، غير أن مفهوم الجنون لديها يختلف فتقول : منذ كانت صغيرة أحبت دائماً الدخول الى عوالم الدهشة والجنون، كان جنونها هواية، وليس نتيجة لفجيعة، فها هي مجنونة تقرأ مرة اكتشفها أحدهم تمارس فعل القراءة وافتضح أمرها القراءة فعل عقلاني والجنون تحطيم للعقل في مفجوعة بغيابه وحين عاد، آثرت استمرار الفجيعة فرحلت. الرحيل هنا هو هروب من المواجهة وبحث عن حياة جديدة في عالم جديد.
&&& تشعر القاصة بشرى ناصر أن القصة تضيق بها لذا فإن قصة "الرحيل" تكاد تبدأ من حيث انتهت القصة الأولى كما لو انها تخطط لرواية، البطلة في حالة فراق مع الحبيب، وهذا الفقد الذي ينغص عليها حياتها يدفعها الى تمضية يومها بالنوم رغبة في لقاء الحبيب في الحلم بعد أن تعذر عليها ذلك في الواقع، وهنا يتحول الحلم الى بؤرة خلاص.
&&& في "مغامرة شاب يدعى خلف" نواجه الجنون بشكل آخر حين يكون البطل خلف هذه المرة مصاباً بالصرع، وهو حالة من حالات الاختلاف مع الآخرين التي تقترب من الجنون في مفهوم العامة على الأقل، خلف هذا الذي تعشقه بطلة القصة وتتحدث عنه وتمني النفس بالزواج منه غير أنه يختفي ليلة العرس حين يبتلعه البحر، وهنا يتحقق التماهي بين الواقعي والاسطوري، الفرد العادي يتحول الى اسطورة، وهل الاسطورة إلا شئ واقعي تبلور مع الايام ليتحول الى اسطورة؟!
&&& في "إعدام أحلام بكر" تنحى القاصة منحى سياسياً، أو قل رصد مرحلة بدأ الوعي عند البطل، تصف القاصة بأسلوب جميل حياة هذا الشاب المتواضع الحالم الذي جاء من الريف الى المدينة لينتظم في الجامعة، وأحلامه البسيطة التي تبدأ ببائعة الفول ولا تنتهي بتلذذه بالنظر الى النساء الجميلات، وفي وصف يومي لحياته نتعايش معه ومع أوهامه وهواجسه، غير أن القاصة تأبى إلا أن تفجعنا معها بمصير البطل الذي يساق الى دائرة الأمن لتتبخر معه كل أحلامه، هنا حاولت القاصة أن تؤكد على أن التجربة تصقل الفرد، فالإنسان قد ينكسر إلا إنه لا يمكن أن يهزم أبداً، وها هو البطل يتحول من رجل بالغ في السذاجة الى رجل يمتلك وعياً ومبادئ وربما فكراً محدداً بعد تجربة السجن، وهذه الفكرة كتب فيها غير واحد من القصاصين غير أن العبرة في الأسلوب، وهو ما برعت فيه القاصة الى حد بعيد.
&&& في قصة "تجربة أم لأول مرة" تبدأ القاصة بشرى ناصر قصتها بأسلوب المنلوج الداخلي حين تتحدث على لسان بطلتها عن سعادتها في خطبتها من رجل وسيم وغني طالما كانت تتمناه، ثم تنتقل الى وصف نفسها وعشقها للكتاب الذي لايفارقها أينما ذهبت، وحبها أيضاً للأطفال الذين تجد معهم سعادتها، وتبدي نقطة اختلاف بينها حيث ترى أن الكتاب يعلمها الكثير في هذه الحياة وبين زوجها الذي يرى أن خوض غمار الحياة هي أهم من أي كتاب آخر، وبين هذا الرأي وذاك تنتابها مشاعر غريبة تعبر عنها أجمل تعبير، تلك هي حالات الشعور بالأمومة الذي يبدأ بالحمل حيث لا تدرك البطلة أول الأمر هذا الشعور لشدة اضطرابها بينما يفهمها الزوج، وهو يعبر عن هذا الإدراك بأن يخبر زوجته& : أن علينا الذهاب الى العيادة النسائية قبل الذهاب الى أمك.&&&&&&
&&& تتناول القاصة بشرى ناصر في هذه القصة ثيمة معروفة تتعلق بشعور المرأة بالحمل لأول مرة، غير أن الجديد فيها طريقة تناولها لهذا الموضوع وهو ما يحسب للقاصة، فمن خلال هذه القصة تطرح إشكالية الإدراك عند الأنسان بين أن يتعلمه المرء من خلال الكتب أم من خلال الحياة نفسها، وإذا كان أكثر من كاتب عالج هذا الموضوع، فأن القاصة هنا تخضع تجربتها الخاصة لاكتشاف الطريق الأصوب للمعرفة وهو الأمر الذي طالما انشغل الإنسان بحل لغزه.
&&& في قصة " حكاية امرأة من نوع خاص " امرأة تتحدث عن نفسها واهتمامها بالأمور البسيطة التي تحقق بها سعادتها، كالاحتفاظ بذكريات السفر من تذاكر ولوازم الفنادق التي مرت بها وغيرها، البطلة امرأة حالمة فهي ترى في الأمور البسيطة "مفسدة" وتستعرض هذه المفاسد فتقول: ثم المفسدة الأجمل تلك القدرة على التأمل وغزو الأشياء حتى التعرية.
&&& البطلة تشعر بوقع ما تقوم به لكنها كانت كمن يمارس جلد ذاته فيما تفعل حين تخلق لنفسها عالمها الخاص وتحرص على عدم اختراقه " كنت أسير دائماً محدقة في الأرض خشية أن يصطاد أحد الناس رغبة أو ومضة انتشاء تلتمع بين جفني" نعم فهناك من ينغص علينا متعنا الصغيرة بدس انوفهم فيما نعمل بل وفيما نفكر أيضاً. هذا ما نشعر به في بداية القصة غير أننا نجد أنفسنا أمام امرأة تمارس طقوسها الخاصة في انتظار حبيب لايعود ونكتشف فيما بعد تمردها على أهلها برفضها الزواج من ابن عمها ونزوحها عن بلدها، انها الآن بانتظار جودو الذي لايأتي وهي حزينة لأن العمر يمضي دون أن يتحقق شئ فتمضي الى فراشها وحيدة خالية إلا من الوحدة.
&&& تأتيها رسالة من أختها تحثها على العودة وبأن ابن عمها ما زال ينتظرها وبعد تردد تقرر العودة في إشارة الى رغبتنا جميعاً أن نعيش حياة أسرية حقيقة لا أوهام بعدما لم تحظ بحب يبدد حيرتها وضجرها.
&&& وفي انتقال جميل بعد أن نشعر باستسلام المرأة لقدرها، تتعرف على شخص في اللحظات الأخيرة قبل السفر، وبدل أن تغير رأيها في السفر تعزم عليه لتواجه ابن عمها ولتقل له أنها وجدت من تحبه، إنها دعوة للتشبث بالأمل، فالحياة بلا أمل لاقيمة لها.
&&& إن ابتعاد القاصة بشرى ناصر عن الساحة الأدبية خسارة كبيرة للإبداع القصصية وهو تأكيد على أنثوية القصة في قطر.
&








التعليقات