عندما كان أخي الأصغر في المرحلة الابتدائية تبرع بأن يزين جريدة الحائط بالمقالات والصور لمناسبة ذكرى استقلال سوريا عن فرنسا في 17 نيسان من كل عام، ومن بين الأشياء التي أتى بها صورا لصديقي المرحوم الفنان سمير ياغي بلباسه العربي( اذ كان قد قدم بعض الأغاني الوطنية آنذاك) ولا أدري لماذا كان يهلل التلفيزيون السوري لأي فنان لبناني فاتحا له الباب على مصراعيه، بينما كان الفنان السوري يحتاج "لكارت واسطة" لكي يستطيع أن يعبر عن شعوره بهذا اليوم. ولا أدري أيضا لماذا يقوم التليفيزيون السوري ببث أغاني سمير يزبك و علي حليحل الوطنية متناسيا مئات الأغاني بصوت المطرب السوري الراحل مصطفى نصري.حتى أن القائمين على اختيار الأغاني لا يترددون ببث أغنية فيروز"بحبك يا لبنان" معتبرين اياها أغنية وطنيةسورية.
ومن قبيل الصدف أنني كنت معزوما لبيت أحد أصدقائي الحواشيين في ذلك اليوم، وعند المساء أرسل لي تاكسي لتقلني لمنزله وكان سائق التكسي من المعجبين بالمطربة عايدة أبوجودة وماانفك يسمعني أغنية "أكتر مافيي عملتو حتى أرضيك " ولا أدري ان كان يتقصد ازعاجي باعادة نفس الأغنية مرات ومرات متناسيا أني من مرمريتا وكاتب وملحن هذه الأغنية الأصلي هو جاري وابن بلدتي المطرب عيسى مسوح. على كل كان كل هدفي أن نصل بالسلامة خوفا من أن تكون قيادة هذاالسائق نشاذا على الطريق وخشيت ان أنا أخبرته بحقيقة هذه الأغنية أن "يقبع بالأربعة" كما تفعل مطربته المفضلة حين تتلاعب بالمقامات وتتشردق بالعرب.
حمدت الله على سلامتي وترجلت من السيارة باتجاه منزل صديقي الكبير، ونفضت رأسي ذات اليمين وذات الشمال لأزيل ما علق بأذني من ذلك الصوت.
وما ان وطأت قدمي العتبة حتى تناهى الى سمعي "زعيق" نهاد طربيه ملبننا أغنية أسعد جابر ابن الفرات السوري "تريد تروح تنساني" وأنا أستغرب لماذا يطرب الناس لهذا الفنان الذي لايستطيع بلع ريقه وهو يغني بينما يشدو مطرب الأغنية الأصلي رائعته هذه باحساس جميل متقنا اللهجة واللحن وموصلا شعوره وفنه بعفوية وحرفة.
بعد أن دعاني صديقي للجلوس سألني ان كنت لا أمانع بمتابعة احتفالات التليفيزيون السوري بالعيد الوطني فأجبته ولم لا وضيف السهرة ابن المنطقة
سلطان الطرب جورج وسوف. وما هي الا لحظات حتى انبرت المذيعة اللبنانية-ولا أعلم لماذا تم انتقاء مذيعة لبنانية في ذكرى استقلال سوريا- الى المسرح وبدأت مقدمتها المهذبة واللطيفة بأبيات شعر زجلية لشاعر لبناني -مع أنني كنت أفضل لو تمت استشارة الشاعر السوري الكبير عيسى أيوب بانتقاء مايلائم عظمة المناسبة-،الى أن انتهت بالقول : والآن مع المطرب اللبناني سلطان الطرب جورج وسوف. لم أستطع تحمل تلك الخطيئة المميتة فضربت على رأسي (كنت عورت حالي) صارخا ياويلاه هذا احتلال.
كل ما أردت قوله من هذا الكلام أننا دائما نتنازل عن حقوقنا لصالح أحبابنااللبنانين فعندما يغني علي الديك "الحاصودي" لاتعجبنا بقدر ما تعجبنا بصوت أي لبناني ولو كان "مشوهق"وأيضا لا نحب احراج أحبتنا في لبنان ولو على حساب الحقيقة.
أنا أحب لبنان كحمص وهذا لا يعني أنها محافظة سورية، لا فحمص عندي من أحلى المحافظات السورية لموقعها الجغرافي وطيبة شعبها وتوقد ذهنه،لكن اذا ما ادعت حمص بأنها مدينة العاصي وحدها فسأكون من الرافضين والسائلين وماذا عن حماة وجسر الشغور وأنطاكية ?!
وان كنا نؤمن بأننا شعب واحد وقد ذكرتنا بذلك فيروز بتغنيها بدمشق عاصمة العالم كما ذكرنا الشاعر نزار قباني بتغزله ببيروت ست الدنيا عدا عن التاريخ والجغرافيا والآلام والآمال المشتركة الا أنه من الضروري أن نذكر الشعب في لبنان أننا نطالب بعلاقات حضارية ممتازة وأخوية لا تلغي وجودنا ولا تنتقص من حقوقنا.
واننا اذ نقول ذلك لانطالب بفصل المسار الفني السوري عن المسار الفني اللبناني كوننا نشرب من نفس البئر، فالعتابا السورية بصوت الياس كرم لا تختلف عن العتابا اللبنانية بصوت مروان محفوظ، ومواويل فريد الأطرش لا تختلف عن مواويل ملحم بركات، لكن ماأردنا قوله "أننا نريد الحقيقة"التي تجاهلها البعض بأن بعض الأغاني السورية" مثال آخر أغاني شادي جميل ياحبيب ماأنساك وعايل " نسبها البعض للبنانيين عن قصد أو عن غير قصد.
كنت في زيارة لصديق لي من جونيه وكعاداتنا في سوريا ولبنان بتكريم الضيف سألتني "ست البيت" عن رأيي بكاس عرق مع جاط التبولة الشهية التي أعدتها بشطارة فأجبت بالايجاب وألحقتها بكلمة شكرا فسألها ابنها ذي العشر سنوات عن معنى كلمة شكرا فأجابت : شكرا بالسوري يعني ميرسي باللبناني.
عندما كنت طالبا أدرس في مدينة بيتسبرغ الأميركية، قدم الى نفس المعهد طالب لبناني جديد فكان أن سأل مديرة المعهد اذا كان من طلبة لبنانيين في
المعهد وكغيرها من الأميركيين لا ترى فرقا بين سوري ولبناني فقادته الى طاولتي، استأذنني بالخروج لنتحدث فخرجنا لا لنتحدث فحسب اذ طلبت منه تشريفي على الترويقة"الفطور" وألححت عليه استخدام هاتفي للاتصال بأهله ويخبرهم أنه بخير، وبينما هو على الهاتف حاول بشتى الوسائل اقناع والدته بأن هذا الشاب السوري "ابن حلال" الا أنها ماانفكت تدور حول ذات النقطة، فما كان منه حتى يثبت أني"آدمي" أن قال لها : انه يعد ترويقة لبنانية لنا مؤلفة من زيت وزيتون الكورة، وزعتر الجرد وشنكليش البقاع و..هنا قاطعت حديثه مع والدته قائلا:البيض سوري أنا متأكد من ذلك لأن الدجاجات كانوا "عيقاقوا" بلهجة أهل الساحل السوري مش "عميآؤا" بلهجة بيروت.




التعليقات