كنا أنا ورفاقي قطعا معدنية صغيرة بأبعاد متقاربة وأشكال متناسقة، وما أن وصلنا أيدي الصناع المهرة حتى كانت فرحتنا تغمر نا من أرجلنا حتى قمة مسند الظهر. ولما انتصبنا هياكل معدنية ألبسنا الصناع ثيابا فاخرة جدا أدركنا حينها أننا ذاهبون لا محالة لمكتب مرموق. كان حظي مختلفا فقد دخلت قصرا كبيرا بأبواب واسعة واذ كنت آمل أن يكون حظي في معبد مقفل أو في زاوية مهملة من زوايا مكتبة،الا أني لم أحزن قط عندما عرفت أنني سأكون كرسي الرجل الأهم في المملكة. لقد بهرتني في السنوات الأولى الأناقة العالية في المكتب،وأسعدتني الاضاءة المتواصلة، والاهتمام المنقطع النظير من عمال التنظيف،كما أطربني رنين الهاتف الناعم وأنعشني عطر الورود التي تبدل كل صباح.
وأنا لاأنكر أني أدركت أن الصدأ لن يطالني كباقي زميلاتي لأن العناية الفائقة بي كانت توحي لي من اللحظة الأولى أن شبابي لن يذبل وظهري لن يتعب وأرجلي لن تعرج.
ولكن ما أردت قوله اليوم أنني مللت من هذه الحياة اذ أن الحياة رتيبة ومكررة في هذا المكتب. نفس الكلام أسمعه كل يوم بأننا نعيش من أجل قضيتنا الأولى ونفس الوعود تطن في أذني كل صباح بمزيد من الاصلاح والحرية ونفس الأحاديث تتكرر عن لم الشمل والتضامن والعمل المشترك. أنا لا أتضايق من هكذا كلام ولكني أتضايق من هواتف تأتي بلغات أجنبية -حيث أرتاح لبرهة من الجثة الرابضة فوقي اذ تقف عندها كأنها تلميذ كسول- وتضرب هذه الهواتف كل الوعود السابقة عرض الحائط ولا أسمع الا صوتا متلعثما يقول حاضر..حاضر..متل ماتريد بيصير.
أنا لا أتذمر من رائحة هذه الكتلة اللحمية الجالسة فوقي وان كنت أحس بمفرزاتها أكثر حينما يكون المحدث أمريكيا، ولكني ضقت ذرعا من نفس الحجم ونفس الوزن ونفس الغثاثة كل يوم وعلى مر السنين الطويلة.
كم أتمنى لوأني كرسيا في بلد تكثر فيه الانقلابات فتتبدل الحجوم والأوزان كما الأحاديث والوعود. ان هذا الجمود قد هلكني..اذ صرت أتمنى أن أكون كرسيا في صالون حلاقة شعبي من أن أبقى هنا. لابل وجودي في باص قديم غير مكيف لأحب على قلبي من بقائي هنا.
لقد قال لي والدي يوما اذا كنت محظوظة ياابنتي فستكونين كرسي رجل يحب عمله فيزورك من فترة لأخرى ليطمئن عليك لا أكثر أما اذا ساقك القدر وكنت كرسي رجل كسول فوالله الموت أشرف لك لأنه لن يترك مجالا لك للتنفس.

رحمك الله ياوالدي الا أنني ياوالدي العزيز قد أموت كمدا من الكذب والرياء والخيانة وتجارة الأوطان قبل أن "أفطس" من ثقل هذا الجسم الهلامي النتن.


الدكتور اياد قحوش