إن الكلمات لم يعد لها معنى، ولكن لم يعد لنا إلا الكلمات أيضا. أميرة العراقية قالت لي ونحن في سيارتها عائدون أنا والأولاد إلى منزلنا: هل تلاحظين أنك مثل العاشق الولهان الغارق في الحب، لا تستطيعين التوقف عن التفكير بأمك والحديث عنها؟ قالت لي، حتى عندما لا تبكين الدموع يا عفراء فإنك تبكين الكلمات... قلت هذا لأروى فأعجبها وأعجب الجميع، وقالت هكذا كلنا... كنت أعرف أن ليلى كانت تعيش في بعد التفاصيل والأفكار والجماليات، وكانت تركز كثيرا على اهمية الذوق الجمالي، ولكن بغيابها صرت أشعر أنها تعيش في كل شيء جميل، في تفتح البراعم، في حمرة الأزهار، في نضرة الحياة وأوراقها، في كأس ساخن من القهوة، في كتاب مثير، في وجه صديق محب، في قمة الأفكار، والسياسة، والتاريخ، ولكن في تفاصيل الحياة الصغيرة وضحكاتها، واللعب مع الأولاد، والأطعمة اللذيذة، ومناظر الطبيعة الجميلة...

لقد تركتنا ليلى كما قال والدي، مثل الرياضي الذي يعتزل في قمة لياقته وحضوره وجماله. كانت قالت لأروى قبل أيام، يا أروى لو أني عندي عشرة سنوات أخرى لكان جميلا لأن حياتي حلوة كتير كتير هذه الأيام. أروى تقول، إنها قالتها وكأنه ليس عندها هذا الوقت الإضافي... وكانت تقول إننا نعيش أجمل الأيام بعد خروج عبود وولادة سلمى وكنا مع بعض نقول إن شاء الله لا ينفجع قلبنا بشيء... ولكن كل شيء فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.

هل تذكرون رسالتها الأخيرة للشباب عن السرعة التي ساقوا بها عندما أحضروا عبود، وحرصها على سلامتكم جميعا. آآآآآآخ يا ليلى. كنت أسرع منهم جميعا. كم أسرعت، وأسرعت. كنت أنت أسرع من الشهب والنجوم. كنت أسرع من الضوء!

أحببت أن أكتب لكم حتى تعرفوا كم قضينا أوقاتا رائعة هذه الصيفية، وكم كانت هانئة لا يشوبها إلا إنتظار عبود والذي كان اقترب كثيرا ويجلب لنا التشويق والاشتياق. أحب كريتس أن تعرف أن هذه الصيفية كانت من أجمل الصيفيات، وكانت سعيدة سعيدة أننا متفاهمين نحب بعضنا، ونقضي كلنا أوقاتا جميلة مع بعض. كريتس يا حبيبتي أريدك أن تعرفي أن كل شيء كان مثل الأفلام السعيدة المرحة. كان كل شيئا جميلا، ناعما، مليئا بالضحك، والسعادة، وخروج عبود كلل سعادتنا، ووضع اللمسة الأخيرة على صيفية هانئة مليئة بالحب، والضحك، وطبخات ورق العنب من حديقتي، والاجتماعات العائلية، واللعب مع إلياس ونوح ووصول سلمى الكتوكتة، صديقة ليلى الحميمة الصغيرة. وفوق كل هذا، كان زيد وسعد يمطرونها بالرسائل الجميلة والصور، ويدخلون السعادة إلى قلب خالتهم وعمتهم. وكم كانت مبسوطة سعيدة منهم... تقول عنهم. أصدقائي الظرفاء، وتسعد بصور سعد، وكرمه وتواصله الدائم، وبرسائل زيد الخصوصية، وكلماته الحبية الودية الخاصة لها فقط! وعندما خرج عبود، نتذكرها تقول له، عبود يا حبيييييبييييي!! وكانت أخواتي تضحك، ويقولون هذه لعبود فقط، حيث أمي العقلانية الهادئة لا تقول هذا كثيرا. الآن كلنا صرنا نقول، يا عبود يا حبيبي!

آخر مرة كنت مع ليلى هي فعلا اللحظة التي ستعبر إلى نهاية حياتي عن علاقتي بأمي... كنا كلنا (ما عدا بشرى في المتنزه)، وكان الأولاد يتمرجحون، فذهب بعض منا
أيضا إلى مكان لعبهم... وليلى كانت علمتني أن امرجح نفسي منذ كنت صغيرة (أظن في ألمانيا)، وإلياس علمناه أيضا، ولكن نوح يحاول ويحاول، يطوي سيقانه ويمدها بدون جدوى كبيرة، ويغار منا، وما نزال نعلمه... وهكذا جلسنا أنا وليلى في المراجيح وبدأنا نتمرجح، ونضحك ونقهقه... صارت تعلو وتعلو. نصعد وننزل، نصعد وننزل. كانت تصعد عاليا وأنا بدأت أحاول أن أنحو على علوها، وأحاول في كل ذهاب أن أعلو إلى درجتها... ولا ألحق. تعلو وتعلو، وأنا أحاول وأعلو ولكن تظل هي أعلى مني بقليل. فصرت أضحك، وقلت لها، بعد كل هذه السنين يا ماما ما زلت تطيرين أعلى مني...
وبشار قال إنه قبل ذلك عندما جلس هو لم يمسك جيدا بالسلاسل المعدنية، وقلب قلبة كاملة شحط رأسه قليلا على الأرض، وعاد بعدها جالسا. فقالت له ليلى بذهول: هذا كان حادث أم قصدا. فضحك وقال لها، هل أحد يعمل بنفسه قصدا مثل هذا؟ وبعدها وقفنا قليلا في المتنزه وعدنا إلى السيارات. وكانت هي نامت عندنا ليلتين، وكان إلياس يريدها أن تنام مرة أخرى، وصار يبكي بكاءا شديدا مع أنين: بدي ليلى! بدي ليلى!
فسمعته ليلى وجاءت إلى سيارتنا ووقفت عند شباك ياسر وأنزلت رأسها وتحدثت معنا وحاولت أن تهدأ إلياس بدون جدوى. وظل إلياس يبكي بكاءا حارقا لدرجة قلنا له إنك تبكي وكأنك لن ترى ليلى بعد الآن، سنراها بعد أيام. ولكن لم يتوقف، وأنا هدأت ياسر الذي بدأ ينزعج من بكاءه الشديد والمتواصل، فقلت له إنه يشتاق لها كثيرا هذه الأيام، دعه يخرج هذه البكوة. وكانت هذه آخر مرة نرى فيها ليلى... هكذا ستظل
أمي أبدا، تصعد عاليا بضحكة جميلة، وأنا أحاول أن أعلو إلى درجتها... وتركض إلى السيارة لتواسي إلياس. فهي كانت تواسي الجميع، توزع جرعات الحنان لنا كلنا.

كانت هي جاءت ليلة الجمعة عندي، وذهبنا إلى السوق يوم السبت واشترينا بعض الأغراض لسلمى، وبعض الأغراض لها قبل عودتها من السعودية، وليلة السبت رأينا أنا وهي وياسر فيلما مضحكا عن الحموات والكنات، وكنت أجلس بجانبها أترجم لها، وعندما انتهينا تذكرت إحدى صديقاتها التي تشكو أن أولادها لا يشاركونها كثيرا ولا حتى يحضرون فيلما يروه مع بعض، فقلت لها، شفت شفت، كيف نحن علاقتنا لا نستمتع بأي شيء أصلا بدون بعضنا البعض. وكنا ننظر إلى بعضنا بتغزل وكيف أن
صداقتنا كلنا معها صداقة عميقة، وعندما صعدنا كنت أقول لها أنت صديقة الجميع والكل يفضي لك بكل خصوصياته، وضحكت وقالت نعم، نعم... وصباح الأحد اجتمعنا كلنا ما عدا بشرى التي كانت في المكتبة، وكنا سعداء أنها تدرس، والبقية قضينا وقتا رائعا مع بعض، وكانت بشرى تتصل بنا كل فترة تشاركنا. في العصر، صبغت لأمي شعرها. كنا نقول لها سيأتي زوجك بعد أيام، ولا يكفي أن تكوني ذكية ومثقفة، يجب أن تكوني جميلة أيضا. وكانت هي تضحك، وتسر على نكاتنا. وبعد أن غسلت شعرها أردت أن أنشف لها شعرها بالسشوار، وأمسكت بفرشاة كبيرة، وبدأت أنشف، فغطت يديها على وجهها. ومرت آمنة فقالت لها، ماما لماذا تغطين وجهك؟ فقالت لها، لأنه توجد واحدة تخرمش لي جبهتي بحماس. فأضحكتنا كثيرا، وقالت آمنة، خلص! أنا سأنشف لك. ووقفت معي، وصرنا نتساعد، ونشد شعرها من هنا وهناك، وننشف وهي تصبر علينا. وكانت أروى ترانا من الصالون وهي ترضع سلمى، فقالت، ياماما، هاتين الاثنتين لا يعرفون تنشيف الشعر، أنظري إلى شعورهم السابلة، أنا كنت سأكون أحسن ولكن أنظري إلى وضعي وأشارت إلى سلمى المتعلقة بها. المهم في تلك اللحظة أنا وآمنة نتساعد وننشف شعرها طرقنا رأس ماما بالشسوار، فمتنا ضحكا نحن الثلاثة، وصارت أمي تضحك وتضحك وكأنها ستقع من الكرسي. المهم النتائج كانت رائعة وشعرها صار جميلا جدا، ولكن أنا قلت لها، عندما تأتين إلى صالون الشعر هذا قولي لهم، "هدول هدول البنتين الغليظتين لا أريدهما، لأنهما ما تزالان تحت التدريب. أعطوني واحدة محترفة." وضحكنا كثيرا. ومن جمالها وجمال شعرها قلت لها بعد أن عدنا وجلسنا في الصالون: كم عمرك الآن. فقالت يوم عيد ميلادي المسجل (7 أيلول) سأصير 63 تماما. نظرت في وجها وقلت بتركيز وأنا أواجهها وأشرت باصبعي نحوها: يا ماما عندما يصير عمري 63 سنة أريد أن يكون شكلي مثل شكلك. كانت تشع برونق جميل، وتبدو عليها الحكمة والشباب والصحة في نفس الوقت... وبعدها ذهبنا إلى الحديقة...

وهكذا كانت أيضا عندما حممناها أنا وآمنة، وكانت مبتسمة، وآمنة شعرت بها وهي تضحك لنا، وقلنا البنتين الغليظتين تبع الصالون يا ماما ما تزالان معك. آه، كم صدف الحياة غريبة. أنا وآمنة نصفف لها شعرها ونضحك ونتكركر، وأنا وآمنة نغسلها حماها الأخير. كانت كالحصان الصغير القوي حتى في مماتها. جميلة، رياضية، وبشرة نقية صافية، ووجه مورد. سيقان قوية، وأصابع طويلة رفيعة. وشعر كثيف نضر. هذه أمي المفكرة، الحكيمة، ذات البسمة الواسعة الكبيرة بأسنانها الناصعة. كانت
بسمتها دائما كالشمس التي تشرق في وجوهنا، وكانت صحبتها كيوم مشمس وغيابها كيوم غائم ستعود بعده الشمس الدافئة والابتسامة الرائعة. ولقد كانت شمسا ناصعة في حياتها، ومماتها. لقد كانت تحفنا الملائكة. وشعرنا أننا وآمنة صارت بيننا صلة عجيبة وطيدة، وهي أمي، كانت تحب أن يحب الجميع بعضهم. وكنت بسبب هذا أذكرها بما قال عيسى عندما رأينا فيلم الآلام، عندما قال لأصحابه، "أريدكم بأن يعرفكم الناس من بعدي بأنكم أنتم الذين تحبون بعضكم وتحبون الآخرين." كنت أقولها لها، وسأقولها لها دائما. كانت ليلى تريد أن يحب كل من حولها بعضهم وكل من حولهم. كان اللاعنف والسلام ليس قضية سياسية ولكن يومية معاشية تتخل كل تفاصيل الحياة اليومية. حتى لغتنا وحوارنا وذوقنا كانت تريده أن يكون سلاميا. شعرنا بالشرف والكرامة والفخر أن أمي قدمت لنا هذا الشرف الأخير. أن نودعها هذا الوداع الأخير المعطر والمبتسم. كانت معي عندما ولدت أولادي، وهم مجعلكين وعليهم الشمع، مثل الدجاج المنتوف الصغير. واستيقظت صباح الجمعة وأنا أقول أنت ستكوني البيبي تبعي يا أمي، يا حياتي، يا روحي. سنولدك إلى عالم آخر، وكنت مستعدة لأي
شيء... ولكن عندما وصلنا أنا وآمنة إلى غرفة الغسل رأينا أمنا الجميلة، ليلى سعيد، وهي نائمة بخدود موردة وأيد جميلة ناعمة وأرجل رائعة. ولكن كانت هذه نومتها الأخيرة. قبل الدخول طلبت منا المرأة أن نصل صلاة نية الغسل. فذهبت إلى القاعة الرئيسية. ولم أعرف أنه كانت غرفة أخرى للنساء. وكان المسجد فارغا إلا من رجل بعيد بعيد يقف في الصف الأول، فدخلنا وأخذنا مكاننا في آخر القاعة قرب الحائط الخلفي، ولكن الرجل عندما أنهى صلاته، جاء وصار يقول يا أخوات، ليس هذا مكان النساء، ولكن كنت في وسط صلاتي. ثم دخل رجل آخر، وصار يؤنب... وثالث جاء، شيخ مسن، وصار يصرخ، إذهبوا من هنا، والقاعة فارغة أصلا، وأنا عجلة وقفت في المسجد. يا إلهي. يعني حتى الأعرابي الذي وسخ المسجد، قال لهم الرسول اتركوه، فما بالك بنساء صغيرات يصلين في خلف المسجد بهدوء في قاعة فارغة. ولم يكن لهم احترام لصلاتي، وكأني لست على الصلاة أصلا. ويصرخون لإخراجي، هؤلاء الأعراب جميعهم لا يعرفون قداسة المكان، ولا المرأة والا الصلاة، ولا الموت، ولا الحياة. المهم، كانت الطمأنينة تنزل علي، ولم يكن يهمني أحد... لا تخف، إن الله معنا. وصار أذاهم لا يضرني شيئا. وكان هدوء أمي يلبسني، وكانت الملائكة تشد من أزرنا.

في الصباح عندما كنا متجهين إلى المسجد للغسل، وصلاة الجنازة، كنا نسمع قرآن في السيارة. وجاءت سورة العلق. أظن سمعتها عشرين مرة. أعيدها أعيدها بصوت مشاري العفاسي. شعرت أنها كانت دوائي، وكما يقول جودت فيها الكود الوارثي القرآن عن الطاغوت، وحله. كلا إن الإنسان ليطغى، ثم الحل. كلا لا تطعه... أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى، أرأيت إن كان على الهدى، أرأيت إن أمر بالتقوى. الحمد لله أننا كنت أسمع هذا... هذا الذي شد من أزري في لحظة كان يجب أن لا نطيع. هذا الذي جعلني ثابتة عندما صليت صلاة نية الغسل، وكلما دخل أحد يؤنب ويقول إذهبي وأنا
في وسط صلاتي في الخلف تماما بهدوء في القاعة الكبيرة الفارغة. كنت أسمعها وأشعر أنها مختصر القرآن فعلا، وكانت تذكرني بقيم ليلى أيضا. اقرأ، اقرأ، اقرأ، القلم القلم.... ثم تواسيني آية إن إلى ربك الرجعى."

بعد الصلاة ذهبنا وبدأنا الحمام. آمنة كانت تغسلها وتقول يا ماما يا ماما سأعتني ببشرى، وسأعتني بكريتس، وأضعها فوق رأسي، بأختيك، سأدير بالي على مريم، على أروى وبنتها، وعلى جودت، وبابا وكل أخواتي. سأحب كل الذين تحبين. كانت تقولها بكل حنان وحب، هذه البطلة الصغيرة، التي وقفنا أنا وإياها نحضر أمنا الحبيبة لعالم آخر. وقفة لن ننساها أبدا. جاءت على بالي وصف لها. هكذا صار يدق في أذني. "الصدّيقة الصديقة." فهي كانت تشعر أن الصدق هو مركز الأخلاق، وكان
يعجبها تعريف التقوى لأحد الصوفيين بأنه القدرة على أن تضع حياتك في النهاية أمام الآخرين بدون أن تضطر للكذب والإخفاء والتشويه. وكانت صديقة الجميع.
لإلياس ونوح الذي يقول "ليلى صديكتي". وأنا خرجت من فمي هكذا سهوا جملة... ربما لأني في لحظتها كنت أرى موتي أيضا ونهايتي في نهاية أمي. فجأة شعرت أن الزمن تسارع، وأنني أنا أيضا في آخر المطاف. كنت أرى نفسي في النهاية. فقلت بهدوء وبصوت منخفض: في النهاية، في الآخر إن شاء الله تكون حياتي هدية لك. فقالت السيدة المصرية التي تساعدنا ورفعت اصبعها في وجهنا. "شوفوا يا بنات! حاسبوا!
كل شيء تقولونه توجد معنا ملائكة في الغرفة و ستقول آمين." وأنا قلت في نفسي الحمد لله على هذه المساعدة من الملائكة. آمين إذن على ما نقوله. وقالت، "ما هذه الأقوال، أقوال الجاهلية. لا أحد يفدي حياته لأحد". وأنا شعرت، آه، يعني ماذا أقول. لم أقل شيئا. أنا لم أقل سأعطي أو أفدي... أنا أريد أن أهدي أمي، وأعطيها ما علمته لنا، وأن أكون بقدر يستحق أن أكون ابنة هذه المرأة العظيمة المتفانية.... آخ! ونحن شعوب تفدي أرواحها ودمائها للطواغيت، وأنا ليس مسموحا لي أن أقدم ثمن أتعابها وتعليمها لنا هدية لأمي! أنا أردت أن تكون محصلة حياتي شيئا يستأهل أن يكون هدية لليلى، والهدية تأتي من القلب. والهدية تأتي من الحب، ومن الذاكرة، ومن الشعور بالامتنان العميق. والسيدة الله يجزيها الخير، كانت تقوم بمهمة جليلة أيضا. وقبلت رأسها لاحقا في صلاة الجنازة وشكرتها كثيرا، ولكن آسفني آيضا أنها مهمة تحتاج لتدريب أكثر، وحساسية أكبر، ورحمة أوسع، وهدوء
وطمأنية في مثل هذا الموقف العظيم الجلل. كان خوفها من الكفر أشد من طمأنينتها بالايمان. أحضرنا أنا وآمنة عطر أمي، وأحضرت عطري أيضا. وكان عندهم هم مسك، ولكن أردنا أن نعطرها نحن بالعطور التي أحضرانا، وسألنا. فقالت: "طبعا طبعا، الست المسلمة (يعني السيدة المسلمة) ما تتعطرش في الحياة، بس عطروها دلوقت زي ما انتو عايزين." نظرنا إلى بعضنا أنا وآمنة بابتسامة حزينة. نعم الست المسلمة ما تتعطرش في الحياة، فقط في الممات. في التابوت. الست المسلمة، آخ، واحسرتاه
على الست المسلمة. المهم كانت تجربة روحية رغم كل تدخلات المسلمين وغياب الطمأنينة عنهم، وخوفهم العميق العميق من الكفر والخطأ. وشعرت أن الملائكة كانت فعلا معنا، تنزل علينا السكينة والرحمة، رغم الجهل والاضطراب الذي حولنا، ألا بذكر الله تطمئن القلوب. إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أوليائكم
في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وشعرت أن ليلى كانت تبتسم لهذا الذي يحصل لها كله... وتحلله معنا بملاحظاتها الدقيقة وحسها الصافي، وعمقها الفكري. فهمت أيضا معنى الحمام الأخير. فنحن نحمم الوليد الذي نستقبله بالحب والأمل، ويستحم الإنسان الحي. الحمام والنظافة والعطر هي طقوس مقدسة للحياة، هي تتابع الحياة وتفتحها. يعني وكأننا كنا نقول إن ليلى برعم يتفتح... إلى حياة أخرى. ولكن في نفس الوقت كفناها أيضا بالكتان الأبيض، فهي أيضا لحظة نعترف فيها بأنها لن تلبس ملابس تعود فيها إلى الشارع. وهكذا هي حية بين أيدينا، ولكننا نعيدها إلى الله ايضا. في لحظتها قلت الحمد لله إننا مسلمين. في لحظتها تذكرت كيف كان الذي يسلم عند محمد، كان يقول له اذهب واغتسل قبل أن ينطق بالشهادة. وهكذا الإسلام كان مهووس بالنظافة والأناقة والعطر، لا تدخل فيه ولا تخرج منه بدون حمام، وبدون عطر. ولكن نحن نحرف الكلم عن موضعه. نحن الآن نظن الدخول إليه بالدم والخروج منه بالدم... بالأحقاد، بالمخاوف... بينما الإسلام يدخل إليه معطرا، ويخرج منه معطرا، والذي يريد أن يترك يجب أن نعطره أيضا، ونقول له سلاما جميلا. كنت أشعر بهذه الخواطر، والسيدة المصرية تريد أن تجعل الحجاب على وجه أمي بالكاد فوق عينيها، فرفعته وأظهرت ناصيتها النبيهة، العريضة، فشدت الحجاب قريبا على عينيها مرة أخرى، فرفعته آمنة هذه المرة، فشدته هي مرة أخرى، وقالت يجب ألا تظهر الحواجب، فرفعته مرة أخرى، وقلت لها، سأحجب أمي مثلما كانت هي تتحجب في الحياة.
وآمنة قالت لها أنت حواجبك ظاهرة، فقالت لها نعم وهذه تعمل لي مشاكل. آه، آه، يا ليلى. نحن نعطرك بالكافور ولانكوم، وجيرلان، ويريدون أن يحجبوا حواجبك، وناصيتك... آمنة أحيانا كانوا يوترونها... وأنا كنت أحاول أن أضعها في جو لا يؤثون علينا أبدا، وفي لحظة شددت من أزرها، وقلت لها أنظري إلي يا آمنة. نحن مسلمات ونعرف ما نفعل، ونحن قائدات انفسنا... تذكري هذا! أي؟ قالت لي: نعم... وشعرت بالحزم والهدوء يتصاعد إلى وجهها. وكانت الملائكة تساعدنا أن نكون قائدات أنفسنا في هذا اليوم ورغم كل التحديات. شفيقة جاءت في القسم الأخير إلى الغرفة، وظلت تقرأ وتقرأ لنا القرآن والأدعية في طرف الغرفة لنا بدون صوت. وكانت خارج الغرفة ابنة عم ياسر، ميساء المالكي، تقرأ وتقرأ لنا، وساعدتنا كثيرا في ترتيب المراسيم. الله يجزيها الخير. كانت حساسيتها ونعومتها عالية، ورأينا في أصعب اللحظات، وواساتنا بطريقة هادئة جميلة ووقفت معنا في أصعب الدقائق. وشفيقة ما شاء الله عليها، نامت معنا أول ليلة، وكانت كالأم الحنون، تدعمنا ولكن تقدر ألمنا. كانت تقول آه آه يا بنات، آه يا بنات. الواحد يطق إذا ماتت أمه فما بالك لو فقد صديقته، وحبيبته ورفيقة دربه واستاذته.

أشعر هذه الأيام أني لن أمشي على الأرض مرة أخرى مثل قبل. أشعر أني مررت بكل دورة الحياة. ولدت طفلين، وغسلناهم، وكبروا... وأمي ماتت معنا، وغسلناها، وكفناها، وعطرناها ودفناها. والآن أشعر أني أمشي وأنا على موعد مع الموت. ونحن كلنا أصلا على موعد مع الموت، ولكن عندما يموت أهم شخص في حياتك، عندما يموت
حبك الأعظم في الحياة، فإن جزءا منك يذهب معهم أيضا، وتتأكد في أعماقك وفي صميمك وفي ذاكرتك أنك في رحلة مؤقتة الآن. وصرت أشعر الآن بكل كياني بأني فعلا في موعد مع الموت، وأشعر برضا وطمأنينة مع الموت، لأنه سيأخذني إلى أمي. وأن بقية حياتي بدون أمي هي مجرد انتظار لهذا الموعد، وأني سأقوم بكل ما بوسعي لتكون في النهاية هذه الحياة هدية لها، ولكل ما زرعته وما علمته لنا. ولذا أدعو الله أن يعطينا فعاليتها وشعورها بالانجاز وبأن نساهم في متابعة ما كانت
تصبو إليه وتبنيه... كم كانت أحلامها وأهدافها عظيمة للإنسانية والمجتمعات، والأفراد، ولنا نحن الذين حولها. كم كانت سعيدة عندما كتب لنا زيد أن عبود أنضجته تجربة السجن فكريا بدون أن تفقده روحه المرحة... كم كانت تفيض سعادة عندما كانت ترى سلمى الصغيرة، وتقول هي برعم صغير يتفتح كل يوم مثل الوردة. فأمي كانت ترى الحياة في مجازات الأزهار والكلمات... كانت تقول عن الحياة بأنه كتاب، وبأن الموت هو نهاية الحبكة، وأننا في حالة صيرورة دائمة. وكانت تقول لا
تجعل الحبكة تنتهي وأنت ما زلت على قيد الحياة، ولا توقف الصيرورة. ولهذا كانت ترى الموت بأنه انتهاء الحبكة. تستطيع أن تعود وتقرأ الكتاب، ولكن الحبكة انتهت. وكم هي الآن كتاب رائع، وكم أريد أن أقرأه وأعيد أعيد قراءته...

كنت أشعرها معي في كل لحظة يوم الجنازة، ليس كمودعة، ولكن حاضرة معي، بابتسامتها... بملاحظاتها، بدقتها في رصد الأمور. عندما بدأت صلاة الجمعة وبدأ الخطيب يخبص في الحكي، شعرتها تهز رأسها حزينة وتبتسم على هذه المفارقات الجاهلة. كان خطيب الجمعة أمامه ثلاثة صناديق لثلاثة أشخاص رحلوا فجأة. كان الموت يجمع هؤلاء الثلاثة. صحيح، ولكن ما كان يجمعهم أكثر كانت عنصر الفجعية. الثلاثة ماتوا مبكرا وفجأة في صحة كاملة. أمي الرياضية المفكرة، وشاب ضربته سيارة، وبيبي عمره أربعة أشهر. ولكن خطبة الجمعة عن ماذا كانت؟ لن تتصورا. شعرت وكأن أمي تبعث لنا برسالة، انظروا انظروا كم المآسي كبيرة، والجهل عميق، والقلوب متحجرة، والعمل كثير كثير، والعالم الإسلامي مكركب مكركب. كانت الخطبة عن "فتنة المرأة" و "غض البصر." يعني سبحان الله، يا ليلى. كل قضية المرأة، ونضالك وأفكارك، كلها صارت أمامي واضحة. كان الإمام يهتز ويرتعد ويتوعد "أخطار المرأة" وأمامه جنازة لثلاثة فواجع، ومن ورائه كاترينا التي دمرت وعصرت وزمجرت.
ولكن قست قلوبهم فهي كالحجارة وأشد. آه، لو أن أمي ألقت هذه الخطبة. كنت أعرف ما ستقول فيها. أعرف تماما، وكأني أراها أمامي. كانت ليلى ستقول إذا كان قلبنا يعتصر إلى هذه الدرجة من الألم أمام موت الذين نحبهم، إذا كانت الزلازل والأعاصير والأمراض تأتي وتدمرنا وتخطف أحبابنا، فكيف نضع الأموال والجهود على بناء أجهزة وأسلحة لتقوم بهذا الدمار، وتعمل هذا الخراب، وتجني الموت... كيف؟
كيف؟ أما آن لنا أن نصحو. كانت أمي تتأثر كثيرا بالكوارث الطبيعية، وتقول كم يحزن الجميع ويتألمون، ولكن الإنسان يعود ويصنع الأسلحة لينتج كوارث بيديه. كانت أمي توظف ألم الموت في توسيع دائرة الرحمة، واللاعنف والسلام.

وكان الخطيب يتوعد ويزمجر، ويتحدث عن خطر المرأة، ونحن كنا نجلس أصلا في قاعة منفصلة لن يصلها الصوت إلا بالميكروفون. وفي النهاية وضعت أمي في مقدمة الجامع. وهي في الصندوق. نعم الست المسلمة مسموح لها التعطر في التابوت، وتحضر إلى الأمام عندما تموت. هذا مكانها. في الحياة هي في الخلف، لا صوت لها ولا رائحة. وفي الممات هي معطرة في المقدمة.

صلى معنا أصدقاء كنديون. وصديق إيطالي لنا أحضر أمه وصلت معنا الجنازة، وهو وقف مع ياسر وصلى معه الجمعة والجنازة. وعندها فكرة ببساطة وعظمة صلاة الجنازة، فهي ليست صلاة، وإنما وقفة. وقفة وداع مفتوحة للجميع، ولذا هي صلاة بسيطة، ليحضرها حتى غير المسلمين. فالصلوات الأخرى دائما موجودة، ولكن هذه صلاة لحظة، ووقفة مع صديق. ولذا هي مثل الطواف... يجب أن تكون مفتوحة للجميع، لغير المسلمين، للحيض، للنفاس، لكل المحبين، لكل من أراد أن يقف هذه الوقفة. وقفة حضارية إنسانية مع الزمن، مع الحب، مع الذاكرة.

عندما انطلق الموكب مررنا بمنقطة يصلح فيها الطريق. التفت إلى الموكب عامل، رمى مجرفته، ووقف وقفة قدسية وعمل إشارة الصليب، وصلى على سيارة التي تحمل ليلى. حتى الذي لا يعرفها صلى عليها. هكذا كانت أمي. شكرا لك أيها العامل. هي كانت إنسانية عالمية...فمهما كان النقاش كانت دائما تعيده إلى مستوى البشرية والإنسانية وكل ما يجمعنا جميعا، وتتجاوزنا وتذكرنا بالأكبر، والأوسع... والأقرب للحسنى.

عندما وصلنا المقبرة رفضوا السماح للنساء بالدخول. فصممنا، وذهبت بشرى، وشفيقة وأخواتي. فقال لهن العامل. إذن لا دفن اليوم! فقال أحد أصدقائنا (نادر): يوجد رجال كفاية وسندفنها نحن. والدي في البداية شعر أننا يجب أن نقضي يوما سلاميا ودفنا هادئا. ولكن أنا وأخواتي وشفيقة (التي مرة شاركتنا مع أمي الإصرار على الجلوس المسجد والصلاة في الجهة الأخرى في مدينة كيبيك) نظرنا في بعضنا، وشعرنا، كلا، كلا، لا تطعه، ولن نترك ليلى. وصممنا على حضور الدفن. ليلى لم تلد
إلا البنات، وأولادها الذين لم تلدهم (اولاد أخوتها) في سوريا. ماذا؟ إذا كنا إناثا فلا نستطيع دفن والدتي؟ " آه، أين أنت يا محمد! تعال تعال انظر إلى أمتك، تعال أنظر كيف لم يرد عليك أحد عندما استوصيت أمتك بالنساء خيرا. فذهب إليه والدي، وقال له ما المشكلة؟ أنا أعرف القرآن ودرست شريعة، ما المانع؟ وكالعادة، رمى بحديث، عن منع الرسول لفاطمة من زيارة القبور. فقال له، من أين جئت بهذا الحديث؟ وهكذا بعد مفاوضات قال، بناتها فقط! ثم بعد قليل، زال التوتر نهائيا، واجتمعنا كلنا مع بعض رجالا ونساءا. وبعد الدفن، قال لي خالص، أنت يا عفراء اقرأي سورة ياسين بصوت عال عند القبر. هكذا كانت أمك تريد، حضور المرأة وصوتها. وهرع رجل سوري نحونا وكأنه أحس بالأمر... وصار يقول أنا سأقرأ ياسين، أنا سأقرأها. ها! ومن حضرتك؟ يعني من قلة الرجال؟ ووالدي واقف يحفظ القرآن، ولكن أراد أن يقدم هذا لأمي. فجاء الرجل من خلفي، وقال: طيب اقرأي ولكن بدون صوت لو سمحتي. عندها تنفست بهدوء واستدرت نحه استدارة كاملة، وقلت بهدوء وحزم: ربما أنتم لا تتفقون مع ما نفعل أو تفهمون علينا، ولكن أمي ناضلت من أجل أن تعيد المرأة إلى المجتمع،وإلى المسجد. ووالدي طلب مني أن أقرأ ياسين بصوت عال لذكرى أمي ونضالها. وكل هذا الذي حدث اليوم، كله، كله كان خطأ، ولم يكن كما كان يريده الرسول (ص) الذي أدخل المرأة إلى مجالسه وأحضرها إلى مسجده، لأن مسجد رسول الله كان قاعة واحدة كبيرة، وكان له مدخل واحد ومخرج واحد يدخل إليه الرجال والنساء كلهم، ونحن لم نكن أصلا في القاعة التي صلى الناس فيها الجنازة وكنا مبعدين عن أبي وجسد أمي، بينما كانت الصحابية تدق على كتف الصحابي وتقول له أعد ما قال الخطيب لأني لم أسمع. هكذا كان مسجد رسول الله، وأمي كانت تريد أن تحيي رسالة محمد (ص) وتعيد المرأة المسلمة إلى المجتمع، إلى المسجد، ونحن من حقنا أن ندفن أمنا ، ولكن وأسفاه، اليوم أمي وصلت إلى مقدمة المسجد وهي في صندوق، واليوم أمي نناضل من أجل أن نقف بجانب تابوتها، فالمرأة المسلمة (تابعت) مكانها فقط في الصندوق حاليافي الإسلام، ولهذا قال القرآن، "وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت." نحن اليوم لا نقبل حضور المرأة إلا وهي موؤدة.

وهكذا وقفت أمام المقبرة، ووالدي من يساري، وأروى وسملى من يميني، والبقية من أخواتي وزوجي وأصهاري وأصدقائنا وأقربائنا من حولنا، وقرأتها بصوت عال. ووالدي يقرأها معي بصوت خافت جدا، يشد من أزري، وأستأنس بدعمه. قرأت ياسين لنا جميعا، ولكن قرأتها لليلى. كنت أريد أن أقف هذا الموقف لها، وكنت سعيدة بدروس التجويد، لأن ليلى كانت تحب أن أقرأ القرآن بشكل جيد، وأنا قرأتها وأنا شاكرة لها على زرع حب القرآن فينا، وعلى زرع حب القراءة والقلم.

وهكذا ليلى لم تغادرنا بدون مناضلة سلامية أخيرة، حتى في مماتها، لتكون آخر صفحة أيضا صفحة تحضر فيها المرأة إلى جانبها، تحضر الجنازة، وتقرأ بصوتها.
آه، يا ناشخة يا ناشخة كم تذكرتك وتذكرتك الأيام التي مضت. كنت لا أريد أن يقول لي أحد "الحمد لله." هي أحيانا تخرج لوحدها منا نحن في لحظات معينة. عندما أتذكر أمي وكيف غسلناها وكفناها وعطرناه، أقول الحمد لله على هذا الشرف. عندما نتذكر أشياء أخرى نقول الحمد لله، ولكن ليست هي الكلمة التي تقال وتردد في هذا الموقف كما يفعل من حولنا وفي كل مجلس وفي التلفون. آه، ولكن كم أنت ذوقك رفيع أيضا يا ناشخة. فعلا كان معك حق يا حبيبتي السنة الماضية عندما فقدت ولدك وكنت تتحسسين من هذه الكلمة التي تتردد على الألسنة. صرت أتذكرك وأتذكرك. يا عالم يا ناس من أين بدأت موضة "الحمد لله"؟؟؟ وما المانع من صبر جميل وبالله المستعان. أليس "الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون؟" ولكن نحن ما زلنا لا نعيش ثقافة قرآنية، حتى أبا يوسف ابيضت عيناه، وقبلها قال "إني ليحزنني أن تذهبوا به." الفراق هو حزن... "فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن." إذا كان الفراق المؤقت حزنا، فما بال الفراق الأطول. كانت امرأة من معارفنا حولنا في اليوم الأول وصارت تقول لنا، أين الله؟ أين الإيمان؟ ونحن ماذا كنا نفعل؟ لا شيء. دموع تنهمر أحيانا، وزفرات عميقة أحيانا. وأنا كنت لا أستطيع الجلوس في أي مكان، وأمشي كثيرا. ما المانع من الألم، من التمزق. كانت أوصالنا تتقطع. هي كانت تريد دعمنا،ولكن وقفت في لحظة وقلت لها بهدوء: انظري، لقد خلع قلبنا من مكانه بعنف شديد وبسرعة مفاجئة ومبكرا. والوجع شديد فهل لنا أن نتألم. عندها اعتذرت، وهي كانت تحاول أن تكون لطيفة، ولكن هذا الدين الجديد يشوه الأفراد، ويقسي القلوب. جائتني لحظات تذكرت مخاضي الطويل الشاق باليأس. ثلاثين ساعة متواصلة. شعرت بسهولتها وخفتها. أعطوني عشرة أضعاف منها... سأعملها برفة عين وبدون تردد، وأعيدوا لي أمي، وخلصوني من هذا الجحيم. أعطوني ثلامائة ساعة من العذاب الجسدي بل أكثر وأكثر، بدون هذا الفراق. ولكن العذاب النفسي أقسى وأقسى. آه! كان هذه لحظات يجب أن أمر بها. عندما تقطع أحدا فلا تستطيع أن تقول لهم لا تنزفوا أو تتألموا. هذه سنة الجسد. وعندما تقطع الحب، فإنك تمزق القلب، وهو أشد عذابا. وهذه سنة النفس.

لاحقا كنت أفكر بهذه الأمور وشعرت أن المسلمين أضاعوا مفهوم التوازن الذي كان محمد يريد أن يبينه عن الموت. فعرب الجاهلية كانوا يعملون حفلات موت ويحضرون النواحات، والباكيات المحترفات، وما تزال بعض الثقافات الإسلامية تقوم بمثل هذا، ولكن الطرف النقيض أيضا هو رفض الحزن الذي هو حالة طبيعية ويجب أن يمر منها الإنسان وهو تعبير يتوافق مع النفس الإنسانية وطبيعتها... كنت أعرف أننا لا نعرف أن نعيش، ولكن اكتشفت أننا نحن المسلمين لا نعرف أن نموت أيضا.

إذا كانت النفس الإنسانية لا تستجيب للإكراه فهي تتألم أيضا عندما ينزع منها الإحسان والحب. ألم يسمي محمد السنة التي توفت فيها خديجة "عام الحزن." هذا عام الحزن عندما. 2005. أكثر ما كان يخيفنا في الحياة، أكثر ما كان يرعبنا، أن نفجع بأحد نحبه صار لنا... فيا رب، لا تمتحنا مرة أخرى، لا تفجع قلوبنا الهشة الضعيفة. يا رب ارحمنا، يا رب ارحمنا، يا رب صبرنا على هذا الفراق الأليم.

ليلى في ذاكرتي هي الهدوء والحل والجمال. كل شيء جميل أنظر إليه أرى أمي فيه. صباح الأحد، اليوم الأخير الذي قضته معي، قالت بينما كنت ما أزال نعسة في الفراش. هيا هيا يا عفوري، كم مرة سيصح لك فطور جميل مع أمك، وفعلا تذكرت أنها ستسافر وأنها لا تأتي عندي كثيرا، وقفزت بسرعة من الفراش، وكانت هي وياسر عملوا قهوة، وكان الصباح منعشا وجميلا، فقررنا أن نأكل على مصطبة الحديقة، وأن نفتح شمسية الطاولة، ونجلس تحتها. وبينما نحن نحضر الفطور أمسكت بيدي وقالت تعالي تعالي، أريد أن أريك شيئا عجيبا، وأخرجتني إلى المصطبة، وكانت زريعة البقوسيا مفتحة ربما خمسة أزهار بلون أحمر عميق يميل إلى الزهري. وكانت كريتس أهدته لي وليلى أصلحته لي وربطته حتى تستقيم أغصانه. قالت آه، هذه الزريعة تتحدث معنا، انظري إلى الألوان، وأنظري إلى الوريقات كم هي نضرة ولامعة. ثم لاحقا قالت، تعرفي، هذه البقوسيا رائعة الجمال (وعندي واحدة أخرى بلون برتقالي فاتح)، ولكن مع جمال أزهارها الشديد إلا أن الأزهار لا تدوم إلا يوما. قلت لها معك حق. إنها جميلة جدا، ولكن تعيش قصيرا. الآن عندما أرى أزهار البقوسيا أقول هكذا كنت يا ليلى، هذه مشكلتك، شخصية جميلة جدا، ولكن حياتك قصيرة. كنا نريدك أكثر معنا. يا أجمل بقوسيا مر بحياتنا.

عندما كنا نرى أحيانا تكوينا جميلا من الأزهار في شارع أو زاوية عامة في مونتريال، كانت تقف وتقول لي، أنظرى يا عفراء، هذا ليس رخاما وذهبا وفضة. أنظري كم جميلة هذه الزاوية. هذا ذوق واحساس. هذه ثقافة وحضارة. هذا ليس مال. هذا يمكن أن يكون في أي بقعة في العالم الثالث. كانت ليلى تركز كثيرا على هذا الجانب. وكان صار لها شعور عميق بأن العالم الإسلامي يفتقد لحس الجمال. قد يركض وراء المظاهر والماديات، ولكنها كانت تشعر أنه فقد إحساسه الداخلي بالجمال، ولذا لم يعد قادرا على توليده من الداخل.

قبل أيام عندما ذهبت إلى عند البنات أخذت معي قطعة شعرية من أحد الأصدقاء الكنديين لنقرأهاسوية. (ونحن الآن نحاول أن نكون دائما مع بعض قدر الإمكان، وننام عند بعضنا كلما سنحت لنا الفرص) قلت لأروى إني شعرت أن الشوارع مليئة بأشباح يمشون تجاه موتهم. مهما اختلفت اتجاهاتهم واهتماماتهم فإنهم كلهم يمشون
نحو الموت. قالت لي، إنها عندما دخلت الشارع لأول مرة بعد الجنازة شعرت وكأنها تريد أن تقول للناس، إلى أين؟ إلى أين؟ أوقفوا كل شيء. ابتسمت وقلت لها هذه المشاعر في القطعة الشعرية التي سأقرأها لكم. وبعدها جلسنا وقرأناها. وهذه ترجمتها (ركيكة مني):

أوقفوا كل الساعات، اقطعوا التلفونات،
امنعوا الكلب صاحب العظمة من العواء
أصمتوا البيانوات، وبطبول مسدودة
اخرجوا التابوت، ودعو المعزين يحضرون

اجعلوا الطائرات تدور بأنين في الأعالي
وهي تكتب على السماء رسالة: لقد ماتت
ضعوا أشرطة سكرية على أعناق الحمامات في كل الشوراع
واجعلوا بوليس المرور يلبسون قفازات سوداء

إنها كانت شمالي، وجنوبي وشرقي وغربي
كانت اسبوع عملي، وراحة عطلتي
كانت قمري، ومنتصف ليلي، ومشيي، وخطواتي وأغنيتي
ظننت أن الحب سيدوم إلى الأبد. كنت مخطئا

النجوم غير مطلوبة الآن. أطفئوا كل واحدة منها
ضبوا القمر، وفكوا الشمس
صبوا كل المحيطات، واكنسوا كل الغابات
فلن يحصل شيء جيد بعد الآن

بابا تأثر عندما سمعها وأعجبته، وقال لو أن الجملة الأخيرة كانت تفاؤلية أكثر. فقلت له، ولكن هي تعبر أيضا عما يحدثه الموت في داخلك، وكما قالت مريم الحياة تفقد كل طعمها ومعناها في لحظات الخسارة، ونحن خسرنا إنسانة كانت شمسنا وقمرنا، وابتسامتنا وضحكتنا ومحيطات من الحنان وغابات من الأزهار والأفكار، والخواطر، ومساحات من السعادة العميقة. ولكنها تركت الكثير. كانت أمي تقول إن الحياة كتاب تتفتح حبكته، ولكن عندما يأتي الموت تنتهي الحبكة. تستطيع أن تعيد قراءة الكتاب، ولكن الحبكة انتهت. كانت تقول، لا تجعل الحبكة تنتهي وأنت ما تزال حيا.
وها هي الآن تركت لنا كتابا نعيد قراءته ونعيد ونعيد، ولكن حبكته انتهت. فيالك من كتاب رائع يا ليلى!
والحياة أيضا صارت الآن حديقة لكل البذور التي زرعتيها يا ليلى، لتنمو فيها البراعم. البراعم التي كانت ليلى تكن لها عشقا خاصا ، وتراها رمزا لتفجر الحياة وعطاء الكون وسنة الله. لقد كانت عقلانيتها وثباتها يبهراني. لقد كان زهدها مع حسها الجمالي الرفيع يعطيني الإلهام. لقد كانت روحها المرحة تؤانسني حتى في غيابها. وكم وكم وكم كنا نشتاق لها. وكم نحن سعداء أننا قضينا معها أوقاتا
جميلة هذه الصيفية.

لم تترك ليلى أغراضا كثيرة. قليلة جدا متاعها في الحياة ولكن أغراض جميلة أيضا. تركت ساعة لونجينز فخمة، وأحذية رياضة ممتازة. ونظارة قراءة ظريفة، وبدلة ألمانية أنيقة. كانت زاهدة في الحياة، ولكن بذوق ناعم، وإحساس بكل جماليات الحياة. ليلى لم تجمع ذهبا أو مجوهرات. وأتذكر قبل سنوات كثيرة، قال لها خالص، يا ليلى أنت زوجة جراح، سأهديك قطعة ذهب، وهي قبلت هديته. وكان والدي يريدها أن تكون رمزية، فلم يختر لها شيئا مزركشا بل اختار أونصة ذهبية (أي صفيحة صغيرة) معلقة بسلسلة. ولكن صارت هذه الأونصة لها قصص وقصص في العائلة. كانت إذا أرادت أن تعمل خيرا، أو تهدي أحدا، أو تساعد عائلة، تقول خالص أفكر أن أبيع أونصتي لأعمل هذا، وخالص يقول، لا لا، سأعمل لك. وما شاء الله هما الاثنان يتسابقان. فكانت تضحك، وتقول هذه الأونصة صارت كنزا لعمل الخير، وأشياء جميلة كثيرة.

هذه الصيفية قالت لي، هل تذكرين أني طلبت من خالص هذه الساعة عندما تخرجت من الباكولوريا، ثم ابتسمت وقالت صحيح كانت غالية جدا ولكن أظن أني أخرجت سعرها منها بعد 18 سنة. قلت لها، آه، أخرجت يا ماما وأخرجت وتستاهلي أكثر وأكثر. ولكني الآن أشعر أن هذه الساعة تعبر عن أمي التي كانت تحب الاتقان، والدقة والجمال. تعبر تماما عن أسلوبها في الحياة. كانت لها ساعة واحدة، وكانت جميلة وفخمة. لم تكن أمي تكدس الأشياء أو تجمع الكراكيب. كانت تجمع الأفكار، والذكريات والمعرفة. وكأنت تجمع الأناقة والتطور والحلول. كانت في حالة صيرورة دائما. تأقلمت مع عصر الانترنيت والإيميل، وصارت تقرأ جرائدها على النيب في كل صباح مع قهوتها. كنت علمتها طبع الآلة الكاتبة (تكتب بدون أن تنظر للوحة المفاتيح) قبل ثماني سنوات، وكانت صارت أسرعنا، وتدق تدق بسرعة وكأنها تعزف على بيانو. كانت ليلى تؤمن بالصيرورة. شعرت أني أريد أن أكون مثل هذه المرأة، التي تركت ذكريات جميلة وأفكارا عظيمة وضحكات جميلة، وجرعات وجرعات بل محيطات من الحنان والعناية بكل من حولها، وإمكانات وبذور وأشجار، وحدائق وأزهار.
شعرت نفسي، أقول فعلا يا ليلى، لا يوجد وقت كثير... كان عندها هدوء ولكن كان عندها شعور بالاستعجال أيضا... معك حق، كل سخافات الحياة لا تستاهل. صرت أفهم ترفعك عن صغائر الأمور، والروح الاستهلاكية وكل ما غث ولم ينفع... صرت أدرك تماما متع ليلى الحقيقة. فهي كلها كانت تصب في المعرفة. في اللحظات العصيبة الأولى قال لنا إلياس، لماذا أنتم خائفون وحزينون على ليلى. سيريها الله كل ما تريد، سيريها التاريخ ويجعلها تعرف كل شي. عندما افكر الآن بما قاله إلياس أدرك
كم امتص منها، وكيف انتبه لتعليقاتها، لأنها كانت تقول إذا كانت الطلبات ستحقق في الجنة، فهي لا تريد أنهارا من عسل وجبالا من ذهب وحريرا واستبرق. كانت تقول إنها تريد المعرفة، الحقيقة، وبالأخص المعرفة التاريخية. كانت تقول إنها تريد أن ترى التاريخ البشري كلها يعرض أمامها، ما حصل فيها من تفاصيل، كما حصلت تماما، مرافعة سقراط، ما حدث للمسيح، ما حدث في السيرة، وحتى الأشياء الصغيرة مثل اغتيال كندي. وكانت تقول إنها تريد أن تتعرف إلى العظماء، الأنبياء والفلاسفة وأن يكون بامكانها الجلوس والتحدث إليهم. حتى في جنتها فإن المعرفة والتاريخ والعلم كانت هي الأهداف النهائية لليلى، ومتعتها الحقيقية، ولهذا انعكس هذا في حياتها أيضا...

وحياتنا إن شاء الله ستكون حديقة لكل البذور الجميلة التي زرعتيها يا ليلى ولكل الأشجار التي كبرتيها، وإن شاء الله تصير باسقة، أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين. يا رب أعطنا فعالية ليلى، وقدرتها على التنظيم وترتيت الأولويات، يا رب أعطنا حسها بالوقت، وبتفاصيل الأشياء، يا رب أعطنا وزدنا من قدرتها على الانجاز، واتزانها وحكمتها وسرورها وحبها العظيم لكل من حولها. يا رب أعطنا ذوقها الرفيع وإحساسها العميق بجمال الحياة وتفاصيلها. يا رب اجعلنا
نتماسك كعائلة في هذه اللحظة العصيبة وأن نتابع العناية بهذه الحديقة وبهذه الأزهار والأشجار. وعندما يأتي الموت في النهاية، فمرحبا بك أيها الموت، مرحبا، مرحبا، وأهلا وسهلا بك يا ليلى!