عاد مهندس النفط شريف خيري ( عادل إمام ) إلى القاهرة بعد إقامة عمل في دبي بالإمارات العربية المتحدة دامت خمسة وعشرين عاما ً، وفوجىء بخلو العمارة التي تقع فيها شقته من السكان. ولاحظ أيضا أن العمارة تعج بالعساكر ورجال الأمن والمخابرات، ثم زال عجبه واستغرابه حينما علم أن السفارة الإسرائيلية تتخذ من إحدى شقق العمارة مقرا لها.
تتوالى القصة فصولا ً، وتتلاحق مشاهد الكوميديا والإغراء والمفارقات، لكن القاسم المشترك الأعظم بينها جميعا يظل رفض التطبيع أو quot; التظبيط quot; حسب تعبير عادل إمام، مهما اختلفت مشارب وأهواء ومستويات ثقافة المعنيين.
هل هذا هو مايجري في الواقع؟
ليس مسرح الإجابة مقتصرا على مصر بطبيعة الحال، وإنما أنظر هنا إلى العالم العربي برمته. فلو أخذنا كمثال أكثر الأصوات زعيقا وغوغائية في سياق التظاهر برفض التطبيع، أعني قناة quot; الجزيرة quot; التي تبث من قطر، لوجدنا أنها حريصة على استمرار هذا التطبيع في أدق تفاصيله. أنظر رجاء ً إلى الخارطة التي تضعها على الشاشة لإيضاح مسارات الحرب الإسرائيلية على لبنان، ولاحظ كيف تحرص هذه القناة على الإبقاء على كلمة quot; إسرائيل quot; حتى لو لم يظهر على الشاشة من الخارطة سوى مايسمى بأصبع الجليل، وهو الامتداد الأعلى لخارطة فلسطين التاريخية. ومن المثير للعجب أن قناة quot; العربية quot; التي تبدو حكما أكثر تناغما مع الإمكانية النظرية للتطبيع، نظرا لطبيعة خلفيتها، تضع عبارة quot; الأراضي المحتلة quot; منطلقة بها من الضفة إلى البحر، ضاربة عصفورين بحجر، فهي لم تكتب فلسطين المحتلة مثلا على أراض تدخل في نطاق إسرائيل لتؤاخذ قانونيا، ولم تكتب أيضا إسرائيل لتؤاخذ شارعيا ً. مثال quot; الجزيرة quot; هذا لم يكن الوحيد في نطاق تذويب اللاتطبيع النفسي في أسيد التطبيع الشمولي. فهي أول من استضاف المعلقين والمحللين الإسرائيليين، وهي أول من امتلك مراسلين quot; إسرائيليين quot; رغم تقديري لجهدهم المحمود في نقل الصورة بكثير من الحيادية، وهي... وهي...
ولاتقتصر الحفلة على quot; الجزيرة quot; وحدها. فعالمنا العربي في معظمه يعج بالأمثلة التطبيعية. بدءًا من الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والكارتلات النفطية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي واتفاقيات التجارة العالمية والاحتلالات العلنية والسرية والسفارات والمكاتب التجارية وإلخ... فكل هذه صور أخرى متنوعة للتطبيع، مع عالم تهيمن فيه إسرائيل على موضع القطب من الرحى. هل أكذب حين أقول إنه حتى بطاقات الائتمان الكبرى مثل فيزا وماستر كارد التي نستخدمها جميعا تمتد جذورها التمويلية أو الإدارية إلى الدولة العبرية أو مؤيدين لها أو بكلمة مختصرة جدا يهود أميركيين لايمكن إلا أن يكونوا من حبال المضيف الإسرائيلي؟ أليست حال البنوك ذات الأسماء الدولية الرنانة مشابهة؟
إذا كانت شقة السفارة الإسرائيلية مجرد شقة واحدة في عمارة عادل إمام، فإن عمارتنا العربية بكاملها تكاد تذوب في quot; سفارة quot; أولاد العم سام، ما يجعل صراخنا وغوغائياتنا مجرد .... في سوق الصفافير ( النحّاسين ) كما يقول المثل العراقي !
التطبيع يطوق علينا الهواء والماء، وزعاماتنا من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر لاشغل شاغلا لها إلا بيان مضار التدخين وفوائد التطبيع وإن جاءت العبارات مختلفة باختلاف اللهجات و quot; واللكنات quot;، ولا أعرف مدى إمكانية إبدال الأمثلة في النكتة التالية، لتكون مرة في بلاد الرافدين، وأخرى عند طائر الفينيق، وثالثة قرب سد مأرب، وأخرى في قرطاج، واخرى في... قيل أن دليلا ً مصريا ً صحب مجموعة من السياح الأجانب لزيارة الأهرام وأبي الهول، وكان ذلك بعد هزيمة حزيران ( يونيو ) العام 1967. وأثناء الشرح أراد أن ينتهز الفرصة ويقوم بالدعاية لبلاده، فقال لهم : إن مصر أقدم حضارة في التاريخ. فكرر صدى الصوت عبارته. فقال : وهي أم الدنيا. فأعاد رجع الصوت ماقال، فوجدها فرصة ليقول : وسوف تحارب إسرائيل. فإذا بالصوت يرد: بس يا مغفـّل!
- آخر تحديث :




التعليقات