قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مقالة النابلسي ( الأردنيون وذهب رغد ) صورة من المشهد الكتابي العربي، المشحون بالتنافر اللونيّ والعقلي وإلإشكالي..وصوت يصرخ في سوق الهرج والمرج، وسط رهط من الباعة المنادين على الخيار

هل لو كان صدام حسين رئيسا للصومال الفقير...هل سيكون الإحتفال بشنقه على النحو الذي جرى بالأردن وغزة... ألم تلاحظوا الفقر والإملاق في هذه الفرضية العقيمة ( التي تسميها لغة الفلسفة مصادرة على المطلوب ) فلو كان صدام رئيسا للصومال لكان كسياد بري أو عيديد الذي لن يحفل أحد بيوم ميلاده ولا بيوم وفاته؟
الإستراتيجي، والبصل الأيديولوجي.. الملفت أن الكاتب لم يكتف بالقفز البهلواني فوق صناديق الثقافة والمعرفة والتاريخ، بل انهال بسيّل من الشتائم والسباب على الشعب الأردني والفلسطيني..كقوله: هذا الشعب الفقير، يظل فقيرا بعقله، وذليلا بحاجته...أو تلفظه حرفيا : مازالت( يقصد رغد) تصرف إلى اليوم بسخاء على قطعان الشعب الأردني من الدهماء والمثقفين....وبهذا يعيدنا إلى آداب العصور الوسيطة، الزاخرة بالنعوت ( الغثة والسمينة ) وما يصف أحوال الأمم وخصالها وطبائعها، كالزعم بأن الفرس أهل حكم ودهاء، واليونان أهل حكمة، والعرب أهل شعر وفصاحة..إلى ابن خلدون الذي وصف السودان بالحيوانات العجم..ناهيك عن خطب الحجاج التي دمغت العراقيين بأنهم أهل شقاق ونفاق، ومقولات من قبيل: دينكم ديناركم وكعبتكم نساؤكم.. وصولا إلى النابلسي الذي تكرم على الشعب الأردني بفقر العقل!!!

لكن قبل الإستفاضة أسجل حزني للفراغ المدويّ الذي أحدثه رحيل إدوارد سعيد، فهو من القلائل الذين خلعوا بداوتهم وارتدوا ثوب الإنسان. في حين استمر المشهد الكتابي العربي رحلة بداوته وقحطه، كما كان شأنه في سالف الأيام، إنه نفس المشهد، الذي أدمن تملق السلطة والقوة، ولحس الأصابع وانتظار الولائم الدسمة.. ومن طرائف ما سجله مطلع القرن العشرين،تلك التي أبدعها شعراء العراق ( ومن بينهم مهدي البصير وأبي المحاسن وأبي طبيخ ..) فبينما كانت القوات البريطانية تخوض معركة العمارة الشرسة أمام العثمانيين، كانت منابر بغداد تضجّ بقصائدهم العصماء التي تغنت ببطل الدردنيل أنور باشا( نشرت في جريدة العروى الوثقى )، وما ان دخلت بريطانيا بغداد حتى بدأ هؤلاء ( أنفسهم ) بتعظيم بريطانيا العظمى، وكتابة قصائد الغزل لامبراطورية لاتغيب عنها الشمس ( في جريدة الإستقلال )..

وكي لاأتهم بالمغالاة أعود إلى المقالة أعلاه ولكاتبها الليبرالي جدا جدا: في البدء لم تكن الكلمة بل كانت سقطة مروعة، فالكاتب بدأ مستهزئا بالعقيد القذافي وجمهورية الهبل والجنون ( على حد تعبيره) لمجرد دعوته اليهود والمسيحيين بالطواف حول الكعبة ؟؟ في هذه اللحظة نسيّ الكاتب المضمون التقدمي والتنويري المتمدن في دعوة القذافي ولم يقبلها منه، ولو على مبدأ ( خذ الحكمة من أفواه المجانين)فجأة نسيّ ليبراليته تاركا للمداهنة وبعض البداوة الوهابية تصرخ في أعماقه!! فمالذي يمنع من فتح المدن المقدسة جميعها، للزوار والأجانب والسيّاح والفضوليين وحاملي الكاميرات، ولابسي السراويل القصيرة؟؟ هل يزعج الكاتب منظر الفاتيكان وهو يشرع أبوابه لمن يريد. ويفتح حدائقه للعشاق، دون سؤال عن دين أوعرق!! أية جاهلية تلك التي تمنع العشاق من الجلوس أو التمشي في الحدائق، بينما تجيز اللواط والسحاق في الزوايا المظلمة!! لكن دعونا من هذا لنتعمق ونبحر في عقل الكاتب وتلافيف دماغه ونسمعه يتساءل:
هل لو كان صدام حسين رئيسا للصومال الفقير...هل سيكون الإحتفال بشنقه على النحو الذي جرى بالأردن وغزة..( انتهى) ألم تلاحظوا الفقر والإملاق في هذه الفرضية العقيمة ( التي تسميها لغة الفلسفة مصادرة على المطلوب ) فلو كان صدام رئيسا للصومال لكان كسياد بري أو عيديد الذي لن يحفل أحد بيوم ميلاده ولا بيوم وفاته؟ ثم ينتقل الكاتب إلى وصف رغد صدام التي تنثر صرر الذهب الإبريز ( مايزيد على ملياري دولار ) على الأردنيين المتعطشين النهمين..فبغض النظر عن وثائق الكاتب الدامغة( التي لايملكها طبعا) ، ألا يحق لنا أن نسأل ، كيف لرغد أن تنثر الأموال في دولة، نظامها السياسي وصيف ومحظيّ في قصر السلطان الأمريكي، هل يتم ذلك دون علم أهل البيت ومن وراء ظهور أصحاب الهيلمان؟ أم أن رغدا داهية دوّخت الدنيا كأبيها ورقّصت المخابرات ودهاقنة تجفيف منابع الإرهاب؟؟ ألم يسمع الكاتب ب23مليارا بعثرها السيد بريمر حلالا زلالا على ناهبي العراق الجديد في عام واحد؟


ثم يعود الكاتب ليسأل : هل هذا الحزن العارم ، وفاء من الشعب الأردني للذي غمره بالبترول المجاني؟ ألا يقفز هذا السؤال فوق حقيقة التحالف التاريخي بين صدام والملك حسين الذي شارك في قادسيته الدامية، وفتح عقبته لكل الأسلحة والصفقات، وأرسل بيده قذيفة مدفع لإيران إنتقاما لصديقه الشاه!!وبالتالي رهن مصير الأردن واقتصاده في مسار معلوم؟أم أن ذلك من فعلة أبناء المخيمات البائسة ومخططاتهم الإستراتيجية الجهنمية؟ ألم يكن الملك الراحل شريكا في تقبيل أكتاف صدام يوم احتلال الكويت، أم أن الكاتب ينتقي من المشهد صورة ياسر عرفات ( بطل القبلات القومية ) الذي اتهمه بنكران جميل الكويت وعضّ أيديها البيضاء وأموالها الطائلة..أي ثقب منطقي في هذا الكلام: أليس حريا بأبي عمار ( وهو رجل يعرف من أين تؤكل الكتف ) أن يتشبث بأموال الكويت ولا يعدو خلف سراب صدام الخادع؟ خصوصا أن الأخير مربي خصمه اللدود أبو نضال، والمتهم بقتل عزالدين القلق، وسعيد حمامي ( خلصاء ياسر عرفات )؟؟ وهكذا يستمر الكاتب الليبرالي جدا ، ويرفع ابتهاله وشكواه للسماء بلوعة وحرقة فيقول : ما أقسى جحود هذا الشعب الفلسطيني، الذي لايميز بين عدو وصديق...بئس الشعب الذي يرقص لرنة الذهب...فالشعب الفقير ، فقير بعقله!!! أي سفسطة في قول كهذا!! هل نقول حسب هذه الحكمة البليغة: إن الشعب الكوبي الفقير، فقير بعقله..مع أنه يمتلك نظاما تعليميا وصحيا يفوق الخليج الغني، والغني بعقله( وبالوهابية أيضا ) !!


لكن مايثير حقا قول الكاتب : إنني أطأطئ رأسي خجلا أمام شعب العراق، وأرامل العراق، وأطفال العراق...الذين كانوا ضحية للجلاد الذي تم شنقه بالأمس؟؟ هل سيطأطئ رأسه أيضا لمثات الألوف ممن سحقتهم عربات الهامفي والهمر، وللجثث الملقاة في أرض الرافدين دون أن تجد من يواريها الثرى، وهل سينحني للآلاف الأرامل واليتامى في ديمقراطية الغابة ومثاقبها الطائفية...لا أنتظر ذلك منه، لأني أعرف من ولمن يطأطئ البعض رأسه؟
ملاحظة: أنهيت كتابة النص أعلاه ولم أتقاض شيئا من العقيد دام ظله وظلال خيمته.


نادر قريط