قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدو أن أجنحة الحكم المختلفة في تركيا تعيش هذه الأيام حالة هيستيرية، وانعدام توزان، وذلك بفعل انكسارات متلاحقة على مسارات عدة منها: الدولي والاقليمي والمحلي. فالأجنحة المعنية تدرك تماماً أن المعادلات الجديدة التي تتحكم راهناً بتفاعلات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط - التي باتت بحق المطبخ الرئيس لعملية إعداد وبلورة ونضج الخيارات والتوجهات والقرارات على الصعيدين الاقليمي والدولي - لاتعطي تركيا الدور المعهود والمنشود من قبل نظامها الحاكم الذي كان يُعتبر فيما مضى الحليف الأكثر حظوة واعتماداً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة خلال الفترة الممتدة من أواخر السبعينات إلى أوائل التسعينات، وهي الفترة التي بدأت بسقوط نظام الشاه في ايران، وانتهت بإنهيار المنظومة الاشتراكية.
كما ان خيبة الأمل التركية من خياراتها الأوربية قد أسهمت في تعميق حالة الإحباط لدى أجنحة النظام المختلفة، وذلك نتيجة الإخفاق المركب الذي تمثّل في عدم اإعتراف بأوروبيتها من ناحية، وتراجع أهمية مكانتها المشرقية، والشرق أوسطية تحديداً من ناحية ثانية. أما على الصعيد المحلي الداخلي، فإن تركيا - ككيان سياسي- تعاني من جملة تمزّقات بنيوية على المستوى الداخلي، تتجسد بصورة أساسية في اثنين محوريين. الأول يتماهى مع التناقض المقنع عادة، السافر أحيانا، بين المنحى الإسلامي في التوجه السياسي للحكومة، وبين العلمانية العسكرية القسرية التي تفرضها مؤسسة الجيش، وتتناغم مع تطلعات القوى القومية التركية المتشددة.


ولعله من المناسب هنا الإشارة إلى التوافق اللافت بين المنحى الإسلامي، ونزوع الغالبية من عامة الناس المتدينة بطبيعتها، هذه الغالبية التي ما زالت تحن إلى ماضي السلطنة العثمانية ونجاحاتها في أيام القوة والإزدهار. أما أصحاب الإتجاه العلماني، فهم مازالوا يعتبرون أنفسهم حماة تعاليم مصطفى كمال الذي يعد مؤسس الدولة التركية الحديثة. والتعاليم المعنية هي بالنسبة اليهم فوق النقد والمناقشة؛ كما ان قدستها لاتحد ولاتُمس بأية سلطة أو شرعية، بما في ذلك الشرعية الانتخابية. وهنا يمكنا عقد وجه من المقارنة بين النظامين الايراني والتركي، إذ تعد العملية الإنتخابية بالنسبة إلى الإثنين مجرد عملية تزيينية، تحريكية، تقتصر نتائجها على الجانب الإدراي الوظيفي الخدمي، من دون الإستراتيجي المفصلي الذي يظل في إيران تحت السيطرة المطلقة لدائرة فئة من الملهمين ربانياً، ويبقى في تركيا حكراً على حفنة من الجنرالات والمافيات المحيطة والمحتمية بهم.


أما التمزّق الثاني الذي يمثل علامة فارقة في التيه البنيوي التركي الذي نحن بصدده، فهي تتشخص في الإصرار التركي المتهالك على رفض الإقرار بالواقع الكردي ضمن تركيا ككيان سياسي؛ والواقع هذا قديم أصيل على صعيد التاريخ، واسع المساحة على المستوى الجغرافي، كبير الحجم من جهة الديموغرافيا؛ وكل ذلك يدركه جيداً النظام التركي - بأجنحته كافة- قبل غيره. فالوجود الكردي في تركيا يمثل ما يعادل ثلث الحجم السكاني؛ في حين أن الثلثين الآخرين لا يقتصران على الأتراك وحدهم، بل يشملان أيضاً القوميات الأخرى مثل اللاز والعرب والأرمن والسريان واليونان وغيرهم. الوجود الكردي قديم، يعود بجذوره - مع الوجود الأرمني استناداً إلى معطيات تاريخية- إلى أيام الحثيين والحوريين ومملكة أورارتو، أي إلى أواسط الأف الثاني قبل الميلاد، وربما قبله. في حين أن دخول القبائل التركية إلى المنطقة كان في أيام ضعف الدولة العباسية، وتعزز هذا الدخول نتيجة تبعات هجمات كل من هولاكو وتيمورلنك. إلا أنه على الرغم من كل شئء تمكن الناس من التعايش معاً في ظل التسامح النسبي الذي تميزت به الدولة العثمانية في مراحلها الأولى. ولكن في المراحل اللاحقة بدأت النزعات التركية المتشددة تكتسب القوة والنفوذ في ردهات السلطنة، وبدأ التفكير في كيفية التخلص من الوجود الأرمني المؤرّق الذي كان يستعصي على التتريك بفعل العاملين القومي والديني، لذلك كان القرار باستئصاله، وكانت المذابح المريعة المدانة بحق الأرمن - بدعم من الحليف الألماني في ذلك الحين( اثناء الحرب العالمية الأولى)، تلك المذابح التي ما زالت حكومة اردوغان تتنكّر لها، وترفض حتى مجرد الاعتراف بوقوعها؛ وهي تلتقي في ذلك على صعيد التوجه والموقف مع أشد النزعات التركية تطرفاً. وقد جاءت جر يمة اغتيال الكاتب الصحفي الآرمني هرانت دينك مؤخراً لتؤكد عمق الأزمة التي تتخبط فيها دوائر السلطة التركية، كما تعكس نمطية الصلف الذي تتعامل بموجبه مع القضايا التي تهدد - وفق عنجهيتها المتغطرسة- الأمن التركي.


فالكاتب المغدور كان واحداً من أولئك الذين يطالبون بإعادة العلاقات بين شعوب المنطقة إلى وضعية تكون في صالح الجميع على أساس الإعتراف بأخطاء الماضي، وتحمّل المسؤولية، والتوجه نحو المستقبل بعقلانية تؤسس لتمازج حضاري يحترم الخصوصيات، ويلتزم الحوار التفاعلي المناهض لعقلية الإقصاء، وأساليب المافيات في ميدان تصفية الخصوم.

في بداية عهد الجمهورية، كان الشغل الشاغل لواضع حجرها الأساس هو كيفية التخلص من العنصر الآخرالمقلق المهدد بالنسبة إليه، وهو العنصر الكردي، بعد أن تمكّن سلفه السلطاني من إزالة خطورة العنصر الأرمني.


وتحت وطأة رغبة الحلفاء - خاصة بريطانيا- بمنح الكرد الاستقلال، شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي كانت خاضعة للسلطنة لعثمانية، لجأ مصطفى كمال إلى المكر والخديعة؛ حاول المستحيل من أجل استمالة الكرد، مبيناً لزعاماتهم أن الجمهورية الجديدة هي شراكة بين الأتراك والكرد؛ لكنه كان في قرارة نفسه يفكّر في كيفية إذابة العنصر الكردي، مستغلاً واقع التخلف الذي كان المجتمع الكردي يعاني منه في ذلك الحين، وذلك كحصيلة لسياسات السلطنة التي اعتمدت اسلوب الإنهاك الاقتصادي، وخلق النزاعات الاجتماعية، وإهمال قضايا التعليم، والتنكيل بالمناوئين. وقد نُقل عن مصطفى كمال في الكثير من الأحيان تساؤله عن بواعث اخفاق العثمانيين في منطقة البلقان. ومن بين الأسباب الجوهرية التي كان يؤكدها كمال لمحدثيه، هو أن تلك الشعوب كانت تمتلك هويتها القومية من خلال لغتها وثقافتها وتراثها، لذلك كان من الصعب جداً الاحتفاظ بها، وجعلها بالقوة جزءاً صميمياً من المشروع التركي العنصري. ويبدو أنه كان يقر بالأمر نفسه بالنسبة إلى العرب؛ أما الكرد فقد كانوا وفق منطقه الزائف اللقمة الأسهل مضغاً، والأيسر هضماً، لذلك قرر اعتماد خطة شمولية تقضي بصهر الوجود الكردي بصورة نهائية، وجعله امتداداً تابعاً للوجود التركي. إلا أن خطته تلك كانت تصطدم بالحرص البريطاني على اقتطاع ولاية الموصل التي كانت كل الدلائل تشير إلى امكانياتها النفطية الغنية - وقد كانت الامكانيات المعنية جزءاً من المنافسة المبطنة بين كل من بريطانيا وفرنسا بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها ndash; ورغبة من البريطانيين في تسويق مشروعهم النفطي، كان اللجوء إلى تغليفه بمسحة انسانية، تمثلت في الدعوة إلى ضرورة الاعتراف بحق الكرد في تقرير المصير، بما في ذلك الاستقلال،وهذا أمر لن نخوض في تفصيلاته، ولن نتابع تطوراته اللاحقة على الرغم من أهميها، حتى لا نتبعد كثيراً عمّا نحن بصدد مقاربته هنا.


إن أكثر ما كان يخشاه مصطفى كمال هو أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه كرد ولاية الموصل عامل نهوض كردي عام، يعيق مشاريعه في ميدان الصهر التي تراوحت بين اغلاق حجرات التعليم الديني الكردية التي كانت هذه بحق مراكز معرفة واشعاع، وكانت في الوقت ذاته عامل تنوير قومي وتواصل حيوي بين النخب الكردية في ذلك الحين. واستبدال الأحرف اللاتينة بالعربية، وهذه العملية مثّلت في بداية الأمر خطورة جدية، هددت المجتمع الكردي بالأمية الأبجدية، الأمر الذي كان يريده مصطفى كمال ويخطط له عن وعي ودراية، أملاً منه في منع تكرار تجربة شعوب البلقان، وقد أحدثت تلك الخطوة قطيعة معرفية بين التراث الكردي السالف والجيل الجديد، ختصة في ظل عدم وجود مؤسسات كردية تمتلك من الخبرات والامكانيات ما كان يؤهلها لمعالجة الموضع باقل الخسائر؛ وعلى الرغم من أهمية خطوة الأمير جلادت بدرخان لاحقاً في ميدان اعتماد الأبجدية اللاتينية، لتكون لغة الكتابة بالنسبة إلى الكرمانجية الشملية/ الكردية الشمالية؛ لكنها لم تتمكن من امتصاص الصدمة الكمالية التي كانت بغرض قطع الجذور، ليكون الوجود الكردي عائماً، سهل الإنقياد والتوجيه. ولم يكتف مصطفى كمال بذلك، بل اعتمد أكثر الوسائل وحشية ودموية في قمع الثورات الكردية التي لم تطالب سوى بالحق المشروع المهضوم. واستمر الوضع لاحقاً بالنسبة إلى أتباع كمال الذين اعتبروا انفسهم أوصياء على التعاليم الكمالية، وأعداء ألداء للشعب الكردي، ليس ضمن حدود الجمهورية التركية وحدها، بل في الأجزاء الأخرى من كردستان، ونعني بها في العراق و ايران وسوريا؛ وكانوا باستمرار طرفاً في كل المباحثات المعادية للكرد، لايتوانون جهاراً نهاراً عن إظهار عدائهم لكل ما هو كردي.
وما نواجهه اليوم من تهديدات تركية تخص كردستان العراق، إنما هو استمرار للعقلية اللاتاريخية التي رسّخها مصطفى كمال في حينه، فهو كان يطالب بولاية الموصل لا لثرواتها وموقعها الاستراتيجي، أو غير ذلك، بل كان هاجسه الوحيد هو كيفية التمكن من القضاء على الوجود القومي الكردي. والنظام الحالي في تركيا - الذي لم يخرج من شرنقته الكمالية - ما زال يلتزم الخطة ذاتها، ويستخدم كل الأدوات لتنفيذها؛ أي أن الهاجس الذي كان يخشاه، ويتحسّب له مؤسسه، قد تجسد واقعياً في تجربة كردستان العراق التي هي حصيلة عقود من النضال، وثمرة سيول من الدماء الطاهرة لقوافل لامتناهية من الشهداء الأبرارالذين ضحوا بأعزّ ما يملكه الإنسان في سبيل الوطن والكرامة. فالحكومة التركية تدرك تماماً أن كل جهودها في ميدان التتريك القسري، والسياسات الاستخباراتية الخاصة بتدبير المكائد والتنسيق مع دول معاداة الحق الكردي، تلك السياسات التي أثمرت عن تغييربنيوي في المجتمع الكردي شمل اللغة، ونمط المعيشة، والقيم، والتوزع الجغرافي؛ إن كل ذلك لن ينفعها في ظل وجود كيان كردي متماسك، يمنح الثقة والطمأنينة للكرد في كل مكان، وفي كردستان تركيا على وجه التحديد، كونها الأكبر والأقرب، والأكثر استعداداً للتفاعل الإيجابي، خاصة إذا التزم الكرد في العراق استراتيجية قومية، تمكّنهم من استغلال ورقة أشقائهم الكرد في كردستان - تركيا الذين يزيد عددهم عن عشرين مليوناً، وذلك مقابل اقدام السلطات التركية على استخدام حجة جزء محدود من تركمان كردستان- العراق لايزيد تعدادهم في أفضل الأحوال عن مئة ألف، مع فوارق جوهرية على صعيد الانتماء القومي والتاريخ والجغرافيا، لصالح الكرد بطبيعة الحال.


فالحكومة التركية تطالب بالحكم الذاتي، وربما الانفصال لمجموعة محدوة من التركمان ndash; وليس كل التركمان الذين لايغترّ حكماؤهم بالوعود التركية الهلامية، بل وجدوا أن الاندماج في مجتمعهم على أساس احترام الخصوصيات، هو الحل الأمثل، والأنجع للجميع. لكن الحكومة عينها تتجاهل عن وعي واقعاً يخص الشعب الكردي لديها ارضاً وشعباً، بل تشتاط غضباً لدى أي ذكر لحقوق الكرد كالثقافية مثلاً، وهي التي تعد من البدهيات في العالم المتمدن المعاصر.


وتجدر الإشارة هنا إلى أنه قبل سنوات نشرت مجموعة من الشخصيات الأكاديمية والسياسية والبرلمانية الكردية من كردستان ndash; تركيا مقالاً في عدد من الجرائد الأوربية الأساسية، ولم يطالبوا من خلاله الحكومة التركية سوى بمنح الشعب الكردي في كردستان- تركيا الحقوق ذاتها التي تطالب بها الحكومة المعنية نفسها للآقلية التركية في قبرص التي لايزيد عدد أفرادها عن سكان أية مدينة متوسطة الحجم من مدن كردستان. وبدلاً من أن ترد الحكومة التركية على العرض بالمنطق والعقل، لجأت إلى التهديد والوعيد والترهيب، وكانت الهيجانات العمياء هي السمة البارزة المتحكمة في سلوكية صانعي القرار التركي بخصوص الموضوع.

إن ما نواجهه اليوم من اضطراب عصابي في الموقف التركي الرسمي من الأوضاع القائمة في كرسدتان العراق؛ إنما هو حصيلة التناقض بين تبعات النزوع الرغبوي، ومقتضيات الرؤية الواقعية البراجماتية. فالسلطات التركية بأجنحتها المختلفة ما زالت تعيش الحلم الكمالي القديم الذي يتمحور حول ضرورة الغاء الشخصة القومية الكردية، وذلك عن طريق التتريك العام الذي يشمل أسماء الأشخاص والألقاب، وأسماء القرى والمدن، والتعليم، ووسائل الإعلام الاخطبوطية من جرائد ومحطات إذاعية وقنوات تلفزيونية، تحيط بالمواطن الكردي من كل الجهات، بل الأخطر من هذا وذاك هو السعي المستمر المنهجي من جانب المختصين لتأصيل انطباع لدى الناس مفاده أن التحدث باللغة التركية هو مظهر من مظاهر التمدّن والتحضّر، في حين أن اللغة الكردية هي لغة المتخلفين من أهل القرى والمناطق الجبلية النائية الذين لم يحالفهم quot;الحظ السعيدquot; بإتقان اللغة التركية.


وما تراه السلطات المعنية من تبلور للمؤسسات الحكومية بكل اختصاصتها في كردستان العراق، وتمكّن حكومة اقليم كردستان من تسيير لكل المعاملات باللغة الكردية التي اكتسبت الصفة القانونية- بموجب الدستور العراقي الجديد- بكونها اللغة الرسمية في الاقليم، واللغة الرسمية الثانية،إلى جانب العربية، في العراق ككل.


هذا بالإضافة إلى انجازات الجامعات الكردستانية، والمؤسسات الثقافية ndash; على الرغم من العديد من السلبيات والثغرات التي تستوجب وقفة نقدية علمية موضوعية- إن كل ذلك يهدد الحلم الكمالي في الصميم، وينذر بانتقال quot;فيروس عدوىquot; النهوض القومي الكردي إلى كرد كردستان - تركيا الذين يتابعون باهتمام وشغف نجاحات أشقائهم، ويمحصون في التاريخ والجغرافيا، ويتساءلون عن بواعث معاناتهم، الأمر الذي يوحي بتبعات غير محدودة، لاتستسيغها العقلية الطورانية التي تعاين كل شئ من المنظار التركي المحدود المدى والاتجاه.


ولكن من جهة أخرى، يدرك المطلعون على خبايا الأمور، والمتابعون لطبيعة المعادلات الفاعلة المتفاعلة في المنطقة، ان المرحلة القادمة تلزم القيادات التركية الرسمية بضرورة إعادة النظر في منظومة مسلماتها التي وضعوها بأنفسهم، واعتقدوا مع الزمن لصوابيتها المطلقة، على الرغم من مصدرها العصبوي اللاتاريخي؛ فهؤلاء يعلمون علم اليقين أن الكرد قد باتوا عنصراً اساسياً من عناصر معادلات المنطقة، لذك لابد من ايجاد صيغة ما تمكن الأتراك من احتواء التبعات، وبناء حالة من الثقة بين الأتراك والكرد، مما سيمكّن تركيا من مواجهة التحديات التي ستشهدها المنطقة مستقبلاً؛ لكن هذا التوجه يتعارض- كما نتابع ونلاحظ - مع الاتجاه العام المهيمن في السياسة التركية الرسمية، خاصة من جهة حماة العقيدة الكمالية من الجنرالات، فهؤلاء يحاولون بشتى السبل تعكير الأجواء، والتذرغ بمخاطر حزب العمال الكردستاني، بل وارتكاب بعض الفعاليات باسم هذا الأخير؛ وإثارة الضغائن بين مجموعة من التركمان- التابعين، والكرد في منطقة كركوك، بل دغدغة مشاعر الجميع من عرب وفرس وآشوريين وكلدان وغيرهم، بشأن المخاطر الوهمية الإيهامية لولادة كيان كردي، سيكون من دون شك بداية النهاية لحقبة عصيبة، فرضت على تركيا بقوة السلاح، وما زال الحماة يستخدمون كل أساليب القوة، بما في ذلك تلك القذرة، من أجل التمكن من مقاومة التيار الواقعي المتدفق؛ ولعل المؤتمر الأخير الذي نظمه هؤلاء حول كركوك، بعد أن أبعدوا اصحاب الحق من الكرد عنه، إنما يعكس درجة التخبط العشوائي الذي يعاني من ذوي القرار التركي؛ كما انه ينم عن طبيعة الاستعلاء الذي يتحكم تصرفاتهم، الأمر الذي يعميهم من رؤية الحقائق، بل يندفعون نحو التمادي في اسلوب تلوية عنقها، وتحويرها بطريقة كاريكاتورية، تثير السخرية والاشمئزاز.


إن الرد على كل ما يقدم عليه الجانب التركي لن يكون كافياً وافياً في حال غياب المشروع الاستراتيجي القومي الكردي، مشروع يأخذ بعين الاعتبار وضعية التفاعل بين الثابت والمتحوّل في معادلات المنطقة، و يدرس المعطيات بموضوعية، ويضع الخطط والبرامج الواقعية التي تشمل كل المستويات، والأهم من هذا وذاك هو اعتماد الكوادر التي تمتلك المصداقية والقدرة على الإسهام الفاعل في تحقيق الأهداف، بعيداً عن المنافع الذاتية، أو الحسابات الخاصة بهذا الحزب أو ذاك، بهذه المجموعة أو تلك، بل تكون المصلحة القومية العليا - التي لاتتعارض في كل الأحوال مع مصالح شعوب المنطقة بأسرها - هي الأساس والموجه.

د. عبدالباسط سيدا

[email protected]