الاحداث الدامية التي وقعت خلال الاسبوع الاخير من شهر شباط - فبراير- في شمال غرب ايران و التي راح ضحيتها عدد من قادة الحرس الثوري وعناصره و كذلك احد قادة منظمة بيجاك ndash; فرع حزب العمال الكردي التركي في ايران ndash; وبعض عناصره، أثارت انتباه الاوساط المختلفة في البلاد. ولاشك ان هذه الاحداث المستمرة بين الحين و الاخر تعد ادامة لاعمال عنف سابقة شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين.


فهذه الاحداث و كذلك النشاط المدني و السلمي للاكراد يتطلب منا ان نلقي نظرة فاحصة الى هذا الشعب الذي يشكل إحد الشعوب الايرانية. اذ يحتل الاكراد، من حيث عدد السكان، المرتبة الثالثة بعد الفرس و التُرك الاذريين.


الكُرد: العدد و اللغة و المذهب
يسكن الكُرد الايرانيون في غرب البلاد حيث يبدأ تواجدهم من محافظة ايلام جنوبا مرورا بمحافظتي كرمنشاه و كردستان في الوسط ليصل الى محافظة اذربيجان الغربية في الشمال. كما ان الالاف من الاكراد يقيمون في المحافظات الشمالية و محافظة خراسان (شمال شرق) حيث قامت السلالات الحاكمة في ايران عبر التاريخ بنفيهم الى هناك.


يدعي الاكراد ان عددهم في ايران نحو 10 ملايين نسمة ( وهذا ما اكده لي البرلماني السابق و المتحدث باسم جبهة التحالف الكردي بهاء الدين ادب)، فيما تتحدث بعض الاحصاءات عن وجود 7 ملايين كردي في البلاد اي انهم يشكلون 10 في المئة من كل سكان ايران البالغ عددهم 70 مليون نسمة. ويعود هذا الاختلاف الى عدم وجود احصاءات رسمية في هذا المجال.
ووفقا لما قاله لي مدير المعهد الثقافي الكردستاني في طهران بهرام ولد بيكي ان نحو 49 في المئة من اكراد ايران هم من اهل السنة و51 في المئة منهم من الشيعة، و معظم الاكراد السنة يتبعون المذهب الشافعي.


ويعرف الكُرد الشيعة بالاكراد الفيلية حيث يقطنون المناطق الجنوبية المحاذية لمناطق الكرد الفيلية في العراق. وهذا ما ينطبق على سائر الاكراد أي كلما ذهبنا شمالا - وحسب المناطق- نجد هذا التماثل في الثقافة و المذهب (السني) واللهجة بين الكرد في الجانب الايراني من جهة، و الكرد في الجانبين العراقي و التركي من جهة اخرى.


وتشترك الثقافة الكردية في بعض قواسمها مع الثقافة الفارسية كالاساطير المشتركة و الاحتفاء باعياد نوروز وماشابه ذلك من امور، غيران هناك اختلاف في اللغة و المذهب. و اللغة الكردية في ايران تتشكل من 4 لهجات رئيسية تكاد ان تكون لغات متمايزة ك الكرمانجية الشمالية، والاورامية (الغورانية)، والكرمانجيةالجنوبية، واللورية. اذ تنقسم هذه اللهجات الرئيسية الى لهجات فرعية اهمها: البادينانية، والموكرانية، و الاردلانية، و السورانية، و الجافية.


نضال الاكراد قبل الثورة الاسلامية
يعود نضال الاكراد من اجل الحصول على حقوقهم القومية الى الاربعينات من القرن المنصرم حيث قامت جمهورية مهاباد ذات الحكم الذاتي في العام 1945 بقيادة القاضي محمد، غيران الجيش الشاهنشاهي سحق تلك الحركة الكردية وقضى على جمهورية مهاباد مثلما قضى على مثيلتها جمهورية اذربيجان ذات الحكم الذاتي في شمال غرب ايران في 1946. وقد أدى ذلك الى اعدام القاضي محمد (مؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني) و عدد من رفاقه و اعتقال العديد من الناشطين الكرد
و هروب الملا مصطفى البارزاني ndash; قائد قوات الجيش في جمهورية مهاباد ndash; الى الاتحاد السوفيتي انذاك.


و في الفترة الثانية من عهد الشاه السابق اي بعد سقوط مصدق في العام 1953 خمدت الحركة الكردية في ايران مؤقتا وذلك حتى انطلاق حرب العصابات في ايران على يد منظمتي فدائيي الشعب و مجاهدي الشعب في اوائل السبعينات. وقد انبثقت بعض المجموعات الكردية لتخوض حربا مسلحة في جبال كردستان الايرانية وذلك خلافا للمنظمات الايرانية التي رجحت خوض حرب العصابات في المدن.
غيران المجموعات و الفصائل الايرانية المسلحة ndash; كردية كانت او غير كردية ndash; لم تتمكن من النفوذ بين الجماهير الشعبية اي ان quot;المحرك الصغيرquot; وهو المجموعة الفدائية المسلحة لم تتمكن من تشغيل quot;المحرك الكبيرquot; ايquot; الشعبquot;، لا في كردستان و لا في الاهواز ولا في اذربيجان و طهران.
و خلافا لكردستان العراق، لم يؤدي الكفاح المسلح الذي خاضه الاكراد في جبال كردستان ايران الى نتائج ملموسة، لاقبل الثورة ولابعدها. وهذا الامر يحتاج الى دراسة معمقة لامجال للخوض فيها
هنا.


النشاط الكردي بعد الثورة
في العام 1978 و فيما كانت العيون تتجه للمنظمات اليسارية لقيادة الثورة التي بدأت تلوح في الافق، تمكن اية الله الخميني و رجال الدين التابعين له من قيادة الجماهير المنتفضة ضد الشاه
محمد رضا البهلوي واعلان الجمهورية الاسلامية بعد سقوطه في 1979.
وقد استطاعت النخبة من القوميات غير الفارسية ان تدخل بعض المواد الخاصة بحقوق الشعوب الايرانية في دستور الجمهورية الاسلامية. ويعود ذلك الى مشاركة بعض المثقفين الترك و الكرد
و التركمان والعرب ndash; بما فيهم كاتب هذه السطور- في مؤتمر انعقد لدراسة هذا الدستور في صيف 1979.
وقد اسدلت الحرب العراقية ndash; الايرانية (80- 1988) الستار ولمدة 8 سنوات على كل نشاط سياسي للقوميات غير الفارسية.


لكن سرعان ما بدأ الحراك الثقافي و السياسي لهذه القوميات بعد أن وضعت الحرب اوزارها، حيث اخذ الكرد و الترك و العرب يطالبون بتنفيذ المواد الخاصة بحقوقهم في الدستور، غيران هذه المواد (15 و 19) ظلت حبرا على ورق حتى اللحظة، رغم كل الرسائل التي بعثها نشطاء هذه القوميات الى الرئيسيين هاشمي رفسنجاني و من ثم الى محمد خاتمي.


وقد تمكن الاكراد من انشاء بعض المؤسسات المدنية في عهد الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي كالصحف و المراكز الثقافية و الجمعيات الطلابية الخاصة بهم في المناطق الكردية و في العاصمة الايرانية طهران. فأهم ما انشأه الكرد هو رابطة الجالية الكردية في طهران (جمعيت كردهاي مقيم مركز)، و المعهد الثقافي الكردي في طهران (انستيتو فرهنكي كردستان) و جمعية الدفاع عن حقوق الانسان في كردستان ايران و العديد من الصحف في طهران و كردستان و مهاباد. غيران الاجهزة القضائية و الحكومية في عهد الرئيس احمدي نجاد اغلقت بعض المؤسسات و الصحف الكردية و احالت بعض الصحفيين الى المحاكم القضائية.
وقد نشط خلال العامين الاخيرين حزب تابع لحزب العمال الكردستاني التركي و كفرع له في كردستان ايران يعرف باسم quot;بيجاكquot; ايquot; حزب الحياة الحرة لكردستانquot;.


و يتشكل هذا الحزب الذي ينادى و كالحزب الاصلي بانشاء دولة كردستان الواحدة في المناطق الكردية الاربع، في ايران و العراق و تركيا و سورية، يتشكل من شباب و طلبة و خريجين جامعيين من اكراد ايران لم يقتعوا بعد باطروحات الاحزاب التقليدية الكردية كالحزب الديمقراطي الكردستاني و كوملة و اساليبهما النضالية السلمية حيث ينتهج بيجاك الكفاح المسلح كاسلوب لتحقيق مآربه.


و قال لي الرئيس العراقي جلال الطالباني في احدى زياراته لطهران ndash; خلال حوار اجريته معه و نشر في الصحافة الايرانية والعربية ndash; قال لي بالحرف الواحد ان حكومة اقليم كردستان العراق التي تستضيف الحزبين الكرديين الايرانيين المعارضين ( الديمقراطي و كوملة) على اراضيها منذ ربع قرن لم تسمح لهما بالقيام بعمليات مسلحة على الاراضي الايرانية. كما ان الحزبين الاخيرين يطالبان بالفدرالية وليس الاستقلال.


لاشك ان نشاط حزب بيجاك يقتصر على مناطق في شمال محافظة اذربيجان الغربية - أي اقصى شمال غرب ايران ndash; وهي المناطق المحاذية للمناطق الكردية في تركية حيث وكما ذكرنا توجد قواسم مشتركة في اللغة و اللهجة و الثقافة و المذهب بين اكراد ايران و تركيا في تلك المناطق. أي اننا لانرى اي نشاط لهذا الحزب حتى في المناطق الكردية الوسطى في ايران كمدينة مهاباد و محافظة كردستان و عاصمتها سنندج، ناهيك عن المناطق الجنوبية كمحافظتي كرمنشاه و ايلام.


ويتخذ بيجاك من جبال قنديل العراقية مقرا له حيث يستقر العديد من عناصره و زعماءه هناك. وهذا الجبل يشكل ايضا مأوى لمسلحي حزب العمال الكردستاني التركي.


انبثاق الحركة السلمية بين الاكراد
فالظاهرة الملفتة للنظر في الحركة الكردية الايرانية في الحقبة الاخيرة، إنبثاق حركة مدنية سلمية في طهران و معظم المناطق الكردية تنبذ العنف والكفاح المسلح.
وقد ساعدت عدة عوامل الى ظهور هذه الحركة السياسية و الثقافية السلمية منها على سبيل المثال لا الحصر: اولا، تطور و تعزيز الطبقة الوسطى الكردية في طهران و المناطق الكردية الايرانية حيث ازداد عدد الطلبة الاكراد في الجامعات و ظهرت شخصيات اقتصادية و ثقافية و سياسية كردية في العاصمة والمحافظات الكردية اخذت تبتعد من الخطاب الكردي التقليدي الداعي الى الكفاح المسلح و العاشق للبندقية و العيش في القرى و الجبال الشاهقة.


ثانيا، شعور معظم النخب الكردية الايرانية بعدم جدوى الكفاح المسلح الذي شهدته المناطق الكردية في ايران خلال عقدين من الزمن حيث اسفر عن سقوط العشرات من الضحايا وإهمال المناطق الكردية بسبب الاوضاع السياسية غير المستقرة هناك.


ثانيا، صعود الخطاب الاصلاحي في ايران ككل وانتخاب خاتمي رئيسا للبلاد لمدة 8 سنوات (1997- 2005) ساعد على تعزيز الخطاب السلمي المدني بين الاكراد الايرانيين. وقد تبوأ الاكراد بعض المواقع في الحكومة الاصلاحية حيث اصبح الكردي الشيعي عبدالله رمضان زادة نائبا لخاتمي ومتحدثا باسم حكومته. فبالرغم ان هذه المواقع لم تكن مفصلية ولم تشمل الكرد السنة لكنها كانت خطوة الى الامام قياسا للسابق. كما ولج الكرد في الاحزاب الايرانية التي كانت حكرا على الفرس، وفي اعلى مستويات قياداتها كحزب المشاركة و منظمة مجاهدي الثورة الاسلامية والجبهة القومية (جبهة ملي). وقد انشئ الكرد كتلتهم البرلمانية الخاصة بهم في الدورة السابقة والراهنة للبرلمان الايراني وذلك خلافا لتشرذم النواب الاذريين و العرب الاهوازيين.


ثالثا، الاعلان الرسمي للفدرالية في اقليم كردستان العراق
و مشاركة زعماء الاقليم في السلطة العراقية و بلوغهم اعلى مستوياتها كمنصب رئاسة الجمهورية و مناصب مفصلية اخرى في الحكومة، اعاد الثقة لاكراد ايران. وتعد المظاهرات الجماهيرية التي شهدتها المناطق الكردية في صيف 2005 احتجاجا على اغتيال أحد المواطنين الكرد نموذجا على هذه الثقة و كذلك على المسار المدني الجماهيري بدل حرب العصابات القائم على المبادرات و البطولات الفردية.
وقد حفزت هذه المظاهرات، النشطاء الكرد في طهران للقيام بانشاء جبهة التحالف الكردي (جبهة متحد كُرد) التي تؤكد على العمل السياسي السلمي في إطار الدستور الايراني كما اعلن المتحدث باسمها البرلماني السابق بهاء الدين ادب.


وتضم الجبهة التي يتزعمها بهاءالدين ادب، و المحامي البارز والمتحدث باسم جمعية الدفاع عن السجناء الايرانيين صالح نيكبخت، والاقتصادي البارز بايزيد مردوخي، تضم عدة جمعيات و مؤسسات مدنية و ثقافية تعمل في طهران و المناطق الكردية في ايران.
ويبدوان الجبهة تتحرك وفقا للظروف الحرجة التي تعيشها البلاد عامة و المناطق الكردية خاصة حيث لم تتخذ اية مواقف حول الاحداث السياسية الساخنة التي تحدث في تلك المناطق تجنبا لاستفزاز السلطة و الاستمرار بالعمل المدني العلني الذي تعتبره جبهة التحالف الكردي اكثر تأثيرا من الاعمال الاخرى.
كما يجب التذكير انه و خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2005 اعلن بعض النشطاء الكرد المنتمين للحركة الاصلاحية عن تشكيل مجموعة quot; الاصلاحيين الكردquot; حيث اخذت تبرز على الساحة بين الحين و الاخر.


وفي قراءتنا لمشهد القوميات في ايران نرى ان السلطات الايرانية تغض الطرف عن نشاط هذه الجبهة الكردية ndash; المحدود اساسا ndash; غيرانها لم تسمح بالعرب و الترك الاذريين للنشاط حتى في هذا المستوى.
ويبدو ان السلطة الايرانية ومن اجل ابطال مفعول حزب بيجاك وتأثيره على الجماهير الكردية و كذلك ابعاد الاحزاب و الفصائل الكردية الايرانية التي تطالب باسقاط النظام و المتواجدة في كردستان العراق، لاتعارض جبهة التحالف الكردي وذلك ربما تتصور بان الجبهة وبمنهجها السلمي يمكن ان تسد فراغ تلك الفصائل الكردية على الساحة الايرانية.


كما ان العلاقات الجيدة التي تربط القيادات الكردية العراقية ndash; كالطالباني و البارزاني ndash; مع السلطة الايرانية تعمل كعامل مساعد لجبهة التحالف الكردي كي تتحرك بحرية اكبر من نشطاء سائر القوميات الايرانية.

يوسف عزيزي

لقراءة مقالات اخرى في ايلاف