حماس المنتصرة مهما كانت نتيجة الحرب
دجاجة إيران التي تبيض ذهباً

بلال خبيز من بيروت: رحبت إيران بفوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في العام 2006، وأثناء تولي إسماعيل هنية رئاسة الحكومة الفلسطينية زارت وفودا من حماس إيران، والتقت مسؤولين إيرانيين. وتجول وزير الداخلية سعيد صيام في المدارس العسكرية الإيرانية، من مدرسة الشرطة إلى الحرس الثوري، وأبدى المسؤولون العسكريون الإيرانيون إستعدادهم لمساعدة حركة حماس في فلسطين. وعلى ما جاء في أخبار الزيارة الرسمية الفلسطينية لإيران، فإن المرشد الروحي للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي، إستفسر من زواره عن القوة التنفيذية التي شكلتها حركة حماس، وأبدى استعداده للدعم الكامل.

الحديث عن علاقات حركة حماس مع ايران حديث طويل. ويرقى طبعاً إلى ما قبل تشكيل حكومة هنية، واستمر بعد ان اقالها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 14 حزيران ndash; يونيو 2007 اثر الانقلاب الدموي الذي نفذته حركة حماس على السلطة الفلسطينية بقيادة شقيق محمود الزهار رجل حماس القوي المتشدد ووزير خارجية الحكومة الحمساوية. وليس خافياً ان دعماً مالياً ولوجستياً تقدمه ايران لحركة حماس، فضلاً عن تصريحات ايرانية متكررة تشير إلى مناطق النفوذ الإيراني الفعلية، التي لا تنفك تكرر مقولة زوال اسرائيل بسواعد ابناء فلسطين ولبنان، اي حماس وحزب الله اللبناني. لكن اخبار الصحف ووسائل الإعلام لا تعكس غالباً حقيقة ما يجري في الظل بين حماس وحزب الله وايران. ذلك ان جل التقديمات التي تقدمها ايران للطرفين هي تقديمات عسكرية وتتسم بالسرية المطبقة.

ويدرك قادة الدول المجاورة لفلسطين ومسؤولوها الأمنيون مبلغ الخطورة التي تواجههم بسبب من المجاورة السياسية والأمنية، إذ لا يكاد يمر يوم على مصر من دون الحديث عن تخوف امني وتحسب من احتمال ان تمتد يد حماس إلى توأمها الروحي في مصر المتمثل بالإخوان المسلمين، فتعيث في البلاد ارهاباً، على ما يردد اكثر من مسؤول مصري وتتناقل وسائل الإعلام. والامر لا يختلف كثيراً في الأردن الذي يخشى ان يشتد عود الحركة الإسلامية بما فيها من تقاطعات خطرة، تمتد من مصر المجاورة إلى العراق المضطرب والذي يشكل خزاناً لكل انواع الحركات الإسلامية المسلحة، وصولاً إلى فلسطين حيث للوضع الفلسطيني في الأردن خصوصية لا يعدلها وضع آخر.

والحق ان التخوف الاردني ndash; المصري من امتدادات حماس في البلدين يشكل امراً بالغ الخطورة في البلدين. ذلك ان الخطر الحقيقي الذي يتهدد هذه البلدان حيال التهديد الإيراني لا يتأتى بطبيعة الحال من الشيعة العرب، وهم اقلية في كل مكان، ومن قوى مسلحة شيعية على غرار حزب الله اللبناني، بل من الولاية الإيرانية المتعاظمة على حركة حماس السنية، والتي بسبب من اصولها المذهبية قد تنجح في مد خيوطها في دول الجوار العربي، مما يعني حكماً تمدداً ايرانياً إلى الداخل العربي يصعب استئصاله ومواجهته.

يزداد الشعور بخطر هذا التهديد الذي تمثله ايران في العالم العربي إلحاحاً بعد مشهد الحرب الإسرائيلية على غزة. فإذ تنجح ايران في اللعب على وتر القضية الفلسطينية في وقت الامة العربية الضائع. اي في اللحظة التي تجد الامة العربية نفسها غارقة في لحظة التحضر لطبيعة واحكام الصراع المقبلة بعد فترة دامية من الصراعات كلفت العرب دماء كثيرة وغالية. حيث لا تكف الاذرعة الإيرانية عن تهديد استقرار الدول العربية بما لا يتناسب حكماً مع التهديد الذي تمثله لإسرائيل. بل ان حركة حماس في الأسابيع القليلة الماضية التي سبقت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، كانت تعمل جاهدة لافتعال مشكل حدودي مع مصر. حيث بدا في الأيام التي تلت تفجير الجدار الفاصل بين رفح المصرية والفلسطينية تركيز حماس الواضح على تظهير المشكلة مع الحاجز المصري على رفح وليس مع الحاجز الإسرائيلي في الجهة الثانية من الحدود. لكن الامر لا يقف عند هذا الحد.

فحركة حماس التي نفذت انقلاباً غير مفهوم بالنسبة لمعظم المراقبين، خسرت معه شرعية كانت تستمدها من الشرعية الفلسطينية التي يمثلها محمود عباس، معرضة غزة لحصار خانق لا مثيل له، لم تكن تفعل ما تفعله بسبب خطأ في الحسابات مثلما يحسب البعض. بل ان الانقلاب نفذ وخطط بعناية لا مثيل لها، حتى ليمكن القول ان حماس هي دجاجة ايران التي تبيض ذهباً وليس حزب الله. على اي حال، لم يتورع حزب الله في العام 2006 بالدخول في المعركة ضد اسرائيل عبر خطف الجنديين الإسرائيليين في تموز ndash; يوليو من ذلك العام بعد مجازر في غزة لم تصل في عنفها إلى الدرجة التي وصلت إليها اليوم. والأرجح ان تكرار السيناريو نفسه ليس مستبعداً، واكاد اقول مرجحاً خصوصاً لجهة ما يتردد في بيروت عن حجوزات فندقية لشركات اعلامية غربية كبرى، تشم رائحة الدم عادة، وتحضر كالنسور القمامة ما ان تلوح حرب في الأفق.

نفذت حماس انقلابها لأنها، على ما عبر قادتها من دون لبس، تتهم الأخوة في فتح بالعمالة لإسرائيل. امر العمالة ليس ثابتاً ويصعب تصديقه، لكن الحركة نفذت انقلابها على شعارات من هذا القبيل. وغامرت بعزلة دولية خانقة واقتصادية مريعة من اجل ضمان الأمن الذاتي وعدم الاختراق من اي جهة كانت. حماس كانت في سلوكها هذا تسير على هدي خطى حزب الله، الذي لأسباب بالغة التشعب، استطاع ان يبني مجتمع المقاومة، وهو المجتمع الذي يبدو عصياً على اي اختراق امني اسرائيلي او غير اسرائيلي. ولم يكن حزب الله لينجح في مهمته هذه لو رضي بشركاء له في المقاومة، او كان يعمل وينشط في وسط مختلط ومديني.

فالشرط الأساس لهذا الكتمان الأمني الذي يلعب دوراً حاسماً في اي مواجهة عسكرية كان توافر الصفاء الاجتماعي. وعلى غرار ما حصل في غزة فإن حزب الله يقيم دولته الخاصة في مناطق السكن الشيعي من لبنان، ويتصل بمباني الدولة اللبنانية من خارج هذه الدولة وعلى تخومها، فيرفض اخضاع مناطقه لأي سلطة من اي نوع، ويطالب السلطة المركزية بحمايته بل ويحملها مسؤولية تعرضه للهجوم الإسرائيلي. وهذا بالضبط ما ذهب إليه خالد مشعل وهو يحمل الرئيس الفلسطيني محمود عباس مسؤولية المجازر التي تجري في غزة من دون ان يرف له جفن. تريد حماس، شأنها شأن حزب الله، ان تتمم جهوزيتها في الكتمان الشديد، لكنها ايضاً تريد ممن تعتبرهم خونة واعداء في فلسطين وفي العالم العربي عموماً ان يردوا عنها غائلة الهجوم الإسرائيلي. والحال، فإن الشعب الفلسطيني في غزة يتحول إلى مسؤولية محمود عباس وسلام فياض يوم تعلن اسرائيل الحرب على غزة، ويعود إلى مسؤولية اسماعيل هنية ومحمود الزهار يوم ترفع الآلة العسكرية الإسرائيلية ضغطها الهائل عن كاهل القطاع. النصر من نصيب حماس والهزائم دائماً من نصيب السلطة وممثليها. الموتى والشهداء يصبحون مواطنين فلسطينيين من مسؤولية السلطة الفلسطينية حمايتهم اما الاحياء فهم من مسؤولية حركة حماس التي ترى فيهم مقاومين محتملين.

اوجه الشبه بين حماس وحزب الله تدلل بلا شك على الصلات الوثيقة بين الطرفين ومع المصدر الأم الذي يغذيهما. والطرفان حين يعلنان حرباً، فإنها لا تسقط اسرائيل ولا تهزمها، بل الأرجح انها تحرج البلاد العربية وتهدد استقرارها. ذلك ان العين الإيرانية تنظر ملياً إلى جوارها العربي الذي تحسبه في لحظة ضعف وهزال شديدين، وتريد حصتها في الجسم العربي وقطعاً هي لا تطمح في حصة من ارض فلسطين.