آليت على نفسي ألا أخوض في المعمة السياسية المعقدة والحساسة في العراق، والدائرة رحاها اليوم على خلفية نتائج انتخابات مجالس المحافظات التي قلبت الموازين السائدة، والانتخابات التشريعية أو البرلمانية المصيرية القادمة في نهاية هذا العام 2009، أي بعد بضعة أشهر لا أكثر، والتي ستكون، كما اعتقد، نقطة تحول جوهرية في جسد العملية السياسية القائمة في العراق، وانعطافة تاريخية في سياق وتوجهات هذه العملية السياسية، حيث سيكون للمواطن العراقي كلمته الفصل في تحديد مساراتها. لقد حرصت أن أكون بمنأى عن التنافس الشخصي بين قادة وزعماء أكن لهم كل الاحترام والتقدير والثقة التامة لكوني أعتبر نفسي صديقاً شخصياً للكثير منهم. وبغض النظر عن الأسماء والقوى السياسية والدوافع الذاتية والشخصية لهذا الطرف أو ذاك، يحق لنا كمراقبين ومحللين للمشهد السياسي العراقي أن نتساءل ونشخص ونرصد ونتوقع ما ستؤول إليه الأمور في المستقبل المنظور. إلى أن يسير العراق اليوم؟ إما إلى حتفه، وستكون كارثة على الجميع لا سمح الله، إذا استمرت آفة الفساد تنهش في جسد الأمة، واستمرت المحاصصة وسياسة التوافق وإرضاء الجميع مقابل تنازلات مخجلة وخسيسة لحماية هذا المفسد والفاسد أو ذاك لاعتبارات سياسية أو حزبية، أو أن يعي الجميع هول المأساة التي ستصيب بلدنا وشعبنا ويبادروا إلى إجراء تحول جذري في أسلوب الحكم ومنهجية ممارسة السلطة على أسس علمية مجربة ومعروفة في العالم أجمع، وعلى رأسها الممارسة الديمقراطية الحقة والنزيهة.

أغلب المتربعين على كراسي الحكم اليوم يفتقدون للرؤية الصحيحة والحكيمة والعلمية لممارسة السلطة ويفتقدون لبرنامج سياسي حقيقي وإستراتيجية واضحة وسليمة، مع استثناءات تعد على أصابع اليدين. هذا لا يعني أنهم غير وطنيين أو غير مخلصين، كلا، بل يفتقدون للكفاءة السياسية داخل السلطة والقدرة على ممارسة هذه الأخيرة بطريقة ناجحة. فعندما كانوا في المعارضة أيام النضال السلبي ضد النظام الدكتاتوري المقبور، كانوا يمتلكون تصوراً واحداً هو إسقاط النظام بأي شكل من الأشكال، ولم يكن لديهم تصور واضح للبديل الناجع، ناهيك عن عدم قدرتهم على التكهن بما حصل من حروب واحتلال وما ترتب عليهما من معطيات سلبية، إلى جانب عدم تقدير دور دول الجوار التخريبي وتدخلاتها المؤذية والمدمرة في الشأن العراقي قبل وبعد سقوط النظام ألصدامي. فالفساد ليس وليد اليوم أو من نتائج الحكام الحاليين بل هو آفة خلقها النظام السابق وتسبب بها وتركها إرثاً بغيضاً وخطيراً أغرق في أتونه الجميع بما فيهم أقطاب العملية السياسية الحالية. فالتركة الصدامية ثقيلة وكارثية ولا يمكن لأحد أن يعالجها وحده وبضربة عصا سحرية. هناك نوايا حسنة وخطوات إيجابية كثيرة حدثت في العراق منذ التاسع من نيسان 2003، ولكن هناك إهمال وقصور وأنانية وتغاضي واستقطاب واستبعاد واستئثار ولا مبالاة، لاسيما بما يخص الفقراء والمعدمين والأيتام والأرامل وكبار السن والشباب أيضاً، وبالذات العاطلين عن العمل، وكانت الحجج والذرائع تتمترس خلف سوء الوضع الأمني وسطوة الإرهاب والإرهابيين. واليوم وبعد أن تمكنت الحكومة ومعها باقي القوى السياسية المتحالفة معها والمساندة لها من بسط الأمن في أغلب مناطق العراق، ولو نسبياً، والبدء بعملية الإعمار، لم نلمس أي تحسن حقيقي لا في قطاع الخدمات ولا في مجال القدرة الشرائية، ولم يحدث انطلاق حقيقي في الآلة البنائية والتعميرية التي ينتظرها الجميع، لا نسمع سوى الوعود والبرامج والملفات، ولا نرى نتائج. فملف النفط ما زال يراوح في مكانه وبدلا من زيادة القدرة الإنتاجية بقيت هذه على مستواهاالسابق، بل وانخفضت في الفترة الأخيرة تزامناً مع انخفاض أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية مما سبب كارثة مادية ومالية على الميزانيات المعدة للسنة الحالية والسنة القادمة.

الكهرباء أصبح في عداد الأحلام المستحيلة التحقيق لدى المواطنين، خاصة مع اقتراب فصل الصيف القاتل في حرارته حيث يتحول العراق إلى قطعة من الجحيم، والأوضاع الصحية متردية في البلاد ويكفي إلقاء نظرة على حالة المستشفيات والصيدليات الأهلية والحكومية لنرى بأعيننا حالة التردي السائدة والتي يعاني منها المواطنون الضعفاء والأبرياء. وكذلك باقي القطاعات كالمياه الآسنة وتصريفها وإعادة معالجتها والمجاري والمياه الصالحة للشرب وأزمة السكن وغلاء المعيشة وغيرها من الأمور الحياتية التي بفتقد لها المواطن العراقي. أنا أعرف وعلى يقين أن الحكومة العراقية الحالية، أو بالأحرى بعض الأفراد الشرفاء والمخلصين فيها، وعلى رأسهم أعضاء في مجلس الرئاسة كالدكتور عادل عبد المهدي، وفي مجلس الوزراء، كالأستاذ نوري المالكي، ومجلس النواب، كالدكتور أياد السامرائي، الذي أنهى حالة الشلل التي أصابت البرلمان العراقي في عهد السيد المشهداني، على سبيل المثال لا الحصر، يسعون بكل جهدهم للخروج من المأزق والاستعداد للمرحلة القادمة وبكل همة وإيجابية وتخطيط سليم وواعي وأتمنى لهم النجاح والموفقية في خدمة العراق والعراقيين، ولكن يتعين عليهم أولاً تشخيص العلل وتوفير الدواء والعلاج اللازم لكافة الآفات وعلى رأسها الفساد والمحاصصة والتوافق والاحتكام إلى نتائج صناديق الاقتراع والله في عون الجميع.

د. جواد بشارة

باريس

[email protected]