نعمة خالد من دمشق:سبق وأن قام المخرج السوري غسان شميط بإخراج فيلمين قبل فيلمه الهوية الذي اشترك مع الكاتب وفيق يوسف في كتابة السيناريو له، والفيلمين اللذين أخرجهما هما: شيء ما يحترق، وطحين أسود، ثم جاء فيلمه الطويل الذي شارك في مسابقة الأفلام الطويلة في مهرجان دمشق السينمائي الدورة الخامسة عشرة.الفيلم يتوسل مسألة التقمص كأرضية درامية لحوادثه، فالشاب عهد الفلسطيني ابن الجليل، تسيطر عليه هواجس بأن له حياة سابقة، وأنه ابن قرية تقع في الجولان، فتدفعه هواجسه إلى الرحيل إلى موطنه الأصلي الذي احتضن حياته السابقة تلك. وحكاية اكتشاف عهد لحقيقة الروح التي تتقمصه تبدأ من خلال نعي الشيخ جليل في إحدى قرى الجولان المحتل، وسرعان ما يكتشف عهد بأن الشيخ جليل هو والده، لكن في جيل سابق، فيقرر عهد التسلل مع الوفد الديني الذي يذهب من فلسطين إلى الجولان للتشييع، وما أن تطأ قدمه أرض القرية حتى تبدأ استعادة الذاكرة الماضية التي كانت قد انتهت انتحاراً برصاصة أطلقها على نفسه احتجاجاً على زواج حبيبته حياة من ابن عمها. حيث كان اسم عهد في الجيل السابق فواز. تشييع الشيخ جليل يترافق مع انتفاضة الهوية في الجولان، وهنا يتوسل المخرج والكاتب حدثاً حقيقياً.

المخرج غسان شميط اثناء تصوير فيلمه


يبدأ عهد بلملمة تفاصيل ذاكرة حياته الماضية، فيعزي أمه السابقة التي تعرفه من أثر الرصاصة تحت ذقنه، ويزور قبره، قبر فواز، ثم يزور حياة حبيبته، ليجد حطام امرأة تنسل إلى موتها. مع زيارته لحياة تكتمل حكاية ذاكرة عهد في حياته السابقة ، لذا يقرر العودة إلى الجليل، وبينما هو في طريق عودته، يجد أمامه تظاهرة لأهل الجولان الذين يرفضون الهوية الإسرائيلية، وفي المقابل ثمة بنادق الاحتلال ومدرعاتهم، يقرر عهد المشاركة في المظاهرة، ويموت فيها.

الفيلم من تمثيل قيس الشيخ نجيب، سلمى المصري، سوسن ارشيد، عبد الرحمن أبو القاسم،
ولكن إذا ما توقفنا عند عتبة الفيلم : التي تتمثل بالعنوان: الهوية، سنجد أن الفيلم قد تاه عن عتبته، ودخل في مسالك أخرى ربما اعتبرها المخرج سنيداً درامياً لفكرته التي استند عليها وبنى حكايته الأساس منها وهي التقمص، والتي حاول من خلالها أن يلصق مقولة وطنية متمثلة برفض أهل الجولان للهوية، وجاء هذا الإلصاق ككولاج خارج سياق الفيلم الذي اعتنى بحكايات الحب على حساب التيمة الأساسية للفيلم.
ولا يشفع لغسان شميط اهتمامه بتصوير المكان الذي منح جمالية بصرية لبعض المشاهد، هذه الجمالية التي لم يكن لها وظيفة درامية، بل بدت وكأن مصور فوتوغراف هاوي يرصد جماليات المكان. وهذا دأب غسان شميط في سينماه، فهو في فيلمه طحين أسود قد لجأ إلى نفس الأسلوب، وكأن بالمخرج لم يفد من السنوات التي مرت، ولم يواكب تطور السينما في هذه السنوات. ولعل التقمص كتيمة درامية، تصلح للسينما إذا ما أجاد المخرج استخدامها ووظفها درامياً كما يليق، لكن تيمة التقمص تاهت كما ناهت الهوية، ولم يستطع المخرج أن يملأ الفراغات التي تركها بناء الفيلم درامياً لذا لجأ إلى المشهدية البصرية دون مقولات كما أشرت.

سلمى المصري من ابطال الفيلم
وإذا ما أردنا التوقف عند أداء الممثلين، فسنجد أن المخرج لم يكن يعرف ما يريد وبالتالي جاء الأداء أشبه بالتصنيم دون حياة. وهذا ما كان عليه حال الممثل قيس الشيخ نجيب الذي كان من المفترض أن يؤدي دوراً مركباً، بين فواز وعهد، إلا أن الفروق بين الشخصيتين لم تكن واضحة، مابين عاشق ينتحر، وثائر طبعاً بين حاصرتين، لأن المخرج اختار أن يقتل عهد من دبر، فأي ثائر ذاك الذي يقتل من دبر؟
ولئن أراد المخرج أن يضمن فيلمه خطاب قومي تمثل بحرق الهويات الإسرائيلية، فإن هذا الخطاب مر مرور الكرام، بل لعل شجرة الزيتون أكثر رمزية من حرق قضايا إجرائية تتمثل بقطعة كرتون تسمى هوية، فالهوية في عمقها الفلسفي أكبر من مجرد قطعة كرتون وهذا ما لم يستطع المخرج أن يوضحه سواء عبر المعلومة ضمن الحوار أو عبر الصورة.
أخيراً يمكننا القول أن فيلم الهوية بلا هوية. بل هو فيلم تائه في قصة حب عادية مجهضة، وهي فكرة كثيراً ما تناولتها السينما العربية والعالمية. ولم يستطع الفيلم أن يرتقي بمشاعرنا نحو التفاعل مع أحداثه، وقد أفلت المخرج من بين يديه الكثير من المشهديات التي يمكن لها أن تغني الفيلم، وتقاربه من السينما، كمشهد قطاف الزيتون، وأن يلجأ إلى تعميق اقتلاع الزيتون خاصة وأنه استند على شيء وثائقي تمثل في انتفاضة أهل الجولان.

[email protected]