عبد الجبار العتابي من بغداد: لم يكن الإحتفاء بطالب مكي إلا حدثًا مميزًا، فالرجل لم يحتف به أحد من قبل، أي لأكثر من خمسين عامًا امضاها مع موهبته الفطرية وابداعاته المدهشة، إضافة إلى كونه فنانًا مدهشًا حقًا بكل ما تعنيه الكلمة، وربما يمكن القول انه فريد في صفاته، ويكفي ان نقول ان هذا الفنان الكبير ابكم واصم ولا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك دخل معهد الفنون بقرار ملكي، ويمتلك شهادة تخرج بقرار جمهوري!!، وربما تلك سابقة عالمية. لكن طالب مكي الذي يعرفه لا يعجب من اي شيء، بل يشعر بالزهو ان انسانًا مثله يمتلك هذا القدر من الموهبة، والاحتفاء كان من المؤسسة التي ينتمي إليها وهي دار ثقافة الاطفال بحضور عدد من رسوماته المختلفة وبعض من منحوتاته التي تشكلت في احدى قاعات الدار بمشاركة رسومات لعدد من زملائه في الدار، وجمع من اهل الدار والفنانين والاعلاميين والمثقفين، ومنهم زوجة الفنان الراحل مؤيد نعمة التي اعطى حضورها معنى الوفاء، وكانت السعادة بادية على وجوه الجميع والكلمة التي تتردد بينه: انه يستحق التكريم.
بدأ الاحتفال بكلمة قصيرة للمدير العام للدار قال فيها: شرف كبير للدار ان تحتفي بهذه العبقرية، بهذا الفنان الكبير الرائد المبدع طالب مكي، حقا انه صرخة الصمت، الذي اطلق عليه جواد سليم لقب (اسد بابل)، وقد تأخرت الدار كثيرًا بالاحتفاء به حيث الاحتفاء بأمثال طالب مكي يمثل فعلاً انسانيًا يؤكد حيوية الثقافة، وقد عانى كثيرًا من الاهمال وعدم الاهتمام، وهذه المرة الاولى التي يتم تكريمه فيها طوال حياته.
ثم دعا العتابي الفنان طالب مكي لارتقاء المنصة، وقد اثار هذا الحضور كونه (اخرس)، ولا يمكنه النطق والتعبير عن خلجاته، لكن شقيقه الكاتب والصحافي موفق مكي صعد معه وتبعهما الناقد التشكيلي صلاح عباس الذي افتتح الحديث قائلا: ما الذي ينبغي لنا قوله في رجل صهر نصف قرن من عمره في بوتقة الفن وصاغ قلادة ثمينة ثم علقها على جيد الثقافة العراقية، واضاف صلاح: يقول جبرا ابراهيم جبرا: كان جواد سليم يلقبه بأسد بابل، فلماذا هذا الوصف؟ اعتقد ان جواد سليم يمقت المتحذلقين الذين يحلو لهم الثرثرة ويكره الكلام الزائد، ولأن اسد بابل اشبه بالمستودع الكبير للقصص والاشعار والحوارات، والكلام الذي يمكن تقويله على انحاء شتى، فأنه يقف اعزلا ثابتا منذ آلاف السنوات ولآلاف العقد التاريخية فصمته المهيب يعلن عن بلاغته، وطالب مكي المنحدر من ارض الزقورات، حمل صمته البليغ مثل اسد بابل، ويبدو لي ان طالب مكي اسعد حظا من الجميع لانه اجرى حوارات كثيرة مع جواد سليم لا من خلال الكلمات المؤلفة من حروف ابجدية او معان مجترحة من قاموس ولكنها حوارات روحية حميمية تتخاطر فيها العيون بالعيون والقلوب بالقلوب.
وبعد ان انتهى صلاح عباس من كلمته قال: الان.. لنصغي الى الحوار البليغ الذي سينطق به طالب مكي، ولا اكتم ان القاعة الكبيرة شهدت سكونا غريبا، فكيف سيتحدث الاخرس وقد توقفت امامه (مايكات) القنوات الفضائية، وتحدث طالب، كان صوته يجيء هادئا بموسيقى تصدر من القلب، كان صوته يرسله (مايكروفون) القاعة ولكن كل ما قاله طالب عبر الالفاظ والايماءات سرعان ما فسره شقيقه موفق مكي بلغة عربية فصحى، قال: يقول طالب: اول ما بدأت حياتي كنت آخذ طباشير او فحمًا وارى جدارًا مجصصًا وابدأ الرسم عليه، ارسم البيئة التي كنا فيها، كنت ارسم (البعران) جمع بعير، والريفيات على المجصصات، في مدينة الشطرة التي ولدت فيها عام 1936، وجدت مكانا جميلا يشقه نهر الغراف وكورنيش من اجل الشوارع وعليه مقاهي من اجمل المقاهي، وحين انتقلنا الى مدينة الديوانية وهي المدينة العراقية التي تطل على الصحراء، اي انتقلنا من الريف الى ما يشبه البداوة، واضاف موفق متحدثا عن لسان طالب: ان اباه كان من الشخصيات الثقافية المعروفة وعمل بداية حياته معلما واسس مكتبة الديوانية وحين انتقل الى بغداد اسس عدد من المكتبات منها مكتبة الطفل العربي عام 1967، بالتعاون مع المرحوم عزيز علي مدير مدرسة الموسيقى والباليه، وقال ايضا: صرت اطرش واخرس نتيجة اصابتي بمرض (الخناق)، كنت بكر والدي من الذكور ويحبني حبا كبيرا واكتشف عندي هذه الموهبة منذ صغري حينما كنت لمسك الطين واصنع منه اشياء، فجاءني ابي بالورق والالوان، ثم راح يجلب لي الطين الاصطناعي، كان يقول لي انحت ايضا ويفسح لي المجال لابتدع شخصيات خيالية، ومن ثم اكتشق والدي انني اذا ابقى في الديوانية سانحرم من الثقافة فانتقلنا الى بغداد.
ويستطرد: في سنة 1952 ذهبنا الى معهد الفنون الجميلة وكان العميد انذاك ذنون ايوب وهو من الشخصيات الثقافية عالية الجناب، وعندما قدموني له اندهش ولكنه قال: (ما اقبله.. لانه لم يدخل مدرسة نهائيا، ولا يقرأ ولا يكتب)، ويعقب موفق متواصلا (ولا زال الى الان)، ثم يكمل ترجمة ما اراد طالب قوله: فذهب والدي مع حسين الشعرباف الى وزير المعارف لكنهم عملوا خدعة وهي انهم اجلسوني في مكان بعيد وذهبا يتحاوران مع الوزير، فرسمتهم معا ثم كل واحد على حده، فوضعوا الصور امام الوزير الذي اندهش، فقالا له انه يريد ان ينتمي الى معهد الفنون الجميلة، فأرسل الوزير الطلب الى رئاسة الوزراء فتمت الموافقة ودخلت المعهد عام 1952، وقبلت فيه على هذا الاساس!!.
ويمضي الصامت في سرد حكايته في المعهد ومن ثم علاقته بالفنان جواد سليم معبرا عن لسان حاله الذي يترجمه شقيقه: اول ما دخلت الى قسم الرسم اخذ الاستاذ فايق حسن يدربني على التخطيط، وبعد ذلك صرت اذهب الى قسم النحت فكان جواد سليم يطردني ويقول لي: (رح لقسم الرسم لاتجي اهنا)، طردني عدة مرات، لكنني ذات يوم وقبل ان يجيء طلاب قسم النحت دخلت القسم وكان هناك فراش زنجي فقمت بنحته، اكملته بسرعة خلال ربع ساعة، وجاء جواد وشاهد النحت واندهش فقال لي: (لا تروج لقسم الرسم ابقى بقسم النحتن انت فنان بالفطرة)، وتوقف مكي عن سرد الحكاية ليعقب بقوله: (عام 1959 في برنامج تلفزيوني نحتني بعشر دقائق، وكان على اساس يروح بعثة الى ايطاليا ولكن احدهم اعترض بحجة انه لا يقرأ ولا يكتب!!).
ويواصل الصامت طالب مكي في استذكار سيرته الذاتية قائلا: كنا في الصف الثالث عام 1955 وحدث ان اقيم في مدينة المنصور اول معرض لمعهد الفنون الجميلة، وانتخبني جواد سليم لاقدم تماثيل، وكان الافتتاح بحضور الملك فيصل ونوري السعيد والوصي عبد الاله، ومنها تمثال عملته صغير وعرضي من حديد وشاهده صباح ابن نوري سعيد واشتراه بمبلغ (15) دينار، واخر اشتراه سفير اوربي وثالث اشتراه السفير الاندنوسي، جواد اندهش من ذلك وقال: كيف تباع لي لوحة واحدة وانت تبيع ثلاثة، كنت انا تلميذ وهو استاذ كبير، كان جواد دقيقا جدا عندما كان ينحت تمثال، فلديه مقاييس خاصة، كان يسألني من اين تعلمت النحت فأجيبه ان ابي كان يأتيني بالطين الاصطناعي.
ومضى موفق يسرده طالب الى ان يصل الى قوله: بعد ان اكملت الصف الخامس في المعهد عام 1957 كتب جواد توصية الى عميد المعهد النحات عبد الرحمن الكيلاني بأن اعطى شهادة لكنها تأخرت الى ما بعد ثورة 14 تموز / يوليو 1958، فرفع الكيلاني توصية الى رئاسة الوزراء فطلب عبد الكريم قاسم مقابلتي فقرر مجلس الوزراء منحي شهادة دبلوم فنون تشكيلية.
وتواصل طالب متحدثا بالاشارة والحروف المدغمة ليقول: الحياة بالنسبة لي العراق، شمسه وترابه وماءه وناسه وفقراءه، هذه هي الحياة العراقية التي اعبر عنها واعطي شخصية العراقي، انني حين كنت اتأمل الحضارة ارى الشخصية العراقية متألقة دائما عبر كل العصور، وقد اصبحنا نفتقد هذا البريق الان وهذا وهذا يؤلمني، وانا ادعو للسلام واتمنى ان ينفتح الشباب لان العراق طاقات تفوق المنطقة بأكملها.
بعد ذلك تحدث الرسام عبد الرحيم ياسر مستذكرا ايام طفولته التي كانت معجبة برسومات طالب مكي من خلال رسوماته في مجلة (العاملون في النفط)،مشيرا الى ان سبب مجيئه الى دار ثقافة الاطفال هو طالب الذي اشار اليّ ان اجيء الى الدار وهو الذي عينني رساما فيها وهو الذي علمني الكثير خلال 36 عاما، علمني كيف اكون رساما عراقيا من خلال البيئة التي ارسمها، واضاف رحيم: طالب رسام لديه ميزات ولكن للاسف ان كلامنا عن طالب بدون احصاء وكان من الممكن ان تكون له اهمية كبيرة بوجود الاحصاء وكم رسم وكم نحت، وكنت اود ان اقول انه رسم ونحت عشرة الاف قطعة ولوحة.
ثم تحدث صادق الصائغ قائلا: لم تبق لي فضلة من قول بعد الفيض الذي غطى زمنًا كاملاً، وانما حياة كاملة لمسيرة الفنان العراقي الكبير، احاول ان اجد زاوية شخصية، لمسات تخرج عن السياق وتوصلني الى علاقتي الجمالية والانسانية لرجل احببته من اليوم الاول للقائي به على الرغم من ان اللقاء لم يكن مباشرًا بل من خلال لوحة معلقة في بيت خالي عزيز علي.
ومضى الصائغ يسرد حكاياته مع طالب مكي الى ان قال: طالب رسام مجهول، ليس وحده بل اغلب الرسامين مجهولون وهذا سبب اساسي في الازمات التي مر بها البلد، ومنها العلاقة بين الفن والسلطة، طالب.. كل الضغوط التي وجهت اليه من اجل ان يعلن اشارة منه انه قريب من السلطة لم تحصل ابدا، ظل صامتًا وكما قيل عنه اسد بابل، اسد بابل صامت لكن طالب ناطق عبر العصور، واتصور ان قوة طالب كانت تؤهله الى ان يكون معاصرا وليس كلاسيكيا، ولكن ربما لخرسه او عوقه بالقراءة والكتابة، فظل ضمن حدود المدرسة التي تسمى مجازا بالكلاسيكية.
وقبل الختام.. كانت الهدايا تقدم اليه مثلما القبلات فيما كان الصامت يصرخ بالكلمات المعبرة التي تخرج كلماتها من تعابير وجهه الطافحة بالسعادة، سعادة الذي اخيرا وجد احدًا يحتفي سنواته وابداعاته المثيرة للدهشة!!.