نص
يسرُّ بلادي عادةً أن تلعبَ بي...
وبعد أن تبلعني في جحيم حروبها،
تبصقني وحيدا دون أن تمنحني فرصة
استنشاق ترابها الذي لم يرسم ملامحي
كما يجب... وتدفعني لضياعٍ متسلسل.
أُناطح سحب الكونكريت وأمطرُ دما،
أمطر كلما هزّتني نخلةٌ لحنينها وحزنها
السامق، امطرُ كلاما أُعلقُهُ للسابلة
الذين لاينظرون إلاّ لحذائي، أمطر
طَرَقاتٍ على أرصفة المحطات، وأتخيّلُ
نفسي بعيرا أعارتهُ الصحراءُ جاهليّةً
فنساها مركونةً في باصٍ قديم.....
لكنني مازلتُ اقولُ بلادي.. التي..
غالبا... تغدرُ بِي،وتُرضِعُني مبيدَ
الحشرات.... وأحبها...
قدماي تعشقان فلقتَََها، وأذناي
مازالتا تطربان بشتائم العريف.
ويدي تحنُّ لإصبعٍ مازال يرتعش
هناك عند شظية حسناء تقبّلنا بين
حين وحين.....احبُّ سجونها ونساءها
المحجّبات بدروع الحديد...
كيف لا احب بلادي؟؟؟؟
تلك التي أسمتني بسطالاً وأنا في ربيعي
وكبّلتني أسلاكا من ورد الحديد وازهار
الرصاص... بلادي التي أطلقتُ عليها
قبلاتي وأطلقتْ على أحلامي الصواريخ.
بلادي التي رسمتْ أذنيها في كلِّ جدار،
لترصدَ حروفي و دقات قلقي...
بلادي التي وضعتْ في كلِّ مؤخّرة عينا
لترقبَ حسرتي خشية الإنفجار...
بلادي التي.. جعلتني احب الحياة..
هكذا... عندما تخبزُ امّي طينا، لنأكلهُ
مغمّسا بدمعها اللذيذ..
عندما نشربُ دجلةَ معفّرةً بصديد الذاهبين
إلى اللجنة.. هكذا. عندما نتسامرُ في
الأوقات الضائعة لمشنقة تنتظر
أو رصاصة في الهواء...
كيف لا احبُّها وهي إمرأة وقفتْ تسألني؟
هل ستكون رجلا ذات يوم؟؟
بلادي التي احبها حدّ الجنوب،وعند
شمائلهاأتنفسُ السياط وفي أوساطها
يعمُّ جفاف اللا وقود،، فنهرعُ بين
صفعة وأخرى بحثا عن رطوبة البترول
لتتزيّن به نساؤنا هربا من ظلام الفوانيس.
بلادي التي كلما قبّلتُها أهدتني حلوى
عالية السُكْرِ مُركّزةَ الدسِّ، فالعقُها
مُعلَقا بمراوح طفولتي التي لم يستطعْ
(مكسيم غوركي) تناولها كقسوة الصباح.
طفولتي المفخخة بالرفاق المنتشرين
في اللاحديقة كأزهار من برازٍ مجفف.
طفولتي التي عشقتُ ساحاتها في
المناطق المحرّفة، ولكي لا تنفجرُ الألغاز،
وددتُ أن احبها هذه البلاد وهي تضاجعُ
طفولتي، ليتكّون شبحي أنا..أنا وحدي..
هذا الظلُّ الباحثُ أبدا عن تراب مهزوم..
بلادي التي احبها ضاحكةً، باكيةً..
بلادي التي كلما دخلها هولاكو إزرقَّ
ليلُها بغسل الجنابة، وكثر عددُ سكانها
مجهولي الهوية...
بلادي التي تستحي منّي ومنكَ، حيث
كلما نكحتْ مساميرُ أحذية الجند الأغراب
أعمارَنا، تَلِدُ خرابا يحملُ متاحفَهُ وبقايا
أبيات جاهلية لاتجيد البكاء.
أعشقُ معصميها مُكبّلين بشعارات الحزن
ورأسها يطلق رصاصاتِ الرحمة على
إخوتي في ساحة الأعداد اللا متناهية..
أعشقُ أيتامها وحافلاتها المُتّجهة لقاتلٍ
مجهول... كيف لا... وهي بلادي التي
منحتني ذكرى أخي ميّتا في سوق بريء
حيث تُباع الألغام.. هربَ أخي إلى الجنّة
تاركا أطفاله لايجيدون بيع السجائر على
رصيفٍ ضائعٍ... هربتُ أنا..أبحثُ عنها
، تلك التي لم تهبني سوى البكاء والبلاهة.
بلادي التي تعوّدتْ نواقيس الحروق....
ومن فرط حبها لي، زرعتني في الصف
الأول لخطوط التماس، وجعلتني عصاها
المفضّلة في قياس نسبة اليورانيوم،
والكشف عن الجثث المخصّبة، أهدتني
فرصة أن أشاهد أصحابي يحملون جثثهم
متنزّهين في صالات ترابية،، يتكوّمون
على بعضي،كتلّ ٍكاريكاتيري تعلوه ساقٌ
تلوّحُ ببسطال لسماءٍ خالية.....
بلادي التي كلما دخلها الفاتحون، تزهو كشمسٍ
تروّج للظلام، وكلما خرجتُ منها، سرقتْ
ذاكرتي وعلّقتني في مشجبٍ لقلع الأضافر..
أعشقُ ربوعها المُبللة ولحمها المُر وشعراءها
المشنوقين بين السطور وحاناتها المُكتظّة
بالكلام ونواعيرها تسحلني معصوبا وبناتها
المتخفيات خوفا من الحيامن وجنرالاتها الذين
يعشقون نبيذ الدم وسخامها الذي جردته الطبيعة
ونومها الرومانسي في كوابيسه ويقظتها في جيفة
صباح الفم وعوائها وزغاريدها في زفِّ الجنائز
وأطفالها الذين ضاقتْ بهم الشوارد باحثين عن
أبٍ رفضتهُ المصحة وأمٍّ لم تعد في قائمة الأرامل.
بلادي التي.............كلما نظرتُ إلى السماء
كرهتُ الله لإجلها.