عبد الجبار العتابي من بغداد: ضمن منهاجه الاسبوعي، وفي اصبوحته الاربعائية استضاف الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق الموشح الاندلسي الذي حمل انفاسه الدكتور خليل محمد ابراهيم / استاذ الادب الاندلسي في الكلية التربوية المفتوحة، الذي قال ان الموضوع الذي سيتحدث عنه يحمل عنوان (الموشح الاندلسي بين الاصالة والابداع / جادك الغيث.. انموذجا).
كان الغبار الكثيف الذي تواصل في نزوله على بغداد مانعا حقيقيا في حضور ما يمكن توقعه من الادباء والاعلاميين ورواد الاصبوحات، لكن الحضور كان جيدا وان تأخر موعد الاصبوحة قليلا، فلم تخل الا مقاعد قليلة، وبعد ان جهزت شاشة كبيرة لعرض ما يريد توضيحه المحاضر، بدأت الاصبوحة بكلمات لمقدمها الشاعر جبار سهم السوداني، الذي حاول ان يرش ماء الموشحات على الحاضرين ليبلل امزجتهم التي ربما اعتقد ان الغبار قد عكرها، فقرأ بعضا مما يحفظه منها، ثم قال: (سمي الموشح أندلسيا باعتبار ان العرب قلبوا اسبانيا الى أندلس بذائقتهم المرهفة التي اصبح يعتز بها الاسبان انفسهم)، ثم استوى على المنصة ليقدم المحاضر الذي بعد ان حيا الحضور دخل في موضوعه قائلا: حين بدأت تباشير الموشح في الاندلس، كانت حركة التطور الشعري في الشرق (شكلا ومضمونا) قد ظهرت للعيان، فقد ظهر الازدواج والتشطير والتخميس، وما الى ذلك من تطوير للشكل الشعري، هكذا استقرت اساليب جديدة في مفتتح القصيدة وموضوعاتها والالفاظ المستعملة فيها وطرائق النظم والبلاغة واكثر من ذلك، فقد تعددت اساليب الفهم وتنوعت وسائل النقد استجابة للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على بلاد المشرق، فأذا صح هذا، لم يكو ظهور الموشح في الاندلس غريبا خصوصا وان (زرياب) غادر بغداد ورحل الى الاندلس التي استقبلته برحابة صدر وقبلت ابداعاته الموسيقية احسن قبول، فلما وجد ارض الاندلس صالحة لزراعة فن موسيقي جديد يذر فيها بذور الموسيقى الجديدة المحتاجة الى شعر جديد تلحنه وتعرف بع لمغنيه، فكان الموشح ثمرة طبيعية لكل ما تقدم ولسواه، ثم ان الوشاحين لم يخيبوا ظنون من وراؤهم من الملحنين والمتلقين، فقد تعددت اوزان الموشح وقوافيه الى درجة كبيرة حتى قيل: تنقسم الموشحات بشكل عام الى قسمين من ناحية اوزانها، فمنها ماجاء على اوزان اشعار العرب ومنها ما لا اوزان له فيها ولا المام له بها كما يقول ابن سناء الملك.
وبعد ان يشرح القسمين حيث الاول ما جاء على بحور الشعر المعروفة وهو المرذول، والثاني ما خالف اوزان العرب، يتوقف امام لسان الدين بن الخطيب حيث يصدح بـ (جادك الغيث اذا الغيث هما يا زمان الوصل بالاندلس) حيث يقول عنه: في هذا الموشح تتجلى صورة من صور اصالة الموشح الاندلسي، كما يبدو فيه ابداعه، وستستثمر موشحات اخرى لهذا الغرض او ذاك.
وبعد ان يطرح مجموعة اسئلة حول اصالة الموشحات يقول: لقد كان لسان الدين الخطيب اصيلا الى درجة واضحة وكان مبدعا بدرجة اوضح في موشحه (جادك الغيث) ثم يشرح انموذجات اندلسية مشيرا الى (غلبت المقدمة الطللية على شعراء الجاهلية والاسلام والامويين، بل غلبت على شعر بعض شعراء العباسيين الذين سخر منهم ابو نؤاس في مثل قوله:
راح الشقي على دار يسائلها
ورحت اسأل عن خمارة البلد
وهو ما دفع بعض الشعراء العباسيين ومن جاء بعدهم الى تجنب هذه المقدمة وعدها عيبا، وتسويغ هذا كله نقديا، فلما جاء ابن الخطيب وجد كل هذا مستقرا نظما ونقدا، لكن وجد مبدعين تجرأوا على خرق هذا كله ومنهم الوشاح الاندلسي البارز (ابراهيم بن سهل الاشبيلي) الذي ابدع منحرفا عن هذه القاعدة حين قال في موشحه المشهور:
هل درى ظبي الحمى ان قد حمى
قلب صب حله في مكنس
فهو في حر وخفق مثلما
لعبت ريح الصبا بالقبس
فكلمات (ظبي، الحمى، مكنس، الصبا) كلها فصيحة صحيحة سهلة الا انها بدوية مما في جزيرة العرب، فأين الظباء والحميات ومكنس وريح الصبا في الاندلس، انها مقدمة طللية بشكل ما لكنها بديعة في موشح يريد ابن الخطيب ان يعارضه، فاذا به يأتي بمقدمة ليست من الجاهلية ولا البداوة في شيء لكنها تذكر بهما حين قال:
جادك الغيث اذا الغيث همى
يازمان الوصل بالانداس
لم يكن وصلك الا حلما
في الكرى او خلسة المختلس
ومع همسات المحاضر بكلمات ابن الخطيب، كانت جسد القاعة يقشعر شوقا وهياما وتنهدات وقد كان عطر اللحن يصدح في النفوس، قال المحاضر: الا ترى ان ارض الاندلس معطرة ممرعة، انهم يرجون السقيا للبوادي والصحارى ولاسيما جزيرة العرب، ثم انهم يريدون السقيا للميت، وهو عند ابن الخطيب (زمن الوصل) وهو يلح عليه في مجمل الموشح حتى قال في الدور الثامن:
سلمي يا نفس في حكم القضا
واعمري الوقت برجعي ومتاب
واتركي ذكرى زمان قد مضى
بين عتبي قد تقضت وعتاب
وابن الخطيب وغيره من الاندلسيين يتناصون في (طلب السقيا) مع سكان جزيرة العرب، ومن نحن نحوهم من الشعراء، غير ان الباحث يلاحظ تناصا قريبا مكانا، بعيدا زمانا بين ابن الخطيب في مطلع موشحه المتقدم (الفقل الاول) وقول ابن زيدون في نونيته:
ليسق عهدك عهد السرور فما
كنتم لارواحنا الا رياحينا
او قوله:
يا ساري البرق غاد القصر واسق به
من كان صرف الهوى والود يسقينا
وهما في الموضعين ينوحان على زمن جميل انقضى ولا امل في عودته مستعملين الفعل الماضي الناقص لفظا كما فعل ابن زيدون اذ قال (كنتم) او (كان) او معنى فعل ابن الخطيب حين قال (لم يكن).
ويذهب المحاضر في شرح تفاصيل العديدة للموشح حتى يصل الى الحديث عن (لغة الموشح) فيقول: كان الوشاحون يتظرفون اذ يتساهلون في لغتهم بمسائل النحو والتعبير حتى قال د. جودت الركابي: (اصبح الشاعر الوشاح لايجد حرجا في التساهل اللغوي طالما ينبغي ارضاء الاذواق العامة)، اما ابن الخطيب فقد بدأ لغويا كبيرا ونحويا بارعا، قلما اخطأ اللغة والنحو في موشحه تبيانا لقدرته الابداعية عبر الاصالة، لكنه ماشى الوشاحين اذ اجوز قليلا ومما تجوز به في موشحه هذا قوله في الدور التاسع مادحا (الغني بالله) امير غرناطة الذي استوزره:
مصطفى الله سمي المصطفى
الغني بالله عن كل احد
كلمة (الغني) هنا نعت للمصطفى وهو مرفوع، فحق نعته الرفع وعلامة رفعه ضمة ظاهرة على ياء مشددة، الا انه لم يشددها ولم يظهر الضمة مجاراة للوشاحين وانسجاما مع متطلبات الوزن.
ثم يأتي المحاضر الى شرح امثلة اخرى، عبر جداول نظمها وقام بعرضها على الشاشة لتوضيحها للحضور من خلال بحور الشعر والاوزان الخليلية، قائلا في ختام حديثه (لو درس كل ما تقدم على حده لبدا تنوع موسيقي جذاب لا حد له داخل وزن واحد من اوزان الخليل هو بحر الرمل خلافا للوشاحين الاندلسيين ونقادهم واتفاقا معهم).
بعد ذلك راح المحاضر يتحدث عن (اختتام الموشح) بدأه بقول للشاعر الدكتور محمد مهدي البصير (ومما سنه القوم في اكثر الموشحات مدح ان يختتم الموشح بالغزل ويخرج من المدح اليه كما خرج اليه منه، وهذا هو الاكثر من عملهم والاظهر من مذهبهم) فقال: (فأذا ما نظرنا الى ما فعله ابن الخطيب وجدناه يصرف ثمانية اقفال وسبعة ادوار من موشحه الى الغزل ثم يبدأ المدح في الدور الثامن) وبعد ان يعطي عددا من الامثلة على ذلك ينهي محاضرته بقوله: هكذا يتجلى ابداع الوشاحين الاندلسيين ومنهم لسان الدين بن الخطيب الذين خلدوا عبر الاصالة، فلا ابداع بلا اصالة، ولا اصالة بلا ابداع، فكل اصيل مبدع وكل مبدع اصيل).
ومع التصفيق الذي اهدى فيه الحاضرون تحياتهم وثناءاتهم للمحاضر جاءت المداخلات لتثني على المحاضرة القيمة التي اعادة الى الاذهان جمالية الموشح والحنين الى الاندلس وزمان الوصل في الاندلس.